صحافة دولية

إيكونوميست: نتنياهو يواصل المراوغة للبقاء في السلطة على حساب دماء غزة

إيكونوميست: نتنياهو يمارس لعبة المراوغة للحفاظ على منصبه والفوز بالإنتخابات المقبلة - الأناضول
إيكونوميست: نتنياهو يمارس لعبة المراوغة للحفاظ على منصبه والفوز بالإنتخابات المقبلة - الأناضول
نشرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية تقريرًا مطولًا حول أداء رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الحرب المستمرة على غزة، معتبرة أن تكتيكاته السياسية لا تهدف سوى إلى إطالة أمد بقائه في الحكم والفوز في الانتخابات المقبلة، حتى وإن كان الثمن كارثيًا على سكان غزة والأسرى الإسرائيليين.

فبعد ستة أشهر فقط من تعيينه، خالف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، إيال زامير، علنًا سياسات حكومة نتنياهو. ففي 24 آب/ أغسطس الجاري، وأثناء زيارته لقاعدة بحرية، أشار إلى أن الجيش في عملياته السابقة قد هيأ الظروف لإطلاق سراح الأسرى، في تصريح حمل رسائل مباشرة لنتنياهو. ويعارض زامير خطة نتنياهو لاحتلال مدينة غزة بالكامل، ويرى أن وقف إطلاق النار أكثر جدوى، لكنه مضطر لتنفيذ الأوامر السياسية.

خلق غياب استراتيجية واضحة من جانب الحكومة توترًا متصاعدًا بين المؤسسة العسكرية وحكومة نتنياهو. كما اعتبرت المجلة أن مراوغات نتنياهو بلغت مستويات غير مسبوقة في الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي يفاقم معاناة سكان غزة ويهدد حياة الأسرى الإسرائيليين، بينما لا يحركه سوى هاجس الحفاظ على منصبه السياسي.

توضح "إيكونوميست" أن إنهاء الحرب قد يدفع حلفاء نتنياهو في اليمين المتطرف للتخلي عنه، بينما تضع معارضة الجيش عقبات أمام توسيع العمليات العسكرية بالسرعة التي يرغب بها. في تموز/يوليو الماضي، طلب نتنياهو من الجيش إعداد خطة لإنشاء معسكر اعتقال في جنوب غزة، يتم فيها تجميع سكان القطاع البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، فيما تتولى القوات الإسرائيلية القضاء على حماس في بقية المناطق. لكن الجيش رفض الخطة باعتبارها غير عملية ما دفع نتنياهو لتقليصها نحو هدف أضيق يتركز على مدينة غزة، التي تضم نصف سكان القطاع تقريبًا.

اظهار أخبار متعلقة


وخلال أكثر من شهرين، منعت حكومة الاحتلال إدخال المساعدات إلى غزة، قبل أن تسمح لاحقًا بمرور كميات ضئيلة جدا عبر قنوات ملتوية، شملت مؤسسات إغاثة غير واضحة، وشركات خاصة، وحتى عصابات إجرامية. وذكرت المجلة أن مئات الغزيين لقوا حتفهم جوعًا أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع الغذاء، في وقت صنف فيه تقرير "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" أجزاء واسعة من غزة في مرحلة المجاعة، وهو ما ينكره الاحتلال الإسرائيلي.

على الصعيد الدبلوماسي، يواصل الاحتلال الإسرائيلي منذ أشهر محادثات غير مباشرة مع حماس، بوساطة مصر وقطر، حول اتفاق تبادل للأسرى يتضمن وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار. ورغم موافقة حماس على صيغة اتفاق جديد، فإن نتنياهو رفضها وأصر على شروط أكثر تشددًا، من بينها الإفراج عن جميع الأسرى وفرض وقف للحرب وفق الرؤية الإسرائيلية فقط. وبدت الحكومة غير مبالية بمصير عشرات آلاف القتلى من المدنيين الفلسطينيين الذين تجاوز عددهم 60 ألفًا، بحسب التقرير.

تضيف "إيكونوميست" أن إستراتيجية نتنياهو تقوم على ركيزتين: الإبقاء على تحالفه اليميني المتطرف، ومحاولة تسويق "نصر" عسكري في غزة لاستعادة ثقة الشارع الإسرائيلي. ورغم نجاحه حتى الآن في كسب دعم شركائه المتطرفين عبر استمرار الحرب وإبقاء حلم ضم غزة والضفة قائمًا، فإن الرأي العام الإسرائيلي انقلب ضده. ثلاثة أرباع الإسرائيليين يؤيدون صفقة تبادل للأسرى تتضمن إنهاء الحرب، فيما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بذلك.

ورغم ذلك، يواصل نتنياهو تجاهل هذه الأصوات، متمسكًا بخطاب الحرب. وتلفت المجلة إلى أن نتنياهو كان يعتقد أن عملياته العسكرية ضد حزب الله في لبنان، والحرب القصيرة مع إيران في حزيران/ يونيو الماضي، ستعزز صورته كقائد لا غنى عنه. إلا أن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ كشفت المقارنة بين تلك الحملات السريعة و"المستنقع الدموي" في غزة أن حكومته فشلت في حسم المواجهة مع حماس، العدو الأضعف بكثير.

وبينما يقترب الاحتلال الإسرائيلي من انتخابات مقررة في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية نتنياهو بشكل كبير، مع توقعات بخسارته. ومع ذلك، يراهن على إضعاف المعارضة المتشرذمة وتفككها لمنع تشكيل بديل سياسي متماسك. 

وترى "إيكونوميست" أن هذه المناورات قد تفيده تكتيكيًا، لكنها محفوفة بالمخاطر الاستراتيجية، خاصة وأن الأولويات الإنسانية الملحة في غزة وظروف الأسرى ما زالت خارج حساباته. وتخلص المجلة إلى أن ما يميز نتنياهو، ليس براعة سياسية بقدر ما هو إصرار على تحويل بقاءه في الحكم إلى هدف أعلى من حياة عشرات آلاف المدنيين في غزة ومن مصير مواطنيه الأسرى، ما يجعل الاحتلال الإسرائيلي عالق في حرب استنزاف مكلفة سياسيًا وأخلاقيًا وعسكريًا.
التعليقات (0)