اقتصاد دولي

فرصة بقيمة 1.7 تريليون دولار.. كيف أسقط النفط النظام الفنزويلي؟

العقوبات الجديدة لأمريكا استهدفت أربع شركات وناقلات نفط - البيت الأبيض
تشهد أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا في السنوات الأخيرة، عقب هجوم عسكري أمريكي واسع استهدف فنزويلا، انتهى بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى خارج البلاد، وفي أعقاب الضربات التي طالت العاصمة كاراكاس ومناطق أخرى شمالي البلاد، أعلنت السلطات الفنزويلية حالة الطوارئ في محاولة لاحتواء تداعيات الهجوم.

وبحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز" الأمريكية خلف هذا التصعيد العسكري غير المسبوق، تبرز أسئلة جوهرية حول الدوافع الحقيقية للتحرك الأمريكي، لا سيما في ظل الحصار المتصاعد خلال الأسابيع الأخيرة، وعمليات الاستيلاء على سفن نفط فنزويلية في عرض البحر.

وأضاف التقرير أنه على مدار أشهر، توالت الإشارات والتلميحات، قبل أن يعلن ترامب صراحة، قبل نحو عشرة أيام، أن أي نفط تتم مصادرته من فنزويلا سيبقى ملكًا للولايات المتحدة. وقال للصحفيين خلال زيارة لولاية فلوريدا: "سنحتفظ به، وربما نبيعه، وربما نستخدمه في الاحتياطي الاستراتيجي. وسنحتفظ بالسفن لأنفسنا أيضًا".

وتابع التقرير أنه قبل يومين فقط من الهجوم، أعلنت واشنطن فرض عقوبات إضافية على قطاع النفط الفنزويلي، شملت مصادرة ناقلات نفط. وفي الوقت نفسه، تقدّمت روسيا بطلب دبلوماسي رسمي تطالب فيه بوقف ملاحقة إحدى ناقلاتها المتجهة إلى فنزويلا. ووفقًا لتقرير نشرته بلومبيرغ، اضطرت سبع ناقلات نفط إلى تغيير مسارها والعودة أدراجها بعد تشديد الحصار البحري.

وأضاف أن العقوبات الجديدة استهدفت أربع شركات وناقلات نفط، في إطار حملة ضغط متصاعدة على نظام مادورو. وكان ترامب قد برر حملته في بدايتها باتهام الحكومة الفنزويلية بتشجيع تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، بل وذهب إلى تصنيفها "منظمة إرهابية" غير أن البيانات تشير إلى أن نصيب فنزويلا من المخدرات التي تصل إلى الأراضي الأمريكية ضئيل للغاية، ما يعزز الانطباع بأن النفط، لا المخدرات، هو المحرك الرئيسي لهذا التصعيد.

وأشار إلى أنه في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، ألقت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، الحاصلة لاحقًا على جائزة نوبل للسلام، خطابًا بُث مباشرة أمام تجمع من رجال الأعمال في مدينة ميامي، بحضور كبار التنفيذيين في الشركات الأمريكية وعدد من السياسيين، من بينهم الرئيس دونالد ترامب.

وأضاف أن ماتشادو قالت حينها: "أنا أتحدث عن فرصة بقيمة 1.7 تريليون دولار"، وذلك بعد أسابيع فقط من فوزها بالجائزة، تكريمًا لمعارضتها حكم مادورو، الذي وصفته بالديكتاتور. واستعرضت أمام الحضور الإمكانات الهائلة لاحتياطيات النفط والغاز في فنزويلا، مقترحة فتحها أمام الشركات الأمريكية لاستخراجها ونقلها وتكريرها وتسويقها. كما عرضت فرص استثمار واسعة في قطاعات الكهرباء والتعدين والبنية التحتية.

النفط في قلب أجندة ترامب
وفي 16 كانون الأول / ديسمبر، وخلال إعلانه تصنيف فنزويلا منظمة إرهابية، قال ترامب: "فنزويلا محاصرة بالكامل بأكبر أسطول جُمِع في تاريخ أمريكا الجنوبية. ولن يتوقف هذا الأسطول عن التوسع. الصدمة ستكون غير مسبوقة، إلى أن يعيدوا للولايات المتحدة كل النفط والأراضي والأصول التي سرقوها منا".

وأضاف: "نظام مادورو غير الشرعي يمول نفسه من حقول نفط مسروقة، ومن إرهاب المخدرات والاتجار بالبشر والقتل والاختطاف. لذلك أفرض حصارًا كاملًا وشاملًا على كل ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التي تدخل فنزويلا أو تغادرها".

وكان ترامب قد عبّر عن رغبته في السيطرة على نفط فنزويلا منذ عام 2023، خلال خطاب ألقاه أمام الجمهوريين في ولاية كارولاينا الشمالية، بعد أربع سنوات من دعمه الأول لمحاولات إسقاط مادورو. وقال آنذاك: "عندما غادرت البيت الأبيض، كانت فنزويلا على وشك الانهيار. كان بإمكاننا السيطرة على كل هذا النفط، وكان أمام أعيننا مباشرة".

وتحتل فنزويلا موقعًا محوريًا في اثنين من أبرز أهداف أجندة ترامب الأمنية: السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، وإحكام النفوذ الأمريكي على نصف الكرة الغربي. وتمتلك البلاد نحو 17 بالمئة من احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، بما يتجاوز 300 مليار برميل، أي ما يعادل أربعة أضعاف احتياطيات الولايات المتحدة.

وتابع التقرير أنه غير أن التأميم وسوء الإدارة دفعا الشركات الأجنبية إلى المغادرة، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج والتكرير. وبينما تنتج الولايات المتحدة نحو 20 مليون برميل يوميًا، يتوقع أن ينخفض إنتاج فنزويلا إلى أقل من مليون برميل يوميًا بحلول 2025.

البعد الصيني
وتعد شركة النفط الوطنية الصينية، المملوكة للدولة، أكبر مستثمر أجنبي في قطاع النفط الفنزويلي، وتعمل بالشراكة مع الشركة الوطنية الفنزويلية. وفي عام 2019، تبنت موقفًا حياديًا لتجنب خرق العقوبات الأمريكية. ووفقًا لمسؤولين، فإن النفط الذي يتجه حاليًا إلى الصين تشتريه شركات خاصة، ويُستخدم جزء منه لسداد قروض صينية قديمة، تُقدَّر بنحو 19 مليار دولار عام 2020. ولم تقدم بكين أي قروض جديدة منذ ذلك الحين.

ويرى ترامب النفط بمثابة تعويض عن التدخلات والمساعدات الأمريكية في الخارج. ففي عام 2019، طالب زعيم المعارضة آنذاك خوان غوايدو بمنح الولايات المتحدة أولوية الوصول إلى النفط الفنزويلي، وإقصاء الصين وروسيا، مقابل دعم الإطاحة بمادورو، بحسب ما كشفه جون بولتون في مذكراته.

وفي المقابل، تحاول القيادة الفنزويلية جذب استثمارات صينية جديدة، إذ تستحوذ الصين حاليًا على نحو 80 بالمئة من صادرات النفط الفنزويلي. وفي الوقت نفسه، سعى مبعوثو ترامب، ومن بينهم ريتشارد غرينيل، إلى إبرام تفاهمات مع مادورو، الذي عرض توسيع صلاحيات الشركات الأمريكية. وتواصل شركة شيفرون العمل في فنزويلا ضمن نطاق محدود.

ومنذ تأميم النفط في سبعينيات القرن الماضي، انسحبت معظم الشركات الغربية أو قلصت نشاطها، باستثناء شيفرون التي واصلت العمل لنحو قرن، قبل أن تُجبر على الدخول كشريك أقلية مع الشركة الوطنية.

اليوم، تعاني فنزويلا من انهيار اقتصادي حاد، وتكافح للحفاظ على ما تبقى من إنتاجها النفطي. ويقول توم واريك، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية: “ترامب يستهدف التدفقات النقدية. فنزويلا تعاني من شح السيولة، وخسارة ناقلة نفط واحدة قد تكون ضربة قاسية لإيراداتها”.

دعم الشركات الأمريكية
لم يعلن ترامب صراحة أن هدف الحملة العسكرية هو تمكين الشركات الأمريكية من السيطرة على النفط الفنزويلي، لكنه أشار إلى ذلك في محادثات خاصة، وفق مصادر مطلعة. وفي ظل تراجع الاستثمارات الصينية، بات مادورو بحاجة ماسة إلى رأس المال الأمريكي، لكنه يرفض التخلي عن السلطة.

وفي حزيران / يونيو، أعلنت ماتشادو خلال اتصال مع مجلس الأمريكتين نيتها خصخصة قطاع النفط وفتحه أمام الاستثمار الخاص، بهدف رفع الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يوميًا خلال عشر سنوات. غير أن هذه الخطط تظل مثار جدل داخلي واسع، في بلد يرى كثير من مواطنيه أن تأميم النفط مسألة سيادية وتاريخية لا يمكن التفريط بها.