هل يقدم العالم على حرب عالمية ثالثة؟

أحمد قعلول
التصعيد العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران قد تجاوز حدود المناورة التكتيكية ليصبح أزمة جيواقتصادية وهيكلية عابرة للأقاليم.. جيتي
التصعيد العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران قد تجاوز حدود المناورة التكتيكية ليصبح أزمة جيواقتصادية وهيكلية عابرة للأقاليم.. جيتي
شارك الخبر
تداعيات التصعيد العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية

في ظل تواصل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، ومع غموض مآلاتها وفشل كل الخطط العسكرية في تحقيق الأهداف التي وضعها الكيان وجر وراءه فيها أهم وأكبر مكون جيوسياسي في العالم وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

وإذ انتهت الانتخابات الإسرائيلية لمزيد تكريس مسار التطرف، وإذ تنتهي الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة بما يمكن وصفه بالهزيمة الشخصية لدونالد ترامب، فإن التصعيد العسكري أصبح أحد الملاجئ السياسية للخروج من المأزق السياسي الفردي لكل من نتنياهو ودونالد ترامب وإن أدى ذلك إلى غرق العالم.

يبحث هذا المقال سيناريو التصعيد الحربي في اتجاه احتمال استعمال السلاح النووي والعوامل التي يمكن أن تدفع إلى ذلك ونتائج على العالم والسلم الدولي.

1 ـ سيناريوهات التصعيد العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي وانقسامات الإدارة الأمريكية

1 ـ 1 سيناريوهات الضربة العسكرية ومخاطر السلاح النووي التكتيكي لـ "جبل الفأس" (Pickaxe Mountain)

تكشف القراءة الاستراتيجية لتقييمات الاستخبارات ومراكز صنع القرار في واشنطن وتل أبيب عن تحول خطير في تحديد نطاق الأهداف العسكرية الوشيكة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يتصدر منشأة "جبل الفأس" (Pickaxe Mountain) الواقعة في وسط إيران قائمة الأهداف الاستراتيجية الأكثر حرجاً وتعقيداً. واستناداً إلى البيانات التحليلية الصادرة عن صحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times) وتصريحات المعلق الاستراتيجي الأمريكي تاكر كارلسون (Tucker Carlson)، تؤكد تقارير الاستخبارات الإسرائيلية استئناف إيران لعمليات تخصيب اليورانيوم بتركيزات عالية داخل هذه المنشأة، والتي تم تشييدها تحت أنفاق عميقة تتجاوز 300 قدم من الجرانيت الصلب، ما يجعلها حصناً منيعاً أمام كافة أسلحة الاختراق التقليدية المتاحة في الترسانة الأمريكية.

ويرسم هذا التحدي الجيولوجي والهندسي معضلة تكتيكية غير مسبوقة للإدارة الأمريكية، في ظل الضغوط المكثفة واليومية التي يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمضي في ضربة استباقية باستخدام سلاح نووي تكتيكي باعتباره الخيار العملياتي الوحيد  القادر على "سحق" المنشأة. وينطوي هذا السيناريو على تناقض صارخ مع العقيدة المعلنة سابقاً للرئيس ترامب عبر منصة (Truth Social)، والتي رفض فيها صراحة التفكير في الأسلحة النووية ضد إيران، مؤكداً أن القوة التقليدية حققت الردع الشامل ومشدداً على الحظر الأخلاقي والدولي لاستخدام السلاح النووي. غير أن تآكل خيارات الردع التقليدي يضع صانع القرار الأمريكي أمام مخاطرة ارتكاب جريمة "المحظور النووي" الممتد منذ عام 1945 من فعاليته، وإعادة إدراج ضربات التدمير النووي المحدود كأداة لحسم الصراعات الإقليمية.

2 ـ 1  التحديات التقنية للقنابل الخارقة للملاجئ (MOAB مقابل MOP) والتحصينات الإيرانية

تكشف التقييمات التقنية للهندسة العسكرية عن عقبات ميدانية حرجة تواجه قيادة التخطيط الأمريكي ـ الإسرائيلي المشترك عند التعامل مع التحصينات الإيرانية شديدة العمق، وذلك وفقاً للتحليلات الصادرة عن صحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times) والتقييمات الفيزيائية للخبير الدولي ديفيد ألبرايت (David Albright)، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي:

ـ أم القنابل (MOAB - GBU-43/B): تزن هذه القنبلة المخصصة للتدمير الفوق-سطحي والضغط التفريغي نحو 21,000 رطل، وتتمتع بقدرة تدميرية عصفية هائلة. غير أن قيودها التكتيكية تفرض حملها وإسقاطها عبر طائرات الشحن البطيئة من طراز (C-130) بدلاً من المقاتلات الاستراتيجية، مما يمثل مخاطرة عملياتية حرجة ومباشرة في ظل توغل هذه الطائرات غير المناورة في عمق شبكات الدفاع الجوي الإيراني المركبة.

ـ القنابل الخارقة للأعماق (MOP - GBU-57): اعتمدت واشنطن سابقاً على هذه المنظومة التكتيكية المخصصة لاختراق الصخور والخرسانة المسلحة عند استهداف موقعي نطنز وفوردو؛ إلا أن التقييمات الهندسية تؤكد أن طبقات الغرانيت الصلب التي تتجاوز 300 قدم في منشأة "جبل الفأس" تتعدى الحدود الكهروميكانيكية والمعيارية لقدرة الإختراق الرأسي لقنابل (MOP) التقليدية.

ـ العتمة الاستخباراتية والفجوة التكتيكية: يؤكد الفيزيائي ديفيد ألبرايت أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تعاني من عجز معلوماتي حاد وتراجع في مستوى الرؤية الميدانية للبرنامج النووي الإيراني مقارنة بعام 2025. ويشير إلى وجود شبكة غير معلنة من المنشآت والكوادر التقنية، مما يجعل الضربات التقليدية غير مضمونة النتائج ويفتح الباب أمام مفاجآت تكتيكية إيرانية غير محسوبة.

3 ـ 1 الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية ومواقف الجناحين العسكري والدبلوماسي

تعيش مؤسسات صنع القرار في واشنطن حالة من الانقسام الاستراتيجي الحاد والهيكلي حول إدارة المواجهة مع طهران، وفق التفكيك التحليلي للمدرسة الواقعية الذي قدمه البروفيسور جون ميرشايمر (John Mearsheimer) والتحليلات الجيوسياسية للدكتور تريتا بارسي (Trita Parsi)، إلى جانب المعطيات التي كشف عنها تاكر كارلسون. ويعكس هذا الانقسام صراعاً محتدماً بين جناحين داخل الإدارة:

يقود "جناح الصقور" الداعي للحل العسكري الحاسم وإسقاط النظام كل من وزير الدفاع بيت هيجسيث (Pete Hegseth)، وقائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الفريق أول براد كوبر (Brad Cooper)، ووزير الخارجية ماركو روبيو (Marco Rubio)، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف (John Ratcliffe). وينطلق هذا الجناح من الرؤية الإسرائيلية الداعية لتدمير البنية التحتية الشاملة لإيران. وفي المقابل، يبرز "جناح المسار الدبلوماسي" بزعامة نائب الرئيس جي دي فانس (JD Vance) والمبعوث الخاص ستيفن ويتكوف (Witkoff)، اللذين يضغطان لإعادة رسم خريطة المفاوضات الشاملة وتفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف كبرى.

ويعزو البروفيسور ميرشايمر والدكتور بارسي تصلب الموقف الإيراني (Hardball Strategy) إلى الانهيار التام لعنصر الثقة؛ إثر تعرض طهران لهجومين غادرين على طريقة "بيرل هاربر" من قبل واشنطن وتل أبيب أثناء انعقاد الجولات التفاوضية في فبراير 2026 وجون 2025. وتتمسك طهران بمطالبها الواردة في مذكرة التفاهم المؤرخة في 17 يونيو، والتي تتضمن التصفية الكاملة للعقوبات، وتأمين التعويضات المالية، وإعادة الأصول المجمدة، والجلاء العسكري الأمريكي الكلي عن المنطقة.

وتتزامن هذه التجاذبات مع تحذيرات أطلقها مسؤولون سابقون مثل وزير الدفاع السابق مارك إسبر (Mark Esper) وقائد "سينتكوم" السابق جوزيف فوتيل (Joseph Votel) بشأن انعدام الرؤية الاستراتيجية لتحديد "أهداف الحرب"، لا سيما في ظل الخسائر المؤلمة التي وثقها تقرير خدمة بحث الكونجرس (CRS)، والتي شملت تضرر وتدمير 81 طائرة أمريكية ومقتل 21 عسكرياً أمريكياً. وقد بلغت حالة الإجهاد السياسي والعصبي في واشنطن ذروتها مع الكشف عن تعرض السيناتور كريس مورفي (Chris Murphy) لوعكة صحية حادة (جلطة دماغية) عقب إحاطة استخباراتية مغلقة وصف فيها خطط الحرب المعروضة بـ "الخطة المجنونة".

4 ـ 1 ـ  تأثير انتخابات منتصف الولاية وضغوط نتنياهو على صانع القرار الأمريكي

يتقاطع البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض محددات صارمة على مسار الصراع. ففي واشنطن، تشكل الهزيمة في انتخابات منتصف الولاية (Midterms) كابوساً سياسياً يضيق هامش الحركة للرئيس ترامب؛ حيث يواجه حرجاً انتخابياً بالغ الخطورة وغضباً شعبياً عارماً جراء التضخم وموجات الغلاء الناجمة عن الحرب. ويضع هذا الواقع الإدارة الأمريكية أمام معضلة: إما الانصياع للدبلوماسية لتفادي مزيدا العقاب الانتخابي يؤثر على مستقبل الحزب الجمهوري، وأهم من ذلك على مكانة ترامب المركزية داخل الحزب، أو الاندفاع نحو المغامرة العسكرية في النافذة الحرجة الممتدة بين 3 نوفمبر و20 يناير قبل تسلم الكونغرس الجديد، خاصة مع تأكد سيطرة الديمقراطيين الذين يهددون بقطع تمويل العمليات العسكرية وبدء إجراءات العزل (Impeachment) ضد وزير الدفاع بيت هيجسيث.

2 ـ التبعات الإقليمية والاقتصادية والأمن المائي والغذائي

1 ـ 2 ـ أزمة إغلاق مضيق هرمز ومخاطر التلوث الإشعاعي للخليج العربي

تستمر أزمة إغلاق مضيق هرمز للشهر الثامن على التوالي، متسببة في الشلل الملاحي الأكثر خطورة في التاريخ المعاصر. وتتلخص الأبعاد الحرجـة لهذه الكارثة، وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA) والاستبيانات العسكرية، فيما يلي:

ـ الاختناق الاستراتيجي لأمن الطاقة: يشكل المضيق الشريان الحيوي لنحو 25% من تجارة النفط المنقول بحراً عالمياً، و20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG)، مما يجعل إغلاقه التهديد الهيكلي الأكبر للتجارة الدولية عبر التاريخ.

ـ خطر التساقط الإشعاعي (Radioactive Fallout): تؤكد التحذيرات العسكرية وتصريحات تاكر كارلسون أن تنفيذ ضربة نووية تكتيكية تحت الأرض لمنشأة "جبل الفأس" سيؤدي إلى انبعاث غبار وتساقط إشعاعي واسع النطاق باتجاه حوض الخليج العربي.

ـ الانهيار البيئي والمائي: سيتسبب التسرب الإشعاعي في تلوث مياه البحر وتوقف محطات تحلية المياه الشاطئية في دول الخليج العربي كلياً، مما يهدد بقطع مياه الشرب النقية عن 100 مليون نسمة وتشريدهم بيئياً.

أفرز تعطل الملاحة البحرية في الخليج العربي تبعات اقتصادية كارثية على منظومة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الزراعية العالمية، بناءً على بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، وأبحاث "كينغز ريسيرش" (Kings Research)، وتقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA).
إن التدمير المحتمل لكفاءة محطات التحلية بالخليج ينقل الصراع من مواجهة على اقتصاديات الطاقة إلى أزمة وجودية وإنسانية غير مسبوقة. ففقدان الإمدادات المائية لما يزيد عن 100 مليون شخص لا يعني فقط شللاً تاماً في النظم الحضرية والأنشطة الاقتصادية بالدول المحاذية، بل يؤدي إلى موجات نزوح سكاني قسري وانهيار كامل في هياكل الحوكمة الإقليمية، مما يحول المنطقة إلى بيئة غير صالحة للاستقرار البشري.

2 ـ 2 ـ انعكاس الأزمة على دول الخليج وأمن الطاقة العالمي (النفط، الغاز، والديزل)

فرضت الحرب وإغلاق المعابر المائية أضراراً جسيمة على اقتصاديات الطاقة الإقليمية والدولية، استناداً لتقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، وأبحاث مؤسسة "كينغز ريسيرش" (Kings Research)، وول ستريت جورنال (WSJ):

ـ تدمير مجمع رأس لفان للغاز: تسبب الهجوم المستهدف على مجمع رأس لفان في دولة قطر في خروج أكبر منشأة لإسالة الغاز عالمياً عن الخدمة. وأكد وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد بن شريدة الكعبي أن عمليات الإصلاح والتعافي تتطلب 3 سنوات كاملة؛ ما دفع شركة "قطر للطاقة" للتعاقد مع شركة "شينير إينرجي" (Cheniere Energy) الأمريكية لشراء 4 ملايين طن متري سنوياً من الغاز المسال حتى عام 2054 لإيفاء عقودها.

ـ تعطل شرايين النفط السعودية: تسببت هجمات الحوثيين بالطائرات المسيرة والصواريخ في توقف خط الأنبوب السعودي (شرق-غرب) في 11 سبتمبر قبل إعادة تشغيله الجزئي لاحقاً، إلى جانب تعطل العمليات في ميناء ينبع وميناء رأس تنورة بالخليج العربي.

ـ السحب الاستراتيجي التاريخي: أقر أعضاء وكالة الطاقة الدولية (IEA) بالإجماع أكبر سحب للمخزونات الطارئة في تاريخ الوكالة بواقع 400 مليون برميل لتغطية العجز الحاد.

ـ صدمات الأسعار وانكماش التكرير: ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة 60% فوق مستويات ما قبل الأزمة لتسجل قفزات قياسية قبل أن تستقر عند زيـادة 50%، بينما انخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 2.6 مليون برميل يومياً خلال عام 2026 نتيجة الارتفاع السعري، وسط انكماش حاد في أسواق الديزل عالمياً وتوقف نحو 2 مليون برميل يومياً من الطاقة التكريرية بالخليج.

3 ـ 2 ـ أزمة قطاع الأسمدة وسلاسل الإمداد الزراعية العالمية

أفرز تعطل الملاحة البحرية في الخليج العربي تبعات اقتصادية كارثية على منظومة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الزراعية العالمية، بناءً على بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، وأبحاث "كينغز ريسيرش" (Kings Research)، وتقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA). فقد أدى حجز حركة السفن في مضيق هرمز إلى شلل صادرات دول الخليج التي تؤمن 30% من تجارة اليوريا العالمية، ونحو 20% من تجارة الأمونيا والفوسفات.

وترتب على هذا الاختناق الهيكلي ارتفاع أسعار الأسمدة الفوسفاتية بنسبة تتراوح بين 25% إلى 30% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع، بينما تضاعفت أسعار الكبريت (العنصر الجوهري في تصنيع حمض الفوسفوريك وتكرير المعادن) بأكثر من 100% خلال ستة أشهر. وقد انعكست هذه القفزات السعرية مباشرة على كلف الإنتاج الزراعي العالمي، مما تسبب في تراجع مستوى إنتاجية المحاصيل الغذائية الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم الغذائي، وتصاعد مخاطر الفقر الغذائي الشامل والمجاعات في الدول النامية والهشة.

4 ـ 2 ـ أزمة أشباه الموصلات والصناعات الإلكترونية الحساسة

انعكست الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط بصورة مباشرة على الصناعات التقنية المتقدمة وسلاسل توريد التكنولوجيا الفائقة، وفق دراسات مؤسسة "كينغز ريسيرش" (Kings Research) وأبحاث البروفيسور براهما تشيلاني (Brahma Chellaney):

ـ انقطاع إمدادات الهيليوم: أدى تعطل الإنتاج في دولة قطر ـ ثاني أكبر منتج ومصدر للهيليوم عالمياً ـ إلى توقف خطوط إنتاج الرقائق الإلكترونية المصنعة عالمياً، نظراً للاعتماد المطلق على هذا الغاز النقي في تبريد وغسيل شرائح السيليكون.

ـ هشاشة النموذج الاقتصادي التايواني: تعتمد تايوان (المركز المحوري لإنتاج أشباه الموصلات عالمياً) على استيراد 97% من احتياجاتها من الطاقة، وتعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي المسال (LNG) لتوليد الكهرباء، مع احتفاظها برصيد طوارئ استراتيجي يكفي لـ 11 يوماً فقط.

ـ تآكل الميزة التنافسية وهجرة المصانع: تسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء والغاز المسال عالمياً في انكماش هوامش أرباح مصانع سبك الرقائق (Fabs) الكثيفة الاستهلاك للطاقة، مما يعجل بظاهرة هجرة خطوط الإنتاج المتقدمة التابعة لشركة (TSMC) وغيرها ونقلها نحو الولايات المتحدة و الدول الأوروبية واليابان لتفادي انقطاعات الإمداد.

3 ـ مواقف القوى الكبرى وتغير التوازنات الجيوسياسية (روسيا والصين)

1 ـ 3 ـ الموقف الروسي: خطر انكسار المحظور النووي وانعكاسه على حرب أوكرانيا

يحذر المحلل السياسي تاكر كارلسون والبروفيسور جون ميرشايمر من أن أي لجوء أمريكي لاستخدام سلاح نووي تكتيكي ضد المنشآت الإيرانية سيمثل اللحظة الأكثر خطورة في تاريخ الأمن الدولي منذ عام 1945؛ كونه يشكل هدم مدمراً لـ "المحظور النووي" (Nuclear Taboo) الذي صان التوازن الدولي لعقود.

ويرى التقييم الاستراتيجي أن كسر واشنطن لهذا المحظور سيمنح القيادة الروسية الغطاء السياسي والعسكري والضوء الأخضر الكامل لاستخدام الأسلحة النووية التكتيكية لحسم عملياتها العسكرية في أوكرانيا، دون الخوف من العزلة أو الردع المتبادل. كما سيشجع هذا السلوك كوريا الشمالية لتهديد سيول، والهند وباكستان لتطبيق تكتيكات الضربات الاستباقية النووية، مما يضع العالم على شفا المواجهة المباشرة واندلاع حرب عالمية ثالثة.

2 ـ 3 ـ الموقف الصيني: الحسابات تجاه تايوان عبر الحجر البحري وتكتيكات المنطقة الرمادية

تُظهر التقييمات الاستراتيجية للأكاديمي براهما تشيلاني (Brahma Chellaney) والتقارير الاستخباراتية الصادرة عن صحيفة "جيروزاليم بوست" (Jerusalem Post) ـ نقلاً عن مسؤولين في الأمن القومي بتايوان مثل الرئيس لاي تشينغ تيه (Lai Ching-te) ووزير الدفاع ولينغتون كو (Wellington Koo) والباحث ليو كوانغ يو (Liu Kuangyu) من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية—أن بكين تتعامل مع الحرب الأمريكية على إيران كمختبر ميداني لتطوير عقيدتها للسيطرة على تايوان:

تدرس القيادة العسكرية الصينية بدقة الأداء العملياتي للمنظومات الأمريكية المتقدمة (مثل مقاتلات F-35 المنشورة، ومخاطر حريق حاملة الطائرات جيرالد فورد)، وترصد معدلات استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي الأمريكي. وتوصل التحليل الصيني إلى أن الولايات المتحدة تعاني من استنزاف عسكري يمنعها من فتح جبهتين موسعتين في وقت واحد.

وبناءً عليه، تعيد بكين صياغة استراتيجيتها من خلال الاستغناء عن "الإنزال العسكري المباشر" لصالح تطبيق تكتيكات الحجر البحري (Maritime Quarantine)، وضغط المنطقة الرمادية (Gray-zone tactics)، والتشويش السيبراني. كما تستغل الصين محدوية مخزون تايوان من الغاز المسال (11 يوماً)، حيث يكفي فرض حصار رمادي وارتفاع أسطوري في أسطول التأمين البحري لإحداث شلل اقتصادي، ما يؤدي لوضع الجزيرة في حالة ظلام كامل، ومن ثمة إجبار الشركات العالمية على الحظر الذاتي (Self-sanctioning)، مما يسقط قلعة التكنولوجيا التايوانية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.

3 ـ 3 ـ دبلوماسية الطاقة والدور الدبلوماسي الصيني المستجد في الشرق الأوسط

سعت بكين إلى تفعيل تحركات دبلوماسية لحماية خطوط إمداد الطاقة المتجهة نحو آسيا، حيث كان يتجه 80% من صادرات النفط و90% من الغاز عبر هرمز للأسواق الآسيوية. وبحسب تقرير صحيفة "غلف نيوز" (Gulf News)، عقد وزير الخارجية الصيني وانغ يي (Wang Yi) محادثات مغلقة مع نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي باقري كني في بكين، مجدداً دعم بلاده الصريح لإيران في "حماية سيادتها وأمنها القومي"، كما دعا لانتهاج الحلول السياسية البراغماتية بدلاً من المواجهة المسلحة.

إن الاندفاع نحو خيارات متطرفة ـ سواء باستهداف منشأة "جبل الفأس" بالقنابل الخارقة أو السلاح النووي التكتيكي ـ لن يؤدي لإخضاع طهران، بل سيؤدي إلى كسر منظومة الردع النووي الدولي، وتوسيع رقعة الحرب لتشمل القواعد الأوروبية وشرايين الملاحة والبنية التحتية الرقمية والمائية.
وعلى الصعيد الإقليمي، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ سلطان عمان هيثم بن طارق في بكين لتعزيز التهدئة، بالتزامن مع إطلاق بكين لجولات "دبلوماسية مكوكية" عبر مبعوثها الخاص للشرق الأوسط إلى الرياض وطهران ومسقط. وتستهدف الصين من هذه التحركات تقديم نفسها كضامن دولي لاستقرار الطاقة، وكرافض لتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع واستقطاب بين القوى العظمى.

4 ـ الموقف الأوروبي والمخاطر المباشرة التي تهدد القواعد والمصالح الغربية

1 ـ 4 ـ الاستجابة الأوروبية والتهديدات المباشرة للقواعد العسكرية في أوروبا

تجد الدول الأوروبية نفسها في قلب الدائرة الأمنية والعسكرية للصراع نتيجة التواطؤ العملياتي مع ضربات واشنطن وتل أبيب. فوفقاً للتقييمات الصادرة عن صحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times) وتحليلات الدكتور تريتا بارسي (Trita Parsi)، فإن العقيدة العسكرية الإيرانية الحديثة جردت أوروبا من ميزتها الأمنية.

فقد وجهت طهران رسائل تحذيرية صريحة للدول الأوروبية مفادها أن مشاركتها في اعتراض الصواريخ الإيرانية (حتى لو وُصفت بـ "الدفاعية")، أو استخدام أراضيها وقواعدها من قبل القوات الأمريكية (مثل قاعدة بلغاريا والقواعد البريطانية الاستراتيجية كـ دييغو غارسيا والمنشآت داخل الأراضي البريطانية)، يعد اشتراكاً مباشراً في الحرب. وينقل هذا الموقف الأوروبي تلقائياً ليصبح مسرحاً عملياتياً مستهدفاً بالصواريخ الإيرانية، مما يضع العواصم الأوروبية أمام مواجهة عسكرية مباشرة لأول مرة.

2 ـ 4 ـ إسقاط الخطوط الحمراء الإيرانية وتوسع الرقعة الجغرافية للصراع

بناءً على تصريحات أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران محسن رضائي، والرسائل الرسمية الصادرة عن وزير الخارجية عباس عراقجي والمعطيات التي حللها د. تريتا بارسي، فإن اندلاع الجولة الثالثة من الحرب سينقل الرد الإيراني إلى مستوى غير مسبوق وفق القواعد التالية:

ـ إسقاط كافة الخطوط الحمراء (No More Red Lines): أعلنت القيادة الإيرانية رسمياً التخلي عن كافة القيود الذاتية والسياسية الداخلية والخارجية، والاعتماد على ضربات صادمة وغير متناظرة.

ـ إلغاء القيود الجغرافية للصراع (No Geographical Limitations): تدويل مسرح العمليات ليشمل استهداف القواعد والمصالح الأمريكية والغربية عبر العالم دون التقيد بنطاق الشرق الأوسط.

ـ استهداف البنية التحتية الحرجة بالكامل: التهديد المباشر بتدمير كابلات الاتصالات والانترنت البحرية الممتدة في قاع الخليج العربي ومضيق هرمز، واستهداف مراكز البيانات الرقمية العالمية (Data Centers) ومحطات الطاقة والتحلية.

ـ رفض معادلة اللا-سلم واللا-حرب: ترفض طهران إدارة الصراع عبر الاستنزاف أو العودة لحالة الحصار، وتصر على أن الجولة القادمة ستكون خياراً حاسماً بين السلام الشامل الملزم أو الذهاب إلى حرب كبرى مفتوحة حتى تصفية النزاع.

وفي الختام يمكن أن نخلص إلى: أن التصعيد العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران قد تجاوز حدود المناورة التكتيكية ليصبح أزمة جيواقتصادية وهيكلية عابرة للأقاليم. وإن الاندفاع نحو خيارات متطرفة ـ سواء باستهداف منشأة "جبل الفأس" بالقنابل الخارقة أو السلاح النووي التكتيكي ـ لن يؤدي لإخضاع طهران، بل سيؤدي إلى كسر منظومة الردع النووي الدولي، وتوسيع رقعة الحرب لتشمل القواعد الأوروبية وشرايين الملاحة والبنية التحتية الرقمية والمائية. كما أدت الأزمة لتداعي أمن الطاقة العالمي، وكشفت عن الهشاشة المطلقة لقطاعات أشباه الموصلات والأمن الغذائي، بينما تعيد القوى الكبرى كالصين وروسيا هندسة نفوذها الاستراتيجي في أوكرانيا وتايوان ومضايق التجارة العالمية على حساب تآكل المظلة الأمنية الأمريكية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)