"إيكونوميست": الضغوط السياسية تهدد استقلال البنوك المركزية عالميا

المجلة اعتبرت أن أخطر التهديدات تطال الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- الأناضول
نشرت مجلة "الإيكونوميست" تقريرا حذرت فيه من تنامي التدخلات السياسية في عمل البنوك المركزية حول العالم، مشيرة إلى أن استقلاليتها، التي لعبت دورا أساسيا في خفض معدلات التضخم وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، باتت مهددة بفعل ضغوط حكومات مثقلة بالديون وصعود تيارات شعبوية تسعى لتطويع السياسات النقدية لخدمة مصالح قصيرة الأجل.

وأوضحت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، أن فكرة استقلال البنوك المركزية قديمة بقدم هذه المؤسسات، غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمضى العام الماضي في ممارسة ضغوط مباشرة على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع، قبل أن يتصاعد التوتر مع كشف رئيس البنك جيروم باول عن توجيه وزارة العدل استدعاءات تتعلق بنزاع طويل الأمد حول تكلفة تجديد مقر البنك، ما وضعه أمام تهديد محتمل بتوجيه اتهام جنائي.

واعتبرت المجلة أن ما أقدمت عليه إدارة ترامب يمثل أخطر هجوم على استقلال البنوك المركزية منذ عقود، خصوصًا أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يعد الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم، لكنها شددت على أن التدخل السياسي في السياسات النقدية لا يقتصر على الولايات المتحدة، إذ باتت الاستقلالية موضع شك في دول عدة بعد أن وفرت لعقود طويلة استقرارًا وانخفاضًا في معدلات التضخم.


وأشارت إلى أن النسخة الحديثة من استقلال البنوك المركزية تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، حين حرر "اتفاق الخزانة والفيدرالي" عام 1951 البنك المركزي الأمريكي من الالتزام بإبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة، فيما مُنح بنك البوندسبنك الألماني صلاحيات واسعة لمكافحة التضخم ومنع تكرار انهيار العملة في عشرينيات القرن الماضي، ونجاحه في سبعينيات القرن العشرين جعله نموذجًا يحتذى به في أوروبا.

وأضافت أن حركة تعزيز استقلال البنوك المركزية اكتسبت زخمًا في ثمانينيات القرن الماضي مع تراكم الأدلة النظرية والتجريبية، التي أظهرت ميل السياسيين إلى تبني سياسات نقدية قصيرة الأجل لتحقيق مكاسب انتخابية، في حين أن تحقيق أهداف مثل التوظيف الكامل وخفض تكاليف الاقتراض يكون أكثر فاعلية عندما يُترك لبنك مركزي محافظ حتى لو كان شديد التركيز على مكافحة التضخم.

وأوضحت المجلة أن استقلال البنوك المركزية شكّل انتصارًا للاقتصاد التطبيقي، إذ أسهم في خفض معدلات التضخم وتقليص وتيرة الركود خلال ما عُرف بـ"الاعتدال الكبير"، مؤكدة أن ركود عامي 2007–2009 والركود القصير خلال الجائحة لم يكونا نتيجة مباشرة للسياسة النقدية، كما ساعد تبني هذا النموذج في الدول الغنية على تحسين أداء الاقتصادات الناشئة، حيث تراجع الفارق في معدلات التضخم بين الدول الفقيرة والغنية من 6.2 نقاط مئوية في تسعينيات القرن الماضي إلى 1.4 نقطة في العقد الحالي.

لكن هذا النجاح، بحسب المجلة، بات مهددًا في ظل تحول الحكومات في الاقتصادات المتقدمة إلى الاعتماد على العجز المالي وارتفاع مستويات الدين، ما جعل تأثير السياسة النقدية على الميزانيات العامة بالغًا، محذرة من أن تقويض استقلال البنوك المركزية في هذه الدول قد ينعكس بشكل أكثر خطورة على الأسواق الناشئة حيث لم يترسخ هذا الاستقلال بالقدر الكافي.

ولفت التقرير إلى أن ترامب ليس الزعيم الشعبوي الوحيد الذي يتدخل في السياسة النقدية، إذ وصفت رئيسة وزراء اليابان تاكايتشي ساناي سابقًا رفع أسعار الفائدة بأنه تصرف غبي، ما تسبب حينها في تقلبات بأسواق السندات، رغم أن بنك اليابان يتمتع رسميًا بالاستقلال، إلا أن مواقف الحكومة أثرت في قراراته، كما حدث خلال عهد شينزو آبي عندما تم الاتفاق على سياسة تحفيز نقدي واسعة لمواجهة الانكماش.


وأضافت المجلة أن تلك السياسة كانت مناسبة في ظل انخفاض الأسعار، إلا أن اليابان تواجه اليوم تضخمًا دفع البنك المركزي إلى رفع الفائدة لأعلى مستوى منذ ثلاثين عامًا، في وقت باتت فيه السياسة المالية والنقدية متعارضتين مع بلوغ الدين الصافي نحو 130 بالمئة من الناتج المحلي، ما يجعل أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة عبئًا ثقيلًا على الموازنة.

وفي أماكن أخرى، ينتظر الشعبويون النقديون فرصتهم، ففي بريطانيا يعارض كل من حزب الإصلاح اليميني وحزب الخضر” اليساري ارتفاع فاتورة الفائدة الحكومية، وهو ما تعزوه المجلة جزئيًا إلى مشتريات بنك إنجلترا الضخمة من السندات خلال الأزمة المالية، التي موّلت عبر خلق أموال جديدة على شكل ودائع، ما أدى إلى تضخم مدفوعات الفائدة على هذه الاحتياطيات.

وحذرت المجلة من أن إلغاء الفائدة على الاحتياطيات، كما يقترحه الحزبان، سيشكل ضريبة على المقرضين ويحوّل البنك المركزي إلى أداة نقدية في خدمة الحكومة، بما قد يدفعها إلى توسيع شراء السندات لخفض تكاليف الفائدة، وهو سيناريو لا يصبح خطيرًا إلا إذا فُقدت استقلالية البنك، خاصة مع دعوات ترى أن إشراف الحكومة على قرارات الفائدة يجب أن يكون مطروحًا للنقاش.

وتطرقت المجلة إلى منطقة اليورو، معتبرة أنها تواجه تهديدًا مشابهًا رغم أن استقلال البنك المركزي الأوروبي مكفول بالمعاهدات، إذ من المتوقع أن ترتفع الديون مع زيادة الإنفاق الدفاعي وشيخوخة المجتمعات، وسط ضغوط شعبوية ترفض خفض الميزانيات، ما يرفع خطر اندلاع أزمة ديون جديدة قد تُجبر البنك على دعم الحكومات المثقلة بالديون كما حدث خلال العقد الماضي والجائحة.


وتابعت أن تبرير دعم هذه الحكومات في عالم يتسم بضغوط تضخمية بات أكثر صعوبة، وهو ما قد يمنح البنوك المركزية نفوذًا أكبر على الحكومات المتعثرة، خاصة مع معارضة القوميين في شمال أوروبا لسياسات التوسع النقدي، معتبرة أن فرنسا وإيطاليا تمثلان أبرز التحديات في هذا السياق.

وأشارت المجلة إلى أن أبرز حالات التراجع في الدول النامية برزت في إندونيسيا، حيث استخدمت الحكومة ميزانية البنك المركزي لتمويل مشاريعها، بينما شهدت دول أخرى مثل غانا وتركيا ونيجيريا ملاحقات قضائية أو مشاكل قانونية طالت مسؤولي البنوك المركزية.

وفي ختام تقريرها، رأت المجلة أن ما يتعرض له جيروم باول يعكس حالة الفوضى السياسية في الولايات المتحدة، وأن هدوء الأسواق حتى الآن قد يعود إلى إدراك الناخبين كلفة التضخم السياسية، مؤكدة أن التعويل على ضبط النفس السياسي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وأن الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية يظل الخيار الأكثر أمانًا.