من الثورة إلى السلطة.. جذور الصراع بين السياسي والعسكري في التجربة الجزائرية

العسكريون في جيش التحرير الوطني يريدون أن يوظفوا نفوذهم على الصعيد العسكري والسياسي والإداري لبسط هيمنتهم على الولايات المتحدة الجزائرية..
الكتاب: LE FLN DOCUMENTS ET HISTOIRE  1954-1962
الكاتب:MOHAMMED HARBI     GILBERT MEYNIER
الناشر: EDITIONS   FAYARD   2004


يمثل هذا النص الجزء الثاني من قراءة الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني لكتاب
LE FLN : Documents et Histoire (1954–1962) للمؤرخين محمد حربي وجيلبير مينييه، الصادر عن دار Fayard سنة 2004، وهو من أهم الأعمال المرجعية التي تناولت تاريخ جبهة التحرير الوطني الجزائرية من داخل وثائقها وصراعاتها البنيوية.

في هذا الجزء، ينتقل المديني من توصيف السياق العام للثورة الجزائرية إلى تفكيك التناقضات الداخلية التي شطرت بنية القيادة الثورية، كاشفًا عن الجذور العميقة للصراع بين السياسيين والعسكريين، لا بوصفه خلافًا عرضيًا، بل باعتباره تعبيرًا عن تنازع خطين اجتماعيين، وثقافتين سياسيتين، ورؤيتين لمضمون الاستقلال وشكل الدولة ما بعد التحرر.

وتسعى هذه القراءة إلى إبراز كيف أن الثورة، رغم طابعها الشعبي والتحرري، عجزت عن إنتاج قيادة سياسية موحدة وبرنامج أيديولوجي متماسك، الأمر الذي فتح الطريق مبكرًا أمام منطق القوة والهيمنة العسكرية ليحل محل منطق السياسة والديمقراطية الثورية. كما تتوقف عند دور الحكومة المؤقتة، وبرنامج طرابلس، والانقسامات الإيديولوجية حول طبيعة المجتمع الجزائري، لتبيان كيف تشكلت ملامح الدولة الوطنية على أنقاض صراع غير محسوم بين الثورة والسلطة.

بهذا المعنى، لا يقدم النص سردًا تاريخيًا محضًا، بل تحليلًا نقديًا لمسار التحول من حركة تحرر وطني إلى نظام حكم، وهو تحليل يتجاوز الحالة الجزائرية ليضيء إشكاليات بنيوية عرفتها أغلب حركات التحرر في العالم الثالث.

بداية الاختلاف بين السياسيين و العسكريين

باختصار فإنَّ جبهة جيش التحرير الوطني، كتعبير عن ثورة شعبوية قطعت مع حركة وطنية متأزمة، لم تتوصل الى تجاوز مكامن ضعفها الاصلية. فخلف التمييز بين سياسيين وعسكريين كان يختفي في الواقع الصراع بين خطين متخاصمين. الأول ويجسده عبان، كان يجد سنده في المدن، وإذا كان بورجوازياً بيروقراطياً بشكل كامن، فقد كان يعقوبياً، داعياً إلى المركزة. أما الثاني، ويمثله قادة جيش التحرير، فكان عامياً ويستند الى الطبقات الريفية، كان يهتم قليلاً جداً بالمسائل الايديولوجية، وكان أصحابه يناضلون من أجل مصالح ثورية ويجعلون من استقلال منظماتهم رهان المستقبل.

ضمن هذا السياق فهم جذور الصراع بين العسكريين (جيش التحرير الوطني) والسياسيين حول قيادة الثورة، ومضمون الاستقلال، ولاحقاً حول الهيمنة على السلطة. فبمجرد أن انتقل مركز الثورة من الأرياف والجبال إلى المدن، أصبح السياسيون خاصة منهم أنصار الاستقلال التدريجي يجدون في الفئات الوسطي والبورجوازية التجارية أرضاً أكثر تقبلاً لفكرة التسوية مع الاستعمار الفرنسي، خصوصاً أن البورجوازية بدأت تقدم دعمها لـ جبهة التحرير الوطني سياسياً وتشترك في الثورة عبر مشاركتها المالية والتموينية. وكانت هذه الطبقات تخطط لاستعادة السيطرة على جيش التحرير الوطني، كي لا يصبح عقبة حقيقية في أية تسوية مقبولة مع فرنسا. وكان السياسيون يسعون إلى توظيف المهارات الإدارية والتنظيمية والتثقيفية للمثقفين الثوريين، الذين كانوا يناضلون في صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، والاتحاد الفرنسي لجبهة التحرير الوطني كإطار سياسي أوسع، وأكثر توحيداً ويضم الجميع لكي يتم إضفاء الشرعية والتمثيل السياسي عليها وتطويق جيش التحرير، بسبب الخوف التاريخي المتبادل بين العسكريين والسياسيين، من أجل زيادة إمكانات التسوية في المفاوضات التالية التي رحب بها الوطنيون.

لقد وحدت حرب الاستقلال العسكريين والمثقفين من أجل الظفر بالاستقلال الوطني، والتمدن للجزائر، لكن الصراع على السلطة الذي كان كل من العسكريين وإلى درجة أقل المثقفين يستعدون لخوضه مع بداية استقلال الجزائر، جعل العسكريين يختلفون مع المثقفين
في المقابل كان العسكريون ينحدرون من أصول طبقية واجتماعية فلاحية في الغالب الأعم، وكانوا أصغر سناً من السياسيين الذين كانوا في قيادة الثورة إبان حرب التحرير، وإلى جانب هذا لم يأتوا إلى الثورة من طريق قناة سياسية، وكان مستواهم التعليمي الأكاديمي متواضعاً، وتوجههم الأيديولوجي مبسطاً بعض الشيء، بسبب اختلافهم عن السياسيين والثوريين في نوع النشاط السياسي الذي كانوا يقومون به، باعتبار أن معظم القادة العسكريين أمضوا معظم أوقاتهم داخل الجزائر كمحاربين في المقاومة، وعلى علاقة عضوية بالفلاحين الذين كانوا يمدون الجيش بالرجال المحاربين. وعلى الرغم من أوجه التشابه بين العسكريين والثوريين الذين قادوا الثورة المسلحة بنشاط داخل الجزائر على صعيد المنبت الطبقي والاجتماعي المتواضع، واستخدام العنف والقوة باعتبارهما ضروريين لإنهاء النظام الاستعماري في الجزائر، وانتمائهم إلى الجيل السياسي عينه، إلا أن أوجه الاختلاف بين الفئتين تبرز في الثقافة المتقدمة التي يتمتع بها الثوريون، وفي نوعية العمل السياسي الذي كانوا يقومون به، حيث أن مثقفي الثورة برزوا كدعائيين وديبلوماسيين وإداريين، ومفكرين، ورجال يمتلكون مهارات تنظيمية رائعة..

لقد وحدت حرب الاستقلال العسكريين والمثقفين من أجل الظفر بالاستقلال الوطني، والتمدن للجزائر، لكن الصراع على السلطة الذي كان كل من العسكريين وإلى درجة أقل المثقفين يستعدون لخوضه مع بداية استقلال الجزائر، جعل العسكريين يختلفون مع المثقفين، كما يقول وليم كواندت: فبينما كان يشعر الثوريون شعوراً قوياً بأن عليهم وحدهم أن يقودوا الثورة كان يحتاج العسكريون بشكل عام إلى طموح قوي إلى السلطة، بل على العكس فإن شعورهم حول من يصلح للحكم قد انتقل إلى الجيش أو إلى ولايتهم ويبدو أن الولاء الدستوري أو الإقليمي قد احتل مكان الطموح الشخصي والإحساس بالفردي بميزة المسؤولية لدى الثوريين.

مع اتساع جبهة التحرير الوطني التي استوعبت كل القوى السياسية الوطنية، التي كانت قائمة قبل الثورة، باستثناء حركة مصالي الحاج، وصعود العسكريين والمثقفين الثوريين إلى مراكز نفود بارزة، عجزت هذه الجبهة عن إنشاء تنظيم سياسي فعال ومستقر نسبياً، يستوعب التيارات السياسية والأيديولوجية الكبيرة المختلفة المتباينة، الأمر الذي قاد إلى تعميق الانقسامات والمسافات والخصومات في ما بينها. وككل ثورة، عرفت الثورة الجزائرية منذ ولادتها صراعات حالت دون تركيز السلطة في أيدي قيادة تحظى بالإجماع تقود حرب الاستقلال، وتسيطر على الحياة السياسية الداخلية في جبهة التحرير الوطني، وتبني عملية سياسية ديمقراطية.

فالعسكريون في جيش التحرير الوطني يريدون أن يوظفوا نفوذهم على الصعيد العسكري والسياسي والإداري لبسط هيمنتهم على الولايات المتحدة الجزائرية، التي تحولت إقطاعات عسكرية تمارس حكمها الاستبدادي، وقد انتهي بعض القادة منهم إلى اكتساب مواقف زعماء إقطاعيين أو زعماء عصابات على حد قول بن بيللا، ولإضعاف جبهة التحرير الوطني وتعزيز التجهيز العسكري على حساب تسييس الجماهير والمقاتلين.

الانقسامات داخل الحكومة المؤقتة

تشكلت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عقب حل لجنة التنسيق والتنفيذ الثانية في 19 أيلول 1958، وبدل أن تعمل كوحدة سياسية لقيادة حرب الاستقلال والمفاوضات مع فرنسا، عملت على تشكيل ثلاث لجان متخصصة، الأولى تتكون من العسكريين (الثلاثي) كريم وبوسوف وبن توبال الذين تسلموا معاً وزارات الحرب والاتصال والمواصلات والداخلية. وتولى فرحات عباس الليبرالي ورئيس الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري رئاسة الحكومة الموقتة. أما اللجنة الثالثة فقد تألفت من الراديكاليين بن خده ومحمد يزيد والأمين دباغين والمهري، وكانت مسؤولة عن وزارات الشؤون الاجتماعية والإعلام والشؤون الخارجية وشؤون شمال إفريقيا. وهكذا، فإنَّ الحكومة الموقتة احتوت ثلاثة أنشطة ذات فاعليات مختلفة: الأول نشاط العسكريين تحت اشراف الثوريين، والثاني نشاط الليبراليين بقيادة عباس والذين يتميزون بالمرونة السياسية. والثالث نشاط الراديكاليين الذين كانوا رجال تنظيم ومحرضين جيدين في الحركة الوطنية.

ولهذا، ليس غريباً أن تبرز انقسامات داخل الحكومة المؤقتة بسبب تعدد مصادر اتخاذ القرار، ووجود إجماع هزيل بين لجانها المتخصصة. وهذا ما دعا أحد أعضاء الحكومة المؤقتة، بن خده، إلى القول أنَّ لها استراتيجية عسكرية، سياسية، أو ديبلوماسية، وقد علل كثير من المحللين عدم تحديد أيديولوجية جبهة التحرير الوطني اثناء الحرب الى طبيعة الانقسامات في القيادة السياسية. ولكنَّ خطر هذا النوع من القرار حول مشكلة السلطة في أنه يدعو إلى اتخاذ القرارات بإعطاء أولوية كبيرة للإجماع غير الموجود تقريباً بما أن الموافقة على الأسس شبه مستحيلة. وهنالك ميل لتجنب مناقشة هذه المواضيع. ويعطي النقد اللاذع للحكومة الموقتة الذي قدمه بن خده، أحد أعضائها، الصورة الآتية للأعمال الداخلية لأول حكومة موقتة. لقد نشأت في المنفى بيروقراطية سياسية وعسكرية تميزت بغياب الحياة الداخلية، فقد جرى تجاهل الديموقراطية الداخلية والنقد الذاتي والعوامل المهمة في اختيار القادة مما فتح المجال للوصولية والمجاملات.

وجاء برنامج طرابلس، عقب انعقاد المجلس الوطني للثورة الجزائرية في ليبيا ما بين 16 كانون الأول 1959 و18 كانون الثاني 1960، وتفاقم الانقسامات داخل جبهة التحرير الوطني ، ليقر وثيقتين مهمتين هما: 1 الدستور الموقت للدولة الجزائرية، 2 النظام الداخلي لـ جبهة التحرير الوطني . ومن الجدير بالذكر أن الدستور الموقت قد جعل ممارسة السلطة التنفيذية من مهمات وصلاحيات الحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية .

طبيعة المجتمع الجزائري زمن الثورة

من المعروف أنَّ برنامج طرابلس قد صاغه في ذلك الوقت محمد حربي وهو ماركسي، ومصطفى الأشرف، وهو أستاذ بجامعة السوربون، ومحمد يزيد. ويعكس هذا البرنامج ثلاثة مفاهيم كانت سائدة في معرض الطبيعة الاجتماعية للثورة الجزائرية. وهي مفاهيم مختلطة ومختلفة، تعبر عن الحساسيات الايديولوجية المتباينة في قيادة الثورة، وآرائهم في قراءة الواقع الجزائري، وآفاقه المستقبلية. ويمكن ادراج هذه التفسيرات المتباينة على النحو الآتي:

ليس غريباً أن تبرز انقسامات داخل الحكومة المؤقتة بسبب تعدد مصادر اتخاذ القرار، ووجود إجماع هزيل بين لجانها المتخصصة. وهذا ما دعا أحد أعضاء الحكومة المؤقتة، بن خده، إلى القول أنَّ لها استراتيجية عسكرية، سياسية، أو ديبلوماسية
أولاً ـ تحليل كل من مصطفى الاشرف ورضا مالك ومحمد يزيد، الذي يؤكد بأن المجتمع الجزائري مستعمر نصف اقطاعي، لذا فإن مرحلة الانتقال إلى الاستقلال والعصر الحديث، تتطلب بناء دولة حديثة، والقيام باصلاح زراعي وتصنيع، وتحرير المرأة، والقضاء على الآثار الاقطاعية. وليس من شك في ان هذا الطرح ينطلق من المرجعية الايديولوجية الماركسية التي تحدد طبيعة الثورة بأنها ديموقراطية بورجوازية.

وبسبب عجز البورجوازية في البلدان المستعمرة عن القيام بها، وضعف الطبقة العاملة، فقد أحل مالك والأشرف محل الثورة الديمقراطية البورجوازية مصطلح الثورة الديموقراطية الشعبية، التي لا تقع على يد طبقة واحدة بل على دولة تبقي البورجوازية تحت وصايتها، وتجسد قاعدتها الاجتماعية لدى الفلاحين والشغيله بوجه عام، والشبيبة والمثقفين الثوريين .

ثانياً ـ تحليل بن بللا المتأثر الى حدٍّ كبير بأفكار فرانز فانون التي طرحها في كتابه معذبو الارض والذي يرى أن الثورة الجزائرية لا يمكن ان تستقيم الا اذا انساقت في سياق الثورة الاشتراكية حيث تكون القوة القيادية فيها للفلاحين. ويعطي تحليل بن بيللا دوراً استراتيجياً للاسلام، باعتباره يشكل متراساً للفقراء ضد الاغنياء ويعطي طابعاً للاصالة الجزائرية . وينادي بن بللا بأممية بلدان العالم الثالث ضد البلدان المصنعة حيث تبرجزت الطبقة العاملة في الغرب.

ثالثاً ـ تحليل محمد حربي الذي يجد ضالته في المرجعية الماركسية حيث يرى أنَّ الجزائر ليست بلداً إقطاعياً، لأن نمط الملكية ودور الدولة، والعلاقة بين المدن والارياف، تختلف كلياً عن نمط الاقطاع الذي كان سائداً في العصر الوسيط في الغرب. وأكد محمد حربي أن البورجوازية الجزائرية عاجزة عن انجاز مهمات الثورة الوطنية، وركز على الترابط العضوي بين مهمات الثورة الوطنية والثورة الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب النضال على جبهتين ضد الامبريالية وضد البورجوازية المحلية. أما البورجوازية الصغيرة الاقتصادية فيجب تحييدها... وقد اعتبر أن محرك الثورة لا يمكن ان يكون غير الطبقة العاملة مهما تكن ضعيفة... أضف إلى ذلك أن للثورة الاشتراكية طابعاً أممياً. لذا فإن تحالفاً استراتيجياً مع الاتحاد السوفييتي والصين أمر لا غنى عنه.

وفيما تم إدخال الإحالة إلى الإسلام طبقا لمطلب بن بيللا الذي كان يطالب بإعادة النظر في مسألة علمانية الدولة وعلمانية جبهة التحرير الوطني كان مناقضه الرئيس مصطفى الأشرف يعارض هذا التوجه، بحجتين: أولا ـ أن الإسلام يحمل في ذاته ثقل القيم الخاصة بحضارة ريفية قديمة ويمكن أن يلعب دمجه في الأيديولوجيا السياسية دور الكابح لتحديث البلد، وثانيا ـ سوف تستند القوى المحافظة إلى الدين لتأبيد عادات رجعية في ما يخص العائلة ووضع المرأة والعلاقات في المجتمع.

في معرض تحليله التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية، والبنية الطبقية للمجتمع الجزائري، أكد برنامج طرابلس على وجود أربع طبقات: الفلاحين الفقراء بروليتاريا المدن البورجوازية الصغيرة والبورجوازية. غير أنه في تحديده لقوى الثورة، تبين بأن الفلاحين والعمال بوجه عام هم الذين كانوا القاعدة النشيطة للحركة، والذين اعطوها طابعها الشعبي الاساسي. مضيفا بأن مهمات الثورة الديموقراطية في الجزائر هائلة. ولا يمكن انجازها بواسطة طبقة اجتماعية هي البورجوازية مهما كانت مستنيرة. ولكن مهما كان شأن القيمة المترتبة على فهم طبيعة الثورة الديموقراطية، إلا أن البرنامج لم يحدد مهماتها ولا اهدافها بدقة ما عدا الاشارة إلى ضرورة تحقيق الإصلاح الزراعي. وهو في جانب كبير منه يتوافق مع طموحات الجناح العسكري لـ جبهة التحرير الوطني المتكون أساسا من الفلاحين الفقراء. والذي تهيمن عليه أيديولوجية فلاحية بسيطة، نظرا إلى المستوى التعليمي والثقافي المتدني لدى غالبية أعضائه. وظلت الأيديولوجيا المهيمنة على قيادة جبهة التحرير الوطني التي أكد عليها برنامج طرابلس هي معاداة الاستعمار والامبريالية، والتأكيد على سيادة الشعب ورفض الليبرالية الاقتصادية، وضرورة التخطيط دون ذكر الاشتراكية.

ولعل في هذا الغموض وسطحية عموميات المفاهيم الأيديولوجية ما يؤكد لنا أنَّ جبهة التحرير الوطني لم تشقها صراعات أيديولوجية بشأن نمط الحزب المطلوب بناؤه، إذ جاء النص حول الحزب تسوية بين أنصار حزب جماهيري يستبعد من صفوفه تعايش إيديولوجيات مختلفة، وحزب طليعي يتم تنظيمه على اساس مبادئ المركزية الديموقراطية: انتخاب المسؤولين على مختلف المستويات أو أولوية الهيئات العامة على الهيئة الدنيا، خضوع الأقلية للأكثرية.

ومع ذلك، فإن برنامج طرابلس، لم يشكل نقلة نوعية لكي تتجاوز الثورة الجزائرية الخلافات الماضية، والصراعات التي تعمقت عند اقتراب الاستقلال بين القيادات السياسية للحكومة المؤقتة، وجيش التحرير الوطني، ورئاسة الأركان العامة التي تسيطر على الولايات الداخلية. فعملية الانتقال من الحركة الوطنية إلى الاستقلال، عملية صعبة ومعقدة بسبب ما يلازمها من ظاهرة الصراع على السلطة بين الفئات والأفراد الذين كافحوا من أجل حرية الجزائر تحت راية جبهة التحرير الوطني. فهناك السياسيون الليبراليون والراديكاليون المنحدرون من اصول مدينية ويتمتعون بثقافة عالية. وهناك المثقفون الذين يتشابهون مع السياسيين من حيث أصلهم الطبقي ويختلفون من حيث الجيل الذي ينتمي اليه كل منهما. وهنالك الثوريون المنحدرون من اصول ريفية ولا يتمتعون بثقافة عالية، ولكنهم يشكلون الاكثرية، واستطاعوا ان يسيطروا على القيادة السياسية خلال الحرب، بل أصبحوا من ابرز القادة الوطنيين المطالبين بحقهم الخاص في تولي مناصب عليا في السلطة في الدولة الجديدة. وهناك اخيرا العسكريون الذين يتشابهون مع الثوريين من حيث الخلفية والوسط الاجتماعي، والذين استطاعوا أن يفرزوا من صفوفهم قيادات فرعية توصلت إلى احتلال مراكز قيادية مثل بومدين.

وانطلاقا من تحديد هذه اللوحة التصنيفية السياسية الجزائرية يمكن أن نصل إلى استنتاج محدد هو أن السياسيين التقليديين، الذين قادوا الحركة الوطنية، وانتهجوا سياسة تختلف، وتتناقض أحيانا مع الاستعمار الفرنسي، وطالبوا بالاستقلال من خلال عمل سياسي مشروع، من دون أن يقاتلوا من أجله، لأن الاستقلال يحقق لهم مصالح ليست متناقضة إلى هذا الحد مع الاحتلال، فشلوا في تحقيق المطالب الوطنية، على الرغم من أنهم يمتلكون ثقافة عالية، فرنسية في الأعم الأغلب. وكان الكثير منهم يمارسون مهنا حرة. أنه الوضع الذي أفسح في المجال لبروز الثوريين والعسكريين الممثلين للفئات الاجتماعية الأكثر انسحاقا في المجتمع الجزائري الكولونيالي والاقل ثقافة، والأدنى مستوى اجتماعيا قبل الاستقلال، والذين فجروا الثورة ضد المستعمر الفرنسي من أجل الاستقلال، واستطاعوا ان يحتلوا الحركة الوطنية الجزائرية، وان يستعيدوا سيطرتهم عليها.

في معرض تحليله لظاهرة انتقال الحركة الوطنية إلى الاستقلال يستشهد وليم كواندت بدراسات عدة مكثفة تعطي تعليلا عاما لعدم استقرار بنية القيادة السياسية في الحركة الوطنية في البلدان المستعمرة عامة، والجزائرية بصورة خاصة، وانتقالها من القيادات ذات المستوى الثقافي العالي إلى القيادات ذات المستويات الأدنى. تصف دراسات كثيرة كيف تغير القيادة السياسية التي رافقت التحول من نظام سياسي إلى نظام آخر. لقد قورنت الحركات الوطنية بحكومات ما بعد الاستقلال. والقيادات الثورية بقيادة ما بعد الثورة، وبين الذين يصوغون الإيديولوجيات والذين يقودون تحديد شكلين متميزين داخل الاتجاه العام الذي تنتقل خلاله السلطة من محرضين ذوي أوضاع عالية إلى إداريين أوضاعهم أدنى، والشكل الأول هو تحول الحركة الوطنية أو الحزب الأيديولوجي إلى نظام استبدادي تتمركز فيه السلطة غالبا بيد قائد مرموق. يؤدي في هذا النموذج ارتقاء قائد حازم إلى السلطة إلى  تفكك القيادة الوطنية ويفسح في المجال لنشوء قيادات أدنى تنجح في تعزيز السلطة من خلال استخدام الجيش والسلطة.

إقرأ أيضا: الثورة الجزائرية خارج الأسطورة.. قراءة محمد حربي في بنية التحرر والسلطة (1)