ملفات وتقارير

كيف يقوّض ترامب عمل الصحفيين؟.. وصفهم بـ"أعداء الشعب"

وثقت مؤسسة حرية الصحافة التي أطلقت أداة لتتبع الحوادث 170 اعتداءًا على صحفيين في أمريكا خلال 2025 - جيتي
منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم تخْلُ لقاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الصحفيين من التوتر، وتعاملاته العدائية مع وسائل الإعلام، وتعرض العديد ممن يحضرون لقاءاته لهجوم لاذع، وسيل من التهم والإهانات مثل: "أنت سيئ، فاسد، تهدر وقتي، فاشل، سؤالك قذر، وقد فقدت المصداقية"، وهي عبارات لطالما استخدمها ترامب ضد الصحفيين الذين يطرحون عليه أسئلة صعبة أو غير متوافقة مع رؤيته السياسية، ويظهر هذا في العديد من المواقف التي تم تصويرها.



ولم يكن ترامب يتجاهل الأسئلة أو ينتقد الصحافة فحسب، بل كان يهاجم الصحفيين أنفسهم، ويطلق بشكل متكرر عبارات من قبيل "أعداء الشعب" و"الأخبار الكاذبة" على الصحف ووسائل الإعلام التي انتقدته أو لم توافق على آرائه، في محاولة ليست فقط للتقليل من مصداقية الصحافة، بل أيضًا تحفيز الكراهية تجاه الصحفيين لدى مؤيديه. وإذا ما شعر بالحرج من سؤال ما، فإنه يلجأ إلى التشكيك في مفهوم الولاء، ليرد على المراسل الصحفي قائلًا: "أنت مع من ولصالح من تعمل؟".

170 اعتداءًا على صحفيين بأميركا في 2025

وخلال عام 2025، رصدت مؤسسة حرية الصحافة تصاعد لافت في الاعتداءات على الصحفيين في الولايات المتحدة، وبيّنت المؤسسة، وهي منظمة غير ربحية، أن الصحافة الأمريكية تعرضت في عهد الرئيس ترامب خلال العام الجاري لعدد من الاعتداءات يعادل مجموع ما تعرضت له في السنوات الثلاث السابقة.


وقالت إن معظم الصحفيين والمصورين الذين تعرضوا للاعتداء على يد مسؤولي إنفاذ القانون كانوا يغطون الاحتجاجات على مساعي إدارة ترامب لترحيل المهاجرين غير الشرعيين، ووثقت المؤسسة التي أطلقت أداة لتتبع الحوادث 170 اعتداءً على صحفيين، وقع معظمها في احتجاجات تتعلق بسياسات الإدارة في مجال الهجرة خلال العام الجاري، في حين وثقت بين عامي 2022 و2024 ما مجموعه 175 اعتداءً.

الأيام الـ100 الأولى لإدارة ترامب

وفي بداية العام، نشرت لجنة حماية الصحفيين تقريرا خاصًا بعنوان "أجراس الإنذار: الأيام الـ100 الأولى لإدارة ترامب"، وثَّق التغيير السريع في حريات وسائل الإعلام في بداية ولاية ترامب الثانية، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد ملاذًا آمنًا للصحفيين كما كانت في الماضي، وفق اللجنة.


وبيّنت أنه استجابة للتهديدات المتصاعدة جراء تزايد الاضطرابات المدنية ردًا على التغييرات في سياسة الهجرة الفدرالية، فضلًا عن الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي أدت إلى تراجع مستوى الأمان في ظروف عمل الصحفيين في الولايات المتحدة، دربت اللجنة قرابة ألف صحفي يعملون في جميع أنحاء البلاد عام 2025، مما عزز مهاراتهم في مجال السلامة وقدرتهم على الاستجابة لبيئة سياسية محلية تزداد عدائية، وقالت ستيفاني سوغارز، مُعِدَّة تقرير المؤسسة الأخير: "لقد وجدنا بشكل روتيني منذ إطلاق أداة التتبع عام 2017 أن الاحتجاجات هي أخطر مكان للصحفيين في الولايات المتحدة".

وقال لارس ويلنات، الأستاذ بجامعة سيراكيوز الذي يدرس تأثير الاستقطاب السياسي على تصورات الصحفيين، "عندما يقدم الرئيس نموذجا للسخرية ونزع الشرعية، فإنه يشير إلى مؤيديه بأن الصحفيين أهداف مشروعة، هذا التحول مهم، لأن العنف يصبح تبريره أسهل بمجرد أن يُنظر إلى الصحفيين على أنهم مقاتلون سياسيون، وليسوا مراقبين محايدين".

"قاعة العار".. وسيلة جديدة للانتقاص من الإعلام

فى أحدث هجوم ضد وسائل الإعلام، أطلق البيت الأبيض قسمًا جديدًا على موقعه الإلكتروني الرسمي، ينتقد علنًا المؤسسات الإعلامية والصحفيين الذين يزعم أنهم شوهوا تغطيتهم الإعلامية، ويُصنّفهم، وفي أعلى الصفحة الإلكترونية ، كُتب: "مُضلّل - مُتحيز - مُفضح، ويُصنّف القسم بعض الصحف بشكل أسبوعي على أنها "مُخالفو الإعلام لهذا الأسبوع"، مُتهمًا إياهم بتقديم صورة غير دقيقة للتصريحات التي يُطلقها ترامب.

كما تضم الصفحة أيضًا "قاعة عار للمجرمين"، والتي تحتوي على بضع صحف، ويُمكن للزوار تصفح قاعدة بيانات قابلة للبحث تضم مقالات، بالإضافة إلى أسماء الصحفيين الذين كتبوها. تُصنّف كل قصة تحت تصنيفات مثل "التحيز"، و"سوء الممارسة"، و"جنون اليسار"، واعتبرت صحيفة الغارديان البريطانية أن إطلاق الصفحة الإلكترونية يُعدّ أحدث تصعيدٍ في هجمات ترامب المُستمرة على وسائل الإعلام.

"قبيحة" - "غبية" - "خنزيرة"
يأتي إنشاء "قائمة العار" وذلك في أعقاب دعاوى قضائية ضد صحيفتي وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز، بالإضافة إلى تسويات خارج المحكمة مع مجموعتي ديزني وباراماونت الإعلاميتين. ويشتهر الرئيس الأمريكي بردود فعله العدوانية والمهينة ضد الصحفيات النساء.

ففي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، صرخ في وجه مراسلة بلومبرغ كاثرين لوسي قائلاً: "اصمتي! اصمتي يا خنزيرة!" وكانت لوسي قد سألت ترامب عن وثائق تم إصدارها مؤخراً تتعلق بالمجرم الجنسي الراحل جيفري إبستين. من جهتها، اعتبرت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، هذه اللهجة مناسبة، ودافعت عن تصريح ترامب خلال مؤتمر صحفي، قائلة إن الرئيس "يفضح الأخبار الكاذبة عندما يراها ويشعر بالإحباط من الصحفيين الذين ينشرون معلومات كاذبة".


في السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، أهان ترامب مراسلة صحيفة نيويورك تايمز واصفاً إياها بـ"مراسلة من الدرجة الثالثة قبيحة المظهر والجوهر". وفي اليوم التالي، سأل الصحفية نانسي كوردس من شبكة "سي بي إس" إن كانت "شخصاً غبياً"، وكانت قد طرحت أسئلة حول تدقيق الحكومة الأمريكية في ملفات الأفغان الذين سُمح لهم بدخول الولايات المتحدة ومُنحوا حق اللجوء بعد سقوط كابول عام 2021.



وسائل استبدادية

أكدت منظمة مراسلون بلا حدود، أن هجوم ترامب على الصحافة لا يقتصر على إهانة الصحفيين وتشويه سمعتهم، بل تستخدم إدارته عمداً أدوات سلطة الدولة للإضرار بوسائل الإعلام غير المرغوب فيها، وهي استراتيجية مألوفة لدى الأنظمة الاستبدادية، وعلى سبيل المثال،  خفض الكونغرس الأمريكي مليارات الدولارات من التمويل الحكومي لإذاعة  NPR وهيئة الإذاعة العامة PBS بناءً على طلبه . 

كما خفّض ترامب بشكل جذري تمويل إذاعتي "صوت أمريكا" و"إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية" الأجنبيتين، وتم تسريح مئات الموظفين أو إجبارهم على أخذ إجازات غير مدفوعة الأجر، وقد رفعت منظمة مراسلون بلا حدود دعوى قضائية ضد هذا القرار بالاشتراك مع موظفي "صوت أمريكا"، ولا يزال الحكم النهائي معلقاً.

دعوة إلى إلغاء تراخيص بث قنوات تلفزيونية

وفي تصعيد جديد، قال الرئيس ترامب إنه يجب إلغاء تراخيص البث التلفزيوني إذا كانت نشرات الأخبار وبرامج السهرة المتأخرة سلبية بشكل شبه كامل تجاهه وتجاه الحزب الجمهوري، وفي منشور له على موقع "تروث سوشيال"، كتب ترامب: "إذا كانت نشرات الأخبار التلفزيونية، وبرامجها الليلية، سلبية بنسبة 100بالمئة تقريباً تجاه الرئيس دونالد جيه. ترامب، وحركة لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً، والحزب الجمهوري،  ألا ينبغي إلغاء تراخيص البث القيّمة الخاصة بها؟ أقول، نعم! هكذا".


واستغل كيميل، البالغ من العمر 58 عامًا، ظهوره بصفته المتحدث الرئيسي للرسالة، للحديث عن قرار شبكة ABC تعليق برنامجه "جيمي كيميل لايف!" مؤقتًا في أيلول/سبتمبر الماضي، معتبرًا أن ما جرى كان محاولة لإسكاته بسبب مواقفه السياسية، وقال إن الضغوط جاءت لأنه "لا يُجيد مديح الرئيس بالطريقة التي يحبها".

وأوضح كيميل أن عودة البرنامج بعد أيام قليلة كانت نتيجة رفض واسع من الجمهور، مؤكدًا أن دعم الملايين لحرية التعبير أسهم في التراجع عن قرار الإيقاف. وأضاف أن هذه التجربة تثبت أن الرقابة الحكومية قد تحدث في أي مكان، وليس فقط في الدول المعروفة بأنظمتها الصارمة.

وخلال حديثه، انتقد كيميل الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة، معتبرًا أن مؤسسات الديمقراطية الأمريكية، من الإعلام إلى القضاء، تمر بحالة اضطراب، مشيرًا إلى أن ذلك لا ينعكس على الداخل الأمريكي فقط، بل يؤثر أيضًا على الحلفاء.



وقال كيميل، الذي أوضح أنه لا يتوقع أن يعرفه البريطانيون، إن إسكات المنتقدين ليس أمرًا يحدث في روسيا أو كوريا الشمالية فحسب، وحثّ المملكة المتحدة على ألا تتخلّى عن الولايات المتحدة لأنها "تمرّ بمرحلة اضطراب بسيطة الآن".

وقال: "هنا في الولايات المتحدة الآن، نحن نُدمّر، مجازًا وحرفيًا، ركائز ديمقراطيتنا من الصحافة الحرة إلى العلم فالطب فاستقلال القضاء وصولًا إلى البيت الأبيض نفسه"، قال كيميل، في إشارة إلى هدم الجناح الشرقي من المبنى. "نحن في فوضى عارمة، ونعلم أن هذا يؤثر فيكم أيضًا، وأردت فقط أن أقول آسف".