انتقل الصراع بين أنصار
النظام
المصري ومعارضيه، إلى الساحات الأوروبية التي شهدت حالة من الشد والجذب، أمام
السفارات المصرية، في عدة دول، بعد موجة من الاحتجاجات تحت شعار "
حصار السفارات"،
احتجاجا على غلق معبر رفح ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع
غزة المحاصر.
وخلال الساعات
الأخيرة، شهدت محاولات اعتداء وتدخلات من الشرطة في البلاد الأوروبية واعتقالات وقضايا
تحريض على العنف، في مشهد أعاد إلى الأذهان صراعات المؤيدين والمعارضين للنظام
المصري، خلال الاحتجاجات التي تلت الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من تموز/ يوليو 2011.
وكانت البداية عندما
أطلق عدد من الشباب المصري في الخارج، المؤيد لغزة، مبادرة تهدف إلى لفت الأنظار الدولية
إلى الأزمة الإنسانية في غزة، لكنها في احتجاج رمزي بغلق السفارات المصرية، اعتراضا
على غلق معبر رفح ومنع دخول المساعدات الإنسانية لغزة، من الجانب المصري فيما واجهت
ردود فعل قوية من السلطات المصرية.
تصريحات وزارة الخارجية
في فيديو وصف بـ"المثير" انتشر
على مواقع التواصل الاجتماعي، طالب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، من سفير مصر
في هولندا، بالقبض على أي فرض يقترب من أسوار السفارة المصرية.
وخلال الفيديو نفسه، طالب
عبد العاطي، التعامل بحزم، مع أي محاولات لإغلاق أبواب السفارة، بالقول: "أي شخص يقرب
من السفارة أو يحاول تعطيل عملها سيتم سحبه وإدخاله إلى داخل السفارة" ما
وصفه نشطاء بكونه: "تحريض مباشر في استخدام العنف ضد المعارضين".
استنساخ فكرة "المواطنين
الشرفاء"
في تصرف مفاجئ، ظهر
ما يطلق عليه اتحاد شباب مصر في الخارج برئاسة شاب يدعى
أحمد عبد القادر ميدو، ونائبه
أحمد ناصر، والمحسوبان على النظام المصري بعمل وقفات مماثلة أمام السفارات المصرية في
الخارج، مع إصدار تهديدات علنية بالقتل وإيذاء من يقترب من السفارات المصرية في الخارج.
وفي السياق نفسه، بدأ النظام المصري في حشد أنصاره عبر استنساخ لأسلوبه الداخلي مع المعارضين، بالاستعانة بمؤيدين يُطلق
عليهم اسم: "المواطنين الشرفاء"، الذين يحصلون على حماية من الشرطة لتأمين
المواقع الرسمية.
إلى ذلك، استخدمت هذه الطريقة
داخل مصر، لاحتواء الاحتجاجات المحلية، إلاّ أن تطبيقها في الخارج يواجه تحديات كبيرة
بسبب اختلاف السياقات القانونية والدبلوماسية وانتشار المحتجين على نطاق واسع.
وحظي ما يسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج"، الذي يزعم أنّ: هدفه هو: حماية السفارات ومواجهة
أي محاولات لاعتراضها، بدعم إعلامي داخلي من الإعلام محسوب على النظام المصري، ما
أثار جدلا بخصوص طبيعة الاتحاد وارتباطه بالسلطات الرسمية، خاصة وأنّ بات دوره يتجاوز الحماية
الأمنية إلى تنظيم حملات إعلامية داعمة للنظام.
وفي تصريحات خاصة لـ"
عربي21" أوضح المحلل السياسي، صلاح عامر، أنّ: "الأزمة الحالية بدأت بسبب عدم
تقديم النظام المصري، مبررات مقنعة، لإغلاق معبر رفح ومنع مرور المساعدات الإنسانية إلى
غزة، إلى جانب قمع المظاهرات المؤيدة للقطاع، فيما سمح ببعض المظاهرات الرمزية عند
المعبر".
وأضاف عامر بأنّ: "منع
قوافل الصمود والدعم عن غزة ساهم في إشعال الحراك المصري في الخارج"، مشيرا في الوقت ذاته إلى: تصريحات
ممثل الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي حملت النظام مسؤولية إغلاق المعبر.
وأوضح عامر أنّ: "هذه
العوامل دفعت الشباب المؤيد إلى إطلاق مبادرة "حصار السفارات المصرية" في
الخارج، كخطوة رمزية تعكس ما يحدث عند معبر رفح، لكنها اتسعت بشكل غير متوقع، ما أثار
قلق السلطات المصرية".
كيف تعامل النظام
المصري؟
بخصوص كيفية تعامل النظام
المصري مع هذه الاحتجاجات، رأى عامر أنّ: "الحكومة أظهرت فوضوية واضحة، محاولة تنفيذ أساليبها
القمعية المعتادة في الداخل عبر استنساخ فكرة "المواطنين الشرفاء" في الخارج،
وهي الجماعات المؤيدة للنظام التي كانت تستخدم في الاعتداء على المعارضين في الشوارع،
بدعم من الشرطة والداخلية".
وأضاف بأنّ: "وزير الخارجية
المصري، بدر عبد العاطي، كان المحرّض الأساسي على هذه الأفعال، بحسب الفيديو المسربة مع
سفير مصر في هولندا، هاني حنا، وهو ما أعطى دفعة وثيقة لهؤلاء الشباب بالتصرف بتلك
التصرفات".
وأشار عامر إلى أنّ: "النظام اعتمد أيضًا على الإعلام الداخلي لتشجيع هؤلاء الشباب"، موضحا أنه: "تم تصوير الاحتجاجات
وكأنها مواجهة مع "العدو الصهيوني"، بينما في الواقع كان الأمر يتعلق بمصريين
آخرين معارضين للنظام والاحتلال بدلا من دعمهم".
وأوضح أنّ: "بعض أنصار
النظام تعاملوا مع المعارضين في الخارج بنفس الأساليب العنيفة المستخدمة في الداخل،
بما في ذلك التهديد بالضرب والقتل ومحاولات الاعتداء المتكررة في فيديوهات مباشرة استخدمها
الإعلام المحلي نفسه لدعمهم معنويا في مخالفة واضحة للقانون الأوروبي والدولي، ما
سبّب لهم مشاكل قانونية كبيرة".
هل نجحت
فكرة استنساخ المواطنين الشرفاء؟
وحول نجاح هذه الاستراتيجية،
قال عامر إنّ: "محاولة النظام استنساخ أسلوب "المواطنين الشرفاء" قد فشلت، بسبب
التحديات القانونية في الدول الأوروبية، حيث حرّكت الشرطة ملفات القضايا ضد المتورطين
بعد تلقي شكاوى مصورة"، وأشار أيضا إلى أنّ: "بعض البلاغات تضمنت اتهاما مباشرا لوزير الخارجية
المصري، بدر عبد العاطي، بالتحريض على العنف".
وأضاف بأنّ: "خروج الشباب
بعد القبض عليهم تمّ وفق القانون، وليس كما صوره الإعلام المصري، أنه بجهود النظام
المصري إلا أنهم يواجهون الآن قضايا قد تمنعهم من دخول أوروبا مجددا، ما يوضح أن أسلوب
النظام أضر بمؤيديه كما يحاول الضرر بمعارضيه".
أسلوب بلطجي
أكد الناشط المصري،
أدهم حسانين، في تصريحات خاصة لـ"
عربي21" أنّ: "ما أطلق عليهم النظام المصري اسم "المواطنين الشرفاء" ليسوا
سوى جماعات دعمتها السلطات لمواجهة المعارضين"، مشيرا إلى أنّ: "النظام اعتمد على أسلوب
البلطجة والتحريض المباشر من وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، ظنّا أن هذه التكتيكات ستنجح
كما هو الحال داخل مصر".
وأوضح حسانين أنّ: "الوزير
بدر عبد العاطي، له سجلّ حافل في قمع المعارضين في برلين، وهو ما اعتبر سببا في تعيينه
وزيرا للخارجية"، مضيفا: "النظام تجاهل أن أوروبا وأمريكا لديها قوانين صارمة،
ولذلك تم القبض على هؤلاء الشباب بعد الاعتداءات، وقد يؤدي ذلك إلى إنهاء مسيرتهم في
القارة الأوروبية بسبب القضايا المنظورة ضدهم".
وأشار حسانين إلى وجود
بلاغات رسمية تتهم وزير الخارجية نفسه بالتحريض على العنف، ما يعكس الطبيعة القانونية
والرقابية التي يفرضها القانون الأوروبي، والتي كانت سببا في فشل محاولة استنساخ أساليب
القمع الداخلي في الخارج. وفقا لتعبيره.