ملفات وتقارير

محطات الطاقة المتجددة بالصين.. مشاريع لبسط النفوذ ومنع أمريكا من الانفراد بالعالم

مشروع سور الصين الشمسي في قلب صحراء منطقة منغوليا الداخلية– إكس
تُشكّل الصين ثلث الطلب العالمي على الطاقة، وتُعدّ أكبر مستهلك للكهرباء في العالم، متجاوزة حاجز التريليون كيلوواط ساعي في شهر تموز/يوليو من العام الجاري، بحسب الهيئة الوطنية للطاقة، وهو مؤشر رئيسي لتنامي النشاط في بلد يُصنف كـ ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة.



ووفقا لمنصة "وورلد إيكونوميكس"، لم تعد الولايات المتحدة المحرك الأساسي للنمو العالمي، فقد أدى النمو الاقتصادي الاستثنائي للصين على مدى العقود الأربعة الماضية، بمعدل متوسط يبلغ 4 أضعاف معدل الولايات المتحدة، إلى تغيير جذري في ميزان القوى في العالم، لدرجة تداول مراكز بحوث عبارة "الصين تصنع وأميركا تستهلك"، فيما قال وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك إن :"الصين تخنقنا".


التنين الصيني ينافس الفيل الأمريكي
رغم أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين لطالما اتسمت بالتوتر منذ تطبيعها في سبعينيات القرن العشرين بسبب ما تعده واشنطن تهديدا خطيرا للرفاهية الاقتصادية والقيم الديمقراطية للولايات المتحدة بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي، إلا أنها دخلت مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي المكثّف مع عودة الرئيس دونالد ترامب للرئاسة في كانون الثاني عام 2025، وسعي البيت الأبيض لتحجيم ما وصفه زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، بـ"التطور المخيف والزحف السريع للتنين الصيني على انفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم".


وصلت التوتّرات التجارية مستويات تاريخية بين واشنطن وبكين، بعد أن فرض ترامب تعريفات كمركية على عدد من الدول من بينها الصين كـ"انتقام من حكومات أجنبية يعتقد أنها تخدع الأمريكيين"، وهو ما عدته الصين حربًا مفتوحة قالت إنها "لن ترضخ لها"، ومع تهديد الرئيس الأمريكي بفرض عقوبات على موسكو وأخرى ثانوية على الدول التي تشتري النفط من روسيا إذا لم تتخذ أي خطوات لإنهاء الحرب في أوكرانيا، سارعت الصين الخطى باتجاه خطتها نحو تعزيز اعتمادها على الطاقة النظيفة المتجددة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بعيدا عن النفط والفحم الحجري، حيث من المتوقع أن يصل إجمالي قدرة توليد الكهرباء المركبة لديها - الرياح والطاقة الشمسية - إلى 3.99 تيراواط بنهاية عام 2025، وفق بيانات لمنصة الطاقة المتخصصة في واشنطن.

"الطاقة وعاء أرز يجب أن يكون بأيدينا"
تبني الصين محطات طاقة متجددة تساوي ضعف ما موجود في كل دول العالم، إنجاز تقترب من تحقيقه بشأن تقليل الاعتماد على استيراد النفط بعد عقود كان خلالها حجم احتياجات الصين الكبير محركاً للطلب العالمي، وسط ترجيحات ببدء تراجع استهلاكها منه بعد نحو 3 أعوام من الآن، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، التي أشارت إلى مخاوف المسؤولين الصينيين منذ فترة طويلة من أن تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من شل اقتصاد البلاد عبر قطع إمداداتها من النفط الأجنبي.

وأضافت الصحيفة الامريكية، أن الصين ضخت مئات المليارات من الدولارات لتقليص اعتمادها على النفط المستورد، من خلال إحياء الإنتاج المحلي وبناء صناعة السيارات الكهربائية الرائدة عالمياً بوتيرة سريعة، واستشهدت بما قاله الرئيس الصيني شي جين بينج: "الطاقة مثل وعاء أرز.. يجب أن يكون في أيدينا نحن".




نفدت حيل الغرب لإيقافها
وبينما يناقش العالم مستقبل الطاقة، أنشأت الصين أكبر نظام للطاقة المتجددة خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة، مؤمنة نحو 60 في المائة من حاجة البلاد للكهرباء، بعد أن تصدرت منذ حزيران/يونيو 2024، العالم من حيث عدد مزارع الطاقة الشمسية العاملة، بل وتوسعت خططها خارج حدودها خلال السنوات الأخيرة، لمواجهة محاولات الغرب للتحرر من هيمنتها المبكرة على السوق، هل نفدت حيل الغرب لإيقافها.



الحديث اليوم عن "سور الصين الشمسي العظيم"، مشروع ضخم سيغيّر شكل الطاقة في العالم، حيث يجري إنشاء منظومة عملاقة في صحراء كوبوتشي ستنتج كهرباء يكفي لتجهيز مدن كاملة بقدرة قد تصل إلى 100 غيغاواط بحلول عام 2030، أي ما يعادل مجموع عشرات محطات الكهرباء التقليدية، ضمن استراتيجياتها البيئية والاقتصادية التي تشمل تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، خاصة وأن الصين تُعد أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة التي تؤدي إلى تغير المناخ.

تحويل "بحر موت" لواحة ألواح شمسية
في قلب الصحراء يظهر ذكاء التخطيط، فالصين لم تضع المشروع على أرض جرداء لعدم وجود ما يحجب أشعة الشمس فقط، بل لأن الألواح تساعد أيضاً في تثبيت الرمال ومنع التصحر وتقليل مخاطر تآكل التربة، بل وتوفّر بيئة تسمح لنمو الحياة من جديد، لعدم وجود انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فضلا عن منع وصول الرواسب إلى النهر الأصفر بما يدعم قطاع الزراعة، إضافة لمكاسب مجتمعية مثل توفير فرص عمل يصل عددها إلى 50 ألفًا.


يمتد المشروع الذي بدأت الإنشاءات فيه مطلع عام 2024 بإجمالي استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار، على مساحة 400 كيلومتر تقريبًا، وبعرض 5 كيلومترات في قلب صحراء منطقة منغوليا الداخلية، ويضم نحو 200 ألف من الألواح الشمسية, ومن المقرر أن يكون قادرًا على توليد 180 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنويًا، وهو رقم كبير بالمقارنة باستهلاك سكان بكين الذي بلغ 135.5 مليار كيلوواط/ساعة

تقع صحراء كوبوتشي في منغوليا الداخلية، وكانت تُعرف سابقًا باسم "بحر الموت"، إذ كانت تُعاني من عواصف رملية لا هوادة فيها، أما الآن، فقد تحولت إلى "بحر أزرق وواحة خضراء"، تُغطي طبقات من الألواح الشمسية مناظرها الطبيعية, ويأتي هذا التغيير الملحوظ في أعقاب مشروع السيطرة على الصحراء الشمسية في كوبوكي، الذي تديره شركة الطاقة النووية العامة الصينية، والذي نجح بشكل فعال في استعادة 2266 هكتارًا من الأراضي الصحراوية.



مدير محطة جيسانغ للطاقة والتي هي جزء من مشروع السور الشمسي، والتي دخلت الخدمة عام 2024، أوضح قائلا: "يمكن للمكونات الكهروضوئية حجب الرياح وتقليلها، بينما تساعد أكوام الأساسات تحتها على تثبيت الرمال"، وأضاف: "تشكل الألواح الشمسية تشكيلًا يشبه الدرع، مما يعيق حركة الكثبان الرملية بفعالية"، كما أشار إلى أن الألواح الكهروضوئية مزودة بخاصية تتبع الشمس، ما يسمح لها بالدوران مثل عباد الشمس الذي يتبع الشمس وتحويل ضوء الشمس إلى كهرباء بشكل مستمر.


مرصد ناسا الأرضي بث صور تُظهر حجم التغييرات التي طرأت في صحراء كوبوتشي سابع أكبر صحراء في العالم بين عامي 2017 و 2024، حيث تبدوا محطة جونما على شكل حصان رشيق مكون من ألواح الطاقة الشمسية والتي هي جزء من سور الصين العظيم للطاقة الشمسية والذي يعرف بقاعدة دالاد للطاقة الكهروضوئية



المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ"، قالت إن:" المرايا والألواح الشمسية أصبحت تنافس الفحم الذي كان يُغذي الشبكة الكهربائية، منذ عام 2012، أضافت الصين مئات الجيجاواط إلى توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، الأمر الذي أدى إلى إعادة تشكيل مزيج الطاقة لديها، والذي لولاها لتأخرت أهداف تحييد التلوث الكربوني في العالم لـ10 سنوات".



محطة طاقة شمسية مرآوية
لم تتميز الصين بالألواح الكهروضوئية فحسب، ففي مقاطعة قانسو، قامت بتفعيل أول محطة للطاقة المرآوية ذات البرجين في العالم، تتبع 30 ألف مرآة هليوستات الشمس وتركز أشعتها على برجين يبلغ ارتفاعهما 200 متر، حيث يتم تسخين الملح المنصهر، مما ينتج البخار اللازم لتشغيل الـ"توربينات"، وبقدرة سنوية تبلغ 1.8 مليار كيلوواط/ساعة، يمكن للمنشأة أن تزود حوالي 170 ألف منزل بالطاقة، مما يبرز قفزة الصين في البنية التحتية المتجددة والابتكار في مجال الطاقة على نطاق واسع.



العالم والوقود الأحفوري
وفي ظل سباق عالمي باتجاه تأمين موارد الطاقة، فأن العالم العربي ما زال متمسكا بمصادر الوقود الأحفوري وفي مقدمتهما النفط والغاز الذي يمتلك ما نسبته 58 بالمائة من احتياطات العالم، وهي مصادر مرشحة للنضوب بسبب استنزافها, لاسيما وانها محدودة في باطن الأرض، فهل سنرى المنطقة العربية تستثمر بنفس الجرأة في كنز الصحارى وأشعة الشمس مع التوقعات بزيادة الطلب على الطاقة بنسبة تفوق الـ7 بالمائة خلال السنوات القليلة القادمة؟!.