حقوق وحريات

نوبيون مصريون خلف القضبان بالسعودية منذ 5 سنوات.. هل تتحرك السفارة؟

8 منظمات حقوقية مصرية ودولية طالبت بالإفراج عن النوبيين العشرة- منظمة العفو الدولية
في الوقت الذي هرعت فيه السفارة المصرية في لندن، إلى تكليف محامين والتدخّل العاجل للإفراج عن رئيس "اتحاد شباب مصر بالخارج"، أحمد عبد القادر ميدو، المقرّب من النظام، والذي أُلقي القبض عليه بتهمة حيازة سلاح أبيض ومحاولة اعتداء؛ يقبع عشرة من أبناء النوبة في السجون السعودية منذ أكثر من أربع سنوات، دون أن يلقوا أي دعم يُذكر من الدولة المصرية، رغم صدور أحكام وصفت بـ"القاسية" ضدّهم وصلت إلى السجن 18 عاما.

بداية القصة
تعود القضية إلى 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حين قرّرت الجمعية النوبية في الرّياض تنظيم ندوة بمناسبة ذكرى حرب "السادس من أكتوبر"، تضمنت صورا لعدد من العسكريين النوبيين الذين شاركوا في الحرب، بينهم: المشير محمد حسين طنطاوي، إلاّ أن السلطات السعودية اعتبرت النشاط "تجمعا غير مرخّص"، وبدأت حملة توقيف انتهت في تموز/ يوليو 2020 باعتقال عشرة أشخاص.

وظلّت أماكن احتجازهم مجهولة لشهرين، قبل أن يسمح لهم بالتواصل الهاتفي مع عائلاتهم من داخل سجن الحائر بالرياض، ثم تنقلوا بين سجني أبها والحائر عدة مرات. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، انطلقت مُحاكمة المقبوض عليهم، أمام المحكمة الجزائية المتخصّصة، التي أصدرت مؤخرًا أحكامًا وُصفت بـ"القاسية" بحقهم.



أحكام مشددة
بحسب أسر المعتقلين، فقد صدرت الأحكام على النحو التالي:

محمد فتح الله شاطر: 18 عامًا.
فرج الله أحمد يوسف: 16 عامًا.
هاشم شاطر وعادل سيد إبراهيم: 14 عامًا لكل منهما.
بينما تراوحت الأحكام على الستة الآخرين بين 10 و12 عامًا.


من جانبها، إنّ السلطات تتّهمهم بـ"إنشاء جمعية غير مرخصة"، و"تأييد جماعة الإخوان"، مع "نشر شائعات على فيسبوك"، و"تنظيم تجمّع بدون تصريح"، وهي اتهامات اعتبرتها منظمات حقوقية "فضفاضة" و"لا تستند إلى أفعال تستحق العقاب".

معاناة الأسر وصمت السفارة
معتز أحمد حسن إسحاق، وهو شقيق وائل إسحاق، قال آنذاك: "مفيش جهة رسمية في الموضوع، لا السفارة المصرية في الرياض ولا الخارجية ولا وزارة الهجرة سألوا عن أولادنا، ولا حاولوا يقدموا لهم دعم قانوني. هل السبب أنهم نوبيين؟".

وأضاف بأنّ: شقيقه لم يتواصل مع عائلته سوى عبر ثلاث مكالمات هاتفية فقط، آخرها قبل أكثر من عام، حتى أنه لم يعلم بوفاة والده.

من جانبه، أكّد مؤمن فتح الله، وهو شقيق المعتقل محمد فتح الله، أنّ: "العائلات حاولت مرارا توكيل محامين، لكنهم اصطدموا إما بالرفض أو بالتكاليف الباهظة، لتنتدب المحكمة لاحقًا محامين على نفقتها".



انتقادات حقوقية
طالبت ثماني منظمات حقوقية مصرية ودولية، بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، بالإفراج عن النوبيين العشرة، ووصفت الأحكام الصادرة عن "محكمة استثنائية" بأنها "جائرة، ولا تراعي معايير المحاكمة العادلة".

كما أدانت تلك المنظمات تقاعس الحكومة المصرية عن التدخل، معتبرة أنّ: "القنصلية المصرية في الرياض "تنصّلت من مسؤوليتها" حين أصدرت بيانًا برّرت فيه الموقف بأنّ: القوانين السعودية لا تسمح بإنشاء جمعيات للجاليات الأجنبية".

تحريض السفارة وصورة السيسي 


من جانبه قال الناشط النوبي، حمدي سليمان، عبر تصريحات خاصة لـ"عربي21" إنّ: "هناك مفارقة صارخة بين مغترب يمارس البلطجة ضد أبناء جاليته المسالمين، رافعا شعارات وطنية بالية، وبين مواطنين نوبيين لم يفعلوا سوى مُمارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن حبهم لوطنهم والاعتزاز بانتصاره المجيد".

وأضاف سليمان أنّ: "الجمعيات النوبية في السعودية ليست وليدة اللحظة، بل هي أقدم واجهة مصرية مسجلة هناك منذ ستينيات القرن الماضي، وكانت تتولى بتنظيم من السفارة المصرية بالرياض مهمة الاحتفال بالمناسبات الوطنية، وغالبا ما كانت الهيئات السعودية تشاركهم وتكرمهم تقديرا لدورهم الثقافي والاجتماعي".



وتابع الناشط النوبي بأنّ: "المشهد انقلب رأسا على عقب؛ نجد النظام المصري ينقلب على النوبيين كعادته: حظر احتفالاتهم في القاهرة والإسكندرية، حاصر قراهم وجزرهم في أسوان، وهدد أصحاب المراكب السياحية بسحب تراخيصهم إن نظموا أي فعاليات نيلية".

واستدرك: "بل إن السفارة المصرية بالرياض حرّضت ضد رموز نوبية هناك، مطالبة السلطات السعودية باعتقالهم قبيل احتفالهم بذكرى نصر أكتوبر، وعندما سئل بعضهم: لماذا لم ترفع صورة عبد الفتاح السيسي في لافتة الاحتفال؟ كان ردهم البديهي أنه لم يكن أحد رموز ذلك النصر، إذ كان وقتها مجرد تلميذ في المدرسة ورغم ذلك، قضوا شهرين خلف القضبان قبل الإفراج عنهم وإدراج أسمائهم لاحقًا على قوائم منع السفر".

وأشار سليمان إلى أنّ: "الاعتقالات تجدّدت لاحقا، فتمّت مداهمة منازل نوبيين وزجّ بهم في سجون أبها والحائر لأشهر طويلة، دون توجيه تهم واضحة، ودون توفير محامين أو رعاية قنصلية، وانقطعت أخبارهم عن ذويهم، ورفض محامون سعوديون الدفاع عنهم، فيما تخلت السفارة المصرية عنهم بحجة مخالفة القانون".

وقال إنّ: "عائلات المعتقلين يعيشوا بلا معيل، بعضهم رحل دون أن يودع أبناءه، وآخرون رزقوا بأطفال لم يروهم، فيما واجه المعتقلون اتّهامات جاهزة مثل الانضمام لجماعة إرهابية أو تمويل الإرهاب، وهي تهم لا علاقة لها برجال قضى بعضهم نصف أعمارهم في خدمة المملكة والسفارة المصرية والاحتفاء بالوطن، دون أن يسجل على أحدهم حتى مخالفة مرورية واحدة".

واختتم الناشط النوبي تصريحاته بالقول:"المفارقة المؤلمة أنّ الدولة تهرع للدفاع عن بلطجية في أوروبا وتصفهم بالشرفاء، بينما تعامل النوبيين الشرفاء كخطر وتهديد، وتشيطنهم في الإعلام، وتبثّ رسائل بأن كل نوبي مشكوك في ولائه. هكذا صار النوبيون أسرى داخل حدود الوطن ومطاردين خارجه".