ملفات وتقارير

السيسي يفرض تدريبا عسكريا للأئمة وطالبات الجامعات في مصر.. وجدل واسع

عبّر مصريون عن غضبهم من وقوف دعاة الأوقاف وجلوسهم أمام السيسي في الوضع العسكري- رئاسة الجمهورية المصرية
أثار رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، الأربعاء الماضي، الجدل بحديثه إلى الطلاب المتقدمين للكلية العسكرية، ودعاة وزارة الأوقاف الملتحقين ببرنامج تدريبي مدته عامان في الأكاديمية العسكرية الواقعة في مقر قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الجديدة.

حديث السيسي أغضب كثيرين، حين زعم أن تاريخ المسلمين خلال 1400 سنة تسبب "في شكل من أشكال التخلف الديني، والانحطاط الديني"، مطالباً حاملي درجة الدكتوراه من دعاة وزارة الأوقاف بصناعة "تيار مستنير يقف ضد التخلف والتطرف وبناء وعي جديد"، داعياً الأئمة إلى أن يكونوا حراساً للحرية، وليسوا حراساً للعقيدة.

وقال مخاطباً الأئمة: "نتكلم عن تيار مستنير، يجابه تطورات العصر التي لا يعرف لها الناس إجابات. تيار مستنير يجابه تراكم شكل من أشكال التخلف الديني، والانحطاط الديني، لأنه خلال 1400 سنة حصل غثّ كثير، ونحتاج أن يكون لدينا تيار يرى ويفهم هذا"، مشيداً بالدورة العسكرية ومقللاً من قيمة دراستهم للدكتوراه بقوله: "عدد ساعات الدراسة بالدورة تفوق عدد الساعات اللازمة للحصول على درجة الدكتوراه".

وتثير دورات التدريب العسكري لأئمة الأوقاف، والمعلمين، والدبلوماسيين، وبوزارة النقل، والمعينين بالهيئات القضائية، وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية، انتقادات واتهامات للسلطات بالتوجه نحو عسكرة الوظائف المدنية وتوجيه المعينين الجدد عبر دورة تدريبية 6 شهور، زادتها الأكاديمية إلى عامين بحق حاملي درجة الدكتوراه من دعاة وزارة الأوقاف.

وعبّر مصريون عن غضبهم من وقوف دعاة الأوقاف وجلوسهم أمام السيسي في الوضع العسكري، في صورة اعتبروها مهينة للأئمة ولمكانتهم، وتحقيراً لشخصيات دينية رفيعة من حملة أعلى شهادة علمية بعلوم الدين.

وقال مستشار وزير الأوقاف الأسبق الشيخ سلامة عبدالقوي: "هذا وضع الإمام بحضرة الحاكم العسكري، يقف ويجلس بطريقة (انتباه) كأنه جندي بطابور الجيش".

وطالب نائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، محمد حمدي، والباحث الإعلامي خالد الأصور، والصحفي جمال سلطان، بذات الدورات العسكرية للقساوسة المصريين.



مكاسب مالية ضخمة
وبعيداً عن جدل حديث السيسي، يطل الجانب المادي مع استفادة الأكاديمية العسكرية مالياً من تتابع الدورات التدريبية المفروضة على الملتحقين بالوظائف الحكومية.

وفرضت الأكاديمية العسكرية المقامة على مساحة 850 فداناً على مسافة نحو 50 كيلومتراً من القاهرة، رسوماً مالية على المتدربين، مثلما حدث مع خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون المعيّنين كقضاة بمجلس الدولة، والنيابة العامة، والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، بدورة (كانون الثاني/ يناير، وحزيران/ يونيو) الماضيين.

الرسوم الإلزامية وصلت 112 ألف جنيه للذكور و120 ألفاً للإناث، فيما لم تتم قرارات التعيين إلا بعد دفع هذه المبالغ، وفق ما كشفه 5 من القضاة والقاضيات الجدد في 22 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لموقع "مدى مصر".

ما اعتبره مراقبون "انتقالاً لسلطة التعيين بالقضاء من الهيئات القضائية للقوات المسلحة"، ووصفه الحقوقي ناصر أمين بأنه "انتهاك لسلطة القضاء".

إصرار السيسي
ويصر السيسي على المضي قدماً في هذا التوجه الذي بدأ في نيسان/ أبريل 2023، حينما أصدر مجلس الوزراء إلزاماً للمعينين بوزارات: الخارجية، والتعليم، والأوقاف، بإجراء اختبارات بدنية ونفسية عبر دورة تأهيل بـ"الكلية الحربية" 6 أشهر كإحدى مصوغات التعيين، لينضم إليهم المعيّنون الجدد بالهيئات القضائية حزيران/ يونيو 2024.

وفي 8 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ومن الأكاديمية العسكرية نفى السيسي إلحاق أي مصري بالوظائف العامة، والقضاء، والشرطة، دون الالتحاق بفترة دراسية بالأكاديمية العسكرية، لتعلّم "الانضباط والوطنية".

وفي 26 أيلول/ سبتمبر الماضي، أكد أنه يسعى لتدريب 100 ألف ثم نصف مليون، من القضاة، ومصلحة الطب الشرعي، والمعلمين، وأئمة الأوقاف، والدبلوماسيين، وغيرهم، مضيفاً: "قررنا أن تُعد الأكاديمية كوادر مؤسسات الدولة، مثل إعدادها كوادر للقوات المسلحة".

تربية عسكرية لطالبات الجامعات
وفي السياق، فرضت السلطات تدريباً عسكرياً على طالبات الجامعات، بعد أن كان إلزامياً وقاصراً على الذكور، ولمدة أسبوعين بأي من سنوات الدراسة، ولا يحصل الطالب على شهادة التخرج الجامعية دون اجتيازه، وذلك وفقاً للقانون (رقم 46 لسنة 1973) الصادر أيار/ مايو قبل حرب أكتوبر 1973 بـ5 شهور.

المثير في الأمر أن ذلك التدريب الذي يتم تحت مسمى "التربية العسكرية"، وعبارة عن محاضرات وبعض التدريبات العسكرية الخفيفة، كان يجري دون أي تكلفة مالية على الطلاب، لكنه تم فرض مبلغ 155 جنيهاً على كل طالب وطالبة يتم دفعها قبل دورة التدريب، ما يعني مكاسب مالية كبيرة من عدد طلاب جامعات مصر البالغ نحو 4 ملايين طالب وطالبة.

وأكدت بعض الطالبات الجامعيات أنهن خوفاً من عدم حصولهن على شهادات التخرج اضطررن لتنفيذ الأمر، والتسجيل في دورات عسكرية بدأت نهاية الشهر الجاري، مع دفع مبلغ 155 جنيهاً عبر تطبيق فوري، مع تجهيز ملابس بلون الملابس العسكرية، "رغم أن الفكرة غير مناسبة لنا كبنات".

وأوضحن أنه "يجري فرض سنة كاملة من الخدمة العامة علينا بعد التخرج نقضيها بوزارة التعليم أو الإدارات المحلية لخدمة المجتمع، ولا يمكن لنا التعيين بدونها"، مشيرات إلى أنها "تمثل لهن معوقات وبلا فائدة يقدمونها لمصر".

على الجانب الآخر، ترى طالبات أنها "رغم أنها مرهقة مدة أسبوعين ومع تكلفتها المادية ذهاباً وإياباً مع وجبة إفطار، إلا أنها تجربة مفيدة وتضيف لهن معلومات عسكرية، وتزيد لديهن من الانتماء الوطني"، لافتات إلى ارتباط تلك التدريبات العسكرية في الجامعات بالحروب التي خاضتها مصر أعوام 1948، و1956، و1967، و1973".

ووفق ما تنشره صفحات التربية العسكرية التابعة لجامعات حكومية مصرية عبر الإنترنت، يجري تدريس محاضرات عن المخدرات، والشائعات، وحروب الجيل الرابع، وجهود القوات المسلحة في التنمية الشاملة، وشبكة الإنترنت ومخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، والأمن السيبراني.

من عسكرة الدولة
ومنذ وصول السيسي إلى حكم البلاد عبر انقلاب عسكري قاده على أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً الراحل محمد مرسي، تشكو المعارضة من "إجراءات عسكرة الدولة"، ووضع قادة عسكريين بأغلب أجهزتها وهيئاتها وغيرها من الإجراءات والقرارات.

وفي هذا الإطار قرر السيسي في تموز/ يوليو 2022، منح خريجي الكليات الحربية والفنية والجوية والبحرية والدفاع الجوي درجات الليسانس والبكالوريوس التي تمنحها الجامعات المصرية، تمهيداً لحصولهم على وظائف قيادية مدنية مستقبلاً.

ومنذ آب/ أغسطس 2019، تواصل السلطات تحويل المدارس الفنية الصناعية لمدارس عسكرية، بدأت بالتطبيق على 27 مدرسة بواقع واحدة بكل محافظة بالعام الدراسي (2019/ 2020)، لتضم 100 مدرسة أخرى تدرس مقررات ذات طبيعة عسكرية في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2024.

وذلك بجانب 26 مدرسة عسكرية تابعة للجيش تستقبل البنين والبنات عقب إتمام المرحلة الإعدادية من التعليم العام والأزهري، 9 بالقاهرة، و5 بالإسكندرية، و4 بالشرقية، و3 في أسيوط، وواحدة في كل من الجيزة والإسماعيلية والبحيرة وبني سويف والمنيا.

إلى ذلك فرضت تلك المدارس نشيد الصاعقة بالإذاعة الصباحية للطلاب منذ آذار/ مارس 2018، بدلاً من النشيد الوطني.

وفي آب/ أغسطس 2023، خضع المديرون الجدد للمدارس الحكومية لبرنامج تدريبي بالأكاديمية العسكرية قبل بداية العام الدراسي، فيما اجتمع السيسي بهم شخصياً.

وفي تموز/ يوليو 2024، أتم الملحقون الدبلوماسيون بوزارة الخارجية أولى دوراتهم بالأكاديمية العسكرية، في سابقة تلزمهم بالخضوع لبرامج عسكرية رغم ما للوزارة من مؤسسات تعليمية كـ"المعهد الدبلوماسي"، ما أثار المخاوف من سيطرة وزارة الدفاع على الخارجية، إحدى الوزارات السيادية الأربعة.

وفي شباط/ فبراير 2024، جرى تخريج دفعة من المتقدمين للالتحاق بوظائف وأعمال الهيئات التابعة لوزارة النقل من الأكاديمية العسكرية.

وفي نيسان/ أبريل 2024، وحرصاً منه على استمرار ذلك المسلك حضر السيسي اختبارات المعلمين المتقدمين للالتحاق بوظائف وزارة التعليم.

وفي حزيران/ يونيو 2024، تخرّج في الأكاديمية العسكرية دفعة من المعيّنين بالجهات القضائية وشملت المتقدمين لوظائف معاون نيابة عامة دفعة 2021، ومندوب مساعد بمجلس الدولة دفعة 2020.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تخرجت في الأكاديمية الدورة الأولى للمعلمين المرشحين لشغل وظيفة مديري مدارس بمسابقة "30 ألف معلم".

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، تخرجت أول دفعة من أئمة وزارة الأوقاف بعد إتمامهم دورة تدريبية بكلية الضباط الاحتياط بمدينة الإسماعيلية شرق القاهرة.

وعدّد مراقبون مخاطر إلزام السيسي المدنيين ببرامج عسكرية على كيان الدولة، مؤكدين أنه يسعى لخلق ولاءات بين العاملين في الدولة وطلاب الجامعات كما ضمن ولاءات الجيش والشرطة، منتقدين فرض مبالغ مالية على المتدربين وطلاب الجامعات تدخل جميعها خزائن جهات عسكرية.

عسكرة للعقول
وفي رؤيته، قال السياسي المصري خالد الشريف لـ"عربي21": "السيسي يسعى لعسكرة كل مناحي الحياة في الدولة، حتى الدين يريد أن يجعله جزءاً من مسؤولية الدولة، وأن يُخضع الجميع لسلطانه واستبداده".

وعن تدريب الأئمة الحاصلين على شهادات الدكتوراه، يرى القيادي في حزب "البناء والتنمية" أن "ما يفعله السيسي إهانة لعلماء ودعاة الأمة"، مشيراً إلى أنه "يريد صنع دين جديد بزعم (تجديد الخطاب الديني)، ينزع منه روح الإسلام وأحكامه، كما يسعى لنشر انقسام المجتمع، فهو يفرّق بين إسلام الدولة الرسمي والإسلام المجتمعي الشعبي".

وذهب إلى القول إن "تدريب الدعاة وحاملي الدكتوراه في أكاديمية عسكرية؛ إهانة للأزهر، منارة العلم والمعرفة طوال 1000 عام"، واصفاً إياه بأنه "عسكرة رخيصة لعقول الدعاة والعلماء".

هندسة الهزيمة النفسية
ويعتقد الشريف أنها "ضمن محاولة صهيونية بعد طوفان الأقصى الذي أظهر روح المقاومة والجهاد في الأمة، فيسعون اليوم لإذابة ومحو روح الجهاد بتلك الدورات العسكرية".

وأكد أن "الأصل أن يقوم هؤلاء العلماء بتدريب وتثقيف أولئك العسكريين وإعدادهم إيمانياً؛ كما فعل الرئيس أنور السادات قبل حرب (6 أكتوبر 1973)، وأنشأ إدارة الشؤون المعنوية لهذا الغرض؛ وكان للعلماء دور فعال في ذلك النصر، وعلى رأسهم شيخ الأزهر الدكتور عبدالحليم محمود".

وختم بالقول: "السيسي يريد اليوم هندسة الهزيمة النفسية للمجتمع، ومحو روح الجهاد والإسلام، بعسكرة الدين من خلال تلك الدورات".