ماذا قدم السيسي لترامب من تنازلات حتى ينال إشادته مرتين في أسبوع؟

ترامب وصف السيسي بأنه صديق وقائد عظيم- جيتي
أثارت إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، أكثر من مرة خلال أيام قليلة الجدل والتساؤلات حول سر الإطراء والتعامل الراقي من ترامب مع السيسي، في الوقت الذي يواصل فيه رجل البيت الأبيض (رقم 47) إهانة رؤساء وقادة دول علنا أمام الكاميرات.

ووجه ترامب، الجمعة 16 كانون الثاني/ يناير الجاري، رسالة إلى السيسي، مشيدا به في موضعين منها، ومبديا استعداده لوساطة مع إثيوبيا لحل أزمة مياه النيل، حيث شكره على وساطة وقف لإطلاق النار بين دولة الاحتلال وحماس، قائلا: "أُقِرّ وأُقدّر دوركم الثابت في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية التي واجهت المنطقة... "، ليختم رسالته: "أشكركم مرة أخرى على الصداقة والشراكة التي قدمتموها لي وللشعب الأمريكي".

صديقي قائد ورئيس عظيم

يعيد ترامب الإشادة بالسيسي، خلال لقائهما على هامش قمة دافوس بسويسرا، الأربعاء الماضي، مثمنا مشاركة السيسي بمجلس السلام العالمي، قائلا: لدينا سلام بالشرق الأوسط، ولدينا رئيس ساعدنا كثيرا، بل كان أكثر من ساعدونا، وقد تلقينا دعم دول عديدة، لكن دعم مصر كان عظيما، الرئيس كان عظيما".

وأضاف: "صديقي قائد عظيم، ورئيس عظيم، ويشرفني أن ألتقيه، العلاقة كانت قوية منذ البداية، منذ سنوات مضت"، لينهي اللقاء أمام إعلام منتدى "دافوس"، مصافحا السيسي، قائلا: "لذا أود أن أشكركم جزيل الشكر".

في تلك الأثناء وبين الإشادة والإطراء، تحدث ترامب عن الخلاف المصري الإثيوبي للمرة الثانية في أسبوع، قائلا: "فجأة، تم حجب تدفق المياه بواسطة سد ضخم للغاية، لن أكون سعيدا بذلك، سأحاول جمعكما معا، لنرى ما إذا كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق"، وفق ما نقله البيت الأبيض.



علاقة قديمة ودعم مالي

في المقابل، ثمّن السيسي، دور ترامب بوقف لحرب غزة، وبدء المرحلة الثانية من الاتفاق، واهتمامه بقضية مياه النيل، مؤكدا وفق موقع الرئاسة المصرية أن "رعاية الرئيس الأمريكي لجهود تسوية الأزمة تفتح آفاقا نحو انفراجة مرتقبة".

وعلى مدار مدة رئاسية أولى لترامب (2017- 2021)، ومع مرور عام من الولاية الثانية، ظلت علاقته بالسيسي، أكثر ودية، منذ أن قدم رئيس النظام المصري تمويلا ماليا لحملة ترامب، في انتخابات 2016، تجري حوله السلطات الأمريكية تحقيقا سريا.

وفي آب/ أغسطس 2024، قالت صحيفة "واشنطن بوست"، إنه قبل 5 أيام من تولي ترامب منصب الرئيس الأمريكي، كانون الثاني/ يناير 2017، تلقّى مدير فرع بنك بالقاهرة رسالة من جهاز المخابرات المصرية، لسحب 10 ملايين دولار من حسابها.


وكشف تقرير الصحيفة، أن المحققين الفيدراليين علموا بالسحب، أوائل عام 2019، ما أدى لتكثيف تحقيق جنائي سري بمعلومات استخباراتية أمريكية تشير إلى أن السيسي، سعى لمنح ترامب 10 ملايين دولار لدعم حملته الانتخابية.

مجلس السلام العالمي

ويتزامن إطراء ترامب بالسيسي، في ظل أحداث عالمية وإقليمية متتابعة، بينها إطلاق ترامب "مجلس السلام العالمي" الخميس الماضي، بحضور 20 دولة بينها السعودية وقطر والإمارات، وفي غياب أوروبا الغربية، ورفض فرنسا والنرويج والسويد، خاصة مع فرضه رسوم عضوية مليار دولار، وطلبه البقاء رئيسا للمجلس مدى الحياة، ووجود دول غير مرغوب فيها.

ورغم أن ترامب أكد أن هدف المجلس إنهاء "حرب غزة" إلا أن ميثاق المجلس لا يذكر القطاع، كما أنه وفقا لبيان "هيومان رايتس ووتش" دعا دول قمعية للانضمام، مثل: الصين، وروسيا، وفيتنام، وبيلاروسيا والمجر، وكذلك إسرائيل،

مفارقة إهانة أوروبا وإطراء السيسي

ويرى مراقبون أن "إشادة ترامب بالسيسي، في ظل تدشين (المجلس العالمي) لا تعني سوى أنه قدم تنازلات واسعة بشأن ملف غزة"، مؤكدين أن "مصر كانت الأولى بالإشراف على إدارة القطاع لا ترامب ولا (مجلس السلام) المثير للجدل والرفض العالمي".

وربط متابعون بين إشادات ترامب بالسيسي، وإعلانه قبول مصر الانضمام لـ"مجلس السلام العالمي"، وحديثه المتعاطف مع القاهرة بملف مياه النيل، واستعداده للتوسط بين مصر وإثيوبيا، متخوفين من "حدوث مقايضة أو ثمن باهظ قدمه السيسي ليحصل على إشادة ترامب مرتين في أسبوع".

وتعجب البعض من التعامل الراقي من ترامب مع السيسي، على غير عادته مع رؤساء دول، ملمحين إلى "إهانته وتوبيخه رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، في شباط/ فبراير الماضي، داخل البيت الأبيض وأمام كاميرات الإعلام".

وأشاروا إلى أن "ترامب، في تموز/ يوليو الماضي، وأثناء غداء عمل بالبيت الأبيض، أحرج رؤساء 3 دول أفريقية وهم: الموريتاني محمد ولد الغزواني، ورئيس غينيا بيساو عمر سيسوكو إمبالو، والليبيري جوزيف بواكاي، وعاملهم بشكل غير لائق".

ولفتوا إلى أن "إشادة ترامب بالسيسي، تأتي في توقيت يواصل فيه إهانة قادة الاتحاد الأوروبي والتقليل من شأنهم، وبينما وصفهم الشهر الماضي بالضعفاء، سرب بعض لقاءاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهديد باريس بفرض رسوم جمركية، وأعلن رغبته ضم جزيرة "غرينلاند"، ووبخ رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره لعدم منحه جائزة (نوبل للسلام)".







صفقة أم ضرورة؟

وفي تفسيره لسر الغزل المتبادل بين ترامب، والسيسي، قال المتحدث باسم مجموعة "تكنوقراط مصر" هشام الجعراني، إن "المشهد مثير للجدل بالفعل، ويأتي في سياق 3 محاور أساسية، أولها: مفارقة (الديمقراطي والديكتاتور)، مؤكدا أنه "من المثير للدهشة فعلا رؤية رئيس دولة تُصدّر الديمقراطية للعالم كأمريكا، يتودد لرئيس يوصف محليا ودوليا بالحكم بـ(الحديد والنار)".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أنه "في مدرسة ترامب السياسية، لا يرى في قادة الدول سوى أدوات وظيفية؛ ولا يهتم بمنهج الحكم داخل مصر، بل يفضل الرجل القوي الديكتاتور، الذي يضمن له هدوء دون الحاجة لإشراك مؤسسات وبرلمانات قد تعيق تنفيذ الصفقات الكبرى".

ويرى الجعراني، أن "الثمن هنا هو غض الطرف الأمريكي عن ملف حقوق الإنسان في مصر مقابل دور مصري محدد في ملفات إقليمية ساخنة".

ولفت إلى أن المحور الثاني يتمثل في "منطق رجل الصفقات والجهة المانحة"، مشيرا إلى أن "السؤال الجوهري: لماذا يتودد مانح المعونة (أمريكا) للمستفيد (مصر)؟"، موضحا أن "ترامب لا يتعامل مع المعونة المالية كمنحة، بل كقسط تأمين أو عربون صفقة".

وفي إطار اتفاقية "كامب ديفيد" تمنح واشنطن القاهرة معونة سنوية 1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية غالبا.

صفقة المقايضة الكبرى

ويعتقد المعارض المصري، أن "القاهرة رغم أزمتها الاقتصادية، تملك أصولا جيوسياسية لا تقدر بثمن؛ وتودد ترامب ليس حبا، بل هو استثمار؛ والتأكد من أن مصر ستسير تماما في ركاب رؤيته لصفقة القرن، أو إدارة قطاع غزة بما يضمن أمن إسرائيل بالدرجة الأولى، مقابل وعود بحل ملفات مثل السد الإثيوبي".

وثالثا، أشار عضو "تكنوقراط مصر"، إلى محور "أدوات القوة المصرية الحالية"، متسائلا: "لماذا مصر مهمة الآن؟"، مبينا أنه "رغم الضعف الاقتصادي تظل مصر تملك أوراقا تجعل إدارة ترامب تغازلها، مثل: الجغرافيا السياسية وغزة".

وأضاف: "مصر الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغط حقيقي على الأرض في قطاع غزة، وإدارة اليوم التالي للحرب، وهو ما يحتاجه ترامب بشدة لإغلاق هذا الملف".


وتابع: "كذلك يأتي ملف الأمن الإقليمي والممرات كإحدى النقاط الهامة حيث تظل قناة السويس، والتنسيق العسكري المصري في الصومال والسودان أدوات حيوية للحفاظ على مصالح الطاقة والتجارة العالمية التي تهم واشنطن".

وألمح أيضا إلى "حاجة واشنطن لكتلة إقليمية (مصرية-سعودية-تركية) تواجه نفوذ أطراف أخرى؛ مما يجعل إرضاء القاهرة ضرورة استراتيجية لترامب لضمان ولاء هذا المحور".

وخلص للقول إن "التعامل الراقي المريب من ترامب هو مجرد تغليف لصفقة قد تكون هي (المقايضة الكبرى)، والتي قد تكون تبعاتها ثقيلة على مصر وشعبها".

حامي حمى الكيان

وفي تقديره للموقف، قال السياسي المصري محمد سودان: "السيسي أكثر من خدم الاحتلال الإسرائيلي منذ طوفان الأقصى؛ فقد حاصر غزة بكل ما يستطيع من قوة وإمكانيات، وأطلق العنان لمقاتلات الاحتلال وجنوده في سيناء، وأمد الكيان وشعبه بالغذاء في ظل حصار الحوثيين للسفن الإسرائيلية وإسقاط الصواريخ اليمنية صوب الكيان، وربما ساعد في اغتيال قادة المقاومة في غزة".

القيادي بحزب "الحرية والعدالة"، سرد بحديثه لـ"عربي21"، أدوار السيسي في دعم تل أبيب، مؤكدا أنها سر إطراء ترامب عليه، موضحا أنه "منح الاحتلال بئر غاز بالمنطقة الاقتصادية لشرق المتوسط قيمته ٢٠٠ مليار دولار بالمجان، بعد أن أعاد رسم الحدود البحرية بين مصر واليونان وفلسطين المحتلة عام ٢٠١٤، بينما يعلم تماما بوجود هذا البئر".

وأضاف: "ولقد كشفت سابقا محاولات إسرائيل الاستيلاء على البئر إبان حكم الرئيس محمد مرسي"، ملمحا إلى حلقات بفضائية (مكملين) مع الإعلامي أسامة جاويش عام ٢٠١٣، نقل فيها حديثه مع سفير قبرص اليونانية حول البئر وأهميته وأنه أبلغ مؤسسة الرئاسة حينها لاتخاذ ما يلزم.

وأشار المسؤول المصري السابق في الحزب الحاكم (2012- 2013) إلى أن السيسي، أيضا استحق إطراء ترامب كونه واصل "الضغط على الشعب المصري طوال فترة الحرب على غزة، حتى لا يتجرأ أحد للتظاهر ضد مجازر الاحتلال".

ووأضاف أن ذلك قبل إجراءات مثيرة للجدل بينها: "إغراق جميع الأنفاق بين سيناء وغزة بمياه البحر، شريان الحياة للغزيين في ظل الحصار الإسرائيلي للقطاع"، ملمحا إلى إغلاق "معبر رفح وبالتالي منع دخول المساعدات الإنسانية لغزة بحجة الرفض الإسرائيلي، رغم أنه معبر مصري فلسطيني طبقا لمعاهدة (كامب ديفيد)".


ولفت أيضا إلى "صمت السيسي، علي قتل الجنود المصريين أكثر من مرة على حدود مصر وغزة وفلسطين المحتلة، وخرق اتفاقية السلام باحتلال إسرائيل (محور صلاح الدين) منذ أيار/ مايو 2024، ولم يحرك ساكنا لتلك الخروقات، بل يجرى اعتقال من يتحدث عن حصار غزة ومنع المساعدات".

وألمح إلى تنازل آخر، وهو "التفريط في حق الشعب المصري في مياه النيل وقضية السد الإثيوبي لأن الاحتلال وأمريكا والإمارات يستثمرون بالسد ولا بكاء على تعطيش وتجويع الشعب"، متسائلا في نهاية حديثه: "فلماذا لا يُثني ترامب على حامي حمى الكيان الأول بالمنطقة والشريك الأساسي بإنهاء قضية فلسطين".