السيسي
وابن سلمان وترامب والجيش الإسرائيليُّ على لائحةٍ واحدة: الرجال الذين يرسمون
"الشرق الأوسط الجديد" هم أنفسهم الذين يخنقون صحافته
لائحة
شرف معكوسة
في
2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، اليوم الذي خصَّصته الأمم المتَّحدة لإنهاء الإفلات
من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدَّ الصحفيِّين، نشرت منظَّمة "مراسلون بلا
حدود" قائمتها الجديدة لـ"مفترسي حرِّيَّة
الصحافة". 33 اسماً
وكياناً من أنحاء العالم، موزَّعة على خمس فئات: سياسيَّة وأمنيَّة وقانونيَّة
واقتصاديَّة واجتماعيَّة. مديرها العامُّ تيبو بروتان وصفها بأنَّها "لائحة
شرفٍ ساخرة لأسوأ الاعتداءات على الصحافة"، وأضاف جملةً تستحقُّ أن تُعلَّق
في كلِّ غرفة أخبار: "نحن لا نختلق شيئاً، لكلِّ مفترسٍ ملفُّه".
لكنَّ
ما يلفت النظر في نسخة هذا العام ليس طول القائمة، بل الصورة التي تتشكَّل حين
تجمع بعض أسمائها على طاولةٍ واحدة. في فئة "الأمن"، المخصَّصة لمن
يقتلون الصحفيِّين ويعتدون عليهم ويسجنونهم، يقف 3 جيران: عبد الفتَّاح السيسي،
داخلاً القائمة لأوَّل مرَّة، ومحمَّد بن سلمان، وجيش الاحتلال الإسرائيليَّ. وفي
فئة "السياسة"، يدخل للمرَّة الأولى أيضاً رئيس الولايات المتَّحدة
دونالد ترامب.
القاهرة
والرياض وتل أبيب وواشنطن؛ هذه ليست أسماء متفرِّقة جمعتها الصدفة في تقريرٍ
حقوقيٍّ. هذه، بالضبط، العواصم التي تهندس اليوم ما يُسمَّى "النظام
الإقليميَّ الجديد": من يموِّل، ومن يحرس، ومن يقصف، ومن يرعى الجميع. وحين
يكون مهندسو النظام هم أنفسهم مفترسي الصحافة، فالسؤال لم يعد عن حرِّيَّة الإعلام
وحدها، بل عن نوع الشرق الأوسط الذي يُبنى في الظلام، ولماذا يحتاج بناته إلى
إطفاء الأنوار أوَّلاً.
أوَّلاً:
القاهرة، غرفة أخبار كاملة في الزنزانة
حين يُعتقل فريق تدقيق المعلومات بتهمة "الأخبار الكاذبة"، فالرسالة واضحة: المطلوب ليس الحقيقة، بل الرواية الواحدة
لنبدأ
بالوافد الجديد. لم يدخل السيسي القائمة بسبب سجلِّه الطويل منذ 2013 وحده، بل
بسبب ما فعله في أسابيع قليلة من خريف 2026.
في
28 و29 أيلول/سبتمبر، داهمت قوَّات الأمن منازل ستَّة صحفيِّين في محافظاتٍ
مختلفة: عبد الله قدري، ومحمَّد أشرف أبو عميرة، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمَّد
محمود، ومحمَّد عادل. الستَّة هم فريق التحرير الكامل لمنصَّة
"متصدَّقش"، المنصَّة التي تأسَّست عام 2018 لتدقيق المعلومات والتحقيق
في قضايا الشأن العامِّ. اختفوا أيَّاماً في أماكن مجهولة، لا تعرف أسرهم ولا
محاموهم شيئاً عنهم، ثمَّ ظهروا أمام نيابة أمن الدولة العليا. وبحسب لجنة حماية
الصحفيِّين، قالوا إنَّهم تعرَّضوا للضرب والصعق الكهربائيِّ، وأُجبروا على تسجيل
اعترافاتٍ ملفَّقة.
التهم؟
الانضمام إلى جماعةٍ إرهابيَّة وتمويلها، ونشر أخبارٍ كاذبة، وتلقِّي تحويلاتٍ
بالعملة الأجنبيَّة. وزارة الداخليَّة قالت إنَّ المنصَّة مرتبطة بالإخوان
المسلمين، وهي التهمة المعلبة الجاهزة التي صارت ختماً يُطبع على كلِّ ملفٍّ يريد
النظام إغلاقه.
أمَّا
المحامون فقالوا شيئاً أبسط: لم يُتَّهم موكِّلوهم بنشر خبرٍ كاذبٍ واحد. وبيان
النيابة نفسه استشهد بتغطيتهم لـ"أوجه القصور" في أداء الدولة، أي إنَّ
الجريمة كانت الدقَّة، لا الكذب.
ثمَّ
جاء الدور على "مدى
مصر"، آخر المنابر المستقلَّة الكبرى في البلاد،
والمحجوبة داخل مصر منذ 2017. أُحيلت رئيسة تحريرها لينا عطا الله إلى المحاكمة في
22 تشرين الأول/أكتوبر بتهمة إدارة موقعٍ دون ترخيص، وهو ترخيصٌ طلبته المؤسَّسة
مرَّتين دون أن تتلقَّى رداً. وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر قضت محكمةٌ في القاهرة
بتغريمها 3 ملايين جنيه وإغلاق الموقع، ثمَّ احتُجزت عطا الله بعد الحكم. أكثر من
120 منظَّمة أدانت القرار في بيانٍ مشترك.
الحصيلة،
بحسب "
مراسلون بلا حدود": 26 صحفياً وعاملاً في الإعلام خلف القضبان،
ومصر في المرتبة 169 من 180 في مؤشِّر حرِّيَّة الصحافة، و"أكبر سجنٍ
للصحفيِّين في الشرق الأوسط".
ولم
تسلم النقابة نفسها، فحين طالب نقيب الصحفيِّين خالد البلشي بالتحقيق في ادِّعاءات
التعذيب، وجد نفسه هدفاً لحملة تشويهٍ إلكترونيَّة رصد مدقِّقو المعلومات أنَّها
منسَّقة. أي أنَّ الدولة لم تكتفِ بسجن الصحفيِّين، بل لاحقت من يسأل عن مصيرهم.
وهذه هي العلامة الفارقة بين نظامٍ يقمع ونظامٍ يخاف: الأوَّل يعاقب المعارض،
والثاني يعاقب من يطلب التحقيق.
حين
يُعتقل فريق تدقيق المعلومات بتهمة "الأخبار الكاذبة"، فالرسالة واضحة:
المطلوب ليس الحقيقة، بل الرواية الواحدة.
ثانياً:
لماذا الآن؟ لأنَّ القرارات الكبرى تُتَّخذ الآن
التوقيت
ليس تفصيلاً، فالصحفيَّة المستقلَّة رشا عزب، التي استُدعيت هي الأخرى وأُفرج عنها
بكفالة، ربطت الحملة صراحةً بقرارين كبيرين يُطبخان في الكواليس: من يخلف السيسي
بعد 2030، وهل تدخل مصر حرب السعوديَّة في اليمن.
القرار
الثاني لم ينتظر طويلاً؛ في 26 تشرين الأول/أكتوبر، أي قبل يومٍ واحد من حكم
"مدى مصر"، فوَّض البرلمان المصريُّ السيسي باتِّخاذ "التدابير
اللازمة" لمساعدة السعوديَّة في الدفاع عن نفسها، بعد أسابيع من هجمات
الحوثيِّين على مطار الرياض ومنشآت أرامكو. وردَّ القياديُّ الحوثيُّ محمَّد علي
الحوثي بأنَّ القرار "إعلان حرب على اليمن".
مصر
لم ترسل قوَّاتٍ بريَّة كبيرة إلى الخارج منذ حرب الخليج عام 1991، وقرارٌ بهذا
الحجم، في دولةٍ طبيعيَّة، يستدعي نقاشاً عاماً واسعاً: ما الكلفة؟ ما الهدف؟ ما
المخرج؟ ماذا لو ضرب الحوثيُّون السفن المتَّجهة إلى قناة السويس أكثر ممَّا
يفعلون، أو استهدفوا الأراضي المصريَّة كما حدث حين أصابت مسيَّرةٌ مجهولة منصَّة
الغاز العائمة في ميناء دمياط في تموز/يوليو؟
هذا
النقاش بالضبط هو ما لا يريده النظام، فالحرب لها وجهٌ آخر لا يُذكر في البيانات
الرسميَّة: المال. السعوديَّة تحتفظ بودائع تبلغ نحو 10.3 مليار دولار في البنك
المركزيِّ المصريِّ، وهي جزءٌ معتبر من احتياطيٍّ يبلغ 57 مليار دولار، في بلدٍ
هبط جنيهه إلى مستوى قياسيٍّ قرب 62 لليورو، وتبتلع خدمة الدين فيه معظم الموازنة.
حين يكون القرار العسكريُّ مرتبطاً إلى هذا الحدِّ بالدائن، يصبح الصحفيُّ الذي
يسأل عن الثمن خطراً أمنياً.
ثالثاً:
الرياض، الدائن الذي لا يُسأل
وهنا
ننتقل إلى الاسم الثاني في الفئة نفسها. محمَّد بن سلمان ليس وافداً جديداً على
قوائم المفترسين؛ فاسمه ارتبط دولياً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2018 بمقتل الصحفيِّ
جمال خاشقجي داخل القنصليَّة السعوديَّة في إسطنبول، وهي العمليَّة التي خلص
تقريرٌ للاستخبارات الأمريكيَّة نُشر عام 2021 إلى أنَّ وليَّ العهد وافق عليها.
بعد
8 سنوات، لم يتغيَّر الكثير. تقول "مراسلون بلا حدود" إنَّ 15 صحفياً
محتجزون في المملكة عام 2026، نصفهم تقريباً بلا محاكمة أو بعد انتهاء
محكوميَّاتهم، وإنَّ السعوديَّة تحتلُّ المرتبة 176 من 180. لكنَّ وليَّ العهد
نفسه صار في السنوات الأخيرة ضيفاً مرحَّباً به في كلِّ العواصم الغربيَّة،
ومستثمراً في الرياضة والترفيه والإعلام العالميِّ.
وهنا
يكتمل المشهد؛ الرياض لا تكتفي بإسكات صحافتها، بل تشتري حضورها في الإعلام
والترفيه العالميَّين: من الأندية الرياضيَّة إلى بطولات الغولف، وصولاً إلى صفقة
الاستحواذ على شركة ألعاب الفيديو العملاقة "إلكترونيك آرتس" بنحو 55
مليار دولار، التي أُعلنت في أيلول/سبتمبر 2025 عبر تحالفٍ يقوده صندوق
الاستثمارات العامَّة، وتشارك فيه شركة "أفينيتي بارتنرز" المملوكة
لجاريد كوشنر، صهر ترامب. يشتري وليُّ العهد الملاعب والشاشات، ويسجن الأقلام.
الصورة اللامعة في الخارج، والصمت في الداخل.
المفارقة
التي يجب أن يتوقَّف عندها القارئ: الجيش المصريُّ يُفوَّض اليوم للدفاع عن الدولة
التي يحكمها مفترسٌ للصحافة، بقرارٍ مُرِّر في بلدٍ يحكمه مفترسٌ آخر، وسط صمتٍ
فُرض بالاعتقالات. الطرفان يحميان بعضهما بالمال والسلاح، والصحافة المستقلَّة في
البلدين هي الشاهد الوحيد الذي يجب التخلُّص منه.
رابعاً:
تل أبيب، حيث صار قتل الصحفيِّين روتيناً
الاسم
الثالث في الفئة الأمنيَّة ليس شخصاً بل مؤسَّسة: قوات الاحتلال
الإسرائيلي. تقول
"مراسلون بلا حدود" إنَّ حكومة بنيامين نتنياهو، بالتعاون مع الجيش،
تواصل "سياستها القمعيَّة ضدَّ الصحفيِّين في غزَّة والضفَّة الغربيَّة
ولبنان"، وإنَّ القوَّات الإسرائيليَّة قتلت أكثر من 200 صحفيٍّ في غزَّة منذ
تشرين الأول/أكتوبر 2023، منهم 63 على الأقلِّ بسبب عملهم الصحفيِّ تحديداً. ولم
تكتفِ القائمة بالجيش؛ ففي فئة "التحريض" ظهرت أيضاً منظَّمة "أونست
ريبورتنغ" الإسرائيليَّة، المعروفة بحملاتها لتشويه الصحفيِّين الفلسطينيِّين
ووصمهم قبل استهدافهم.
لم
تعرف حربٌ حديثة هذا العدد من الصحفيِّين القتلى، ولم تسمح إسرائيل للصحافة
الدوليَّة بدخول غزَّة بحرِّيَّة طوال الحرب، فصار الصحفيُّ الفلسطينيُّ
المحلِّيُّ هو العين الوحيدة على ما يجري، ولذلك صار الهدف الأوَّل.
وما
علاقة القاهرة بذلك؟ العلاقة أعمق ممَّا تعترف به الخطابات الرسميَّة. مصر هي
البوَّابة الوحيدة لغزَّة على العالم غير الإسرائيليِّ، ومعبر رفح الذي تحوَّل في
الأسابيع الأخيرة، وفق شهادات فلسطينيَّة، إلى فخٍّ يُعتقل فيه العائدون إلى
القطاع. والقاهرة وقَّعت في آب/أغسطس 2025 أكبر صفقة غازٍ في تاريخ علاقتها
بإسرائيل، بقيمة تصل إلى 65 مليار دولار. الشريك الاقتصاديُّ في مصر، والمفترس
الأمنيُّ في غزَّة، والنظامان يجلسان على الصفحة نفسها من القائمة.
في غزَّة يُقتل الصحفيُّ لأنَّه يرى، وفي القاهرة يُسجن لأنَّه يتحقَّق، وفي الرياض يختفي لأنَّه يكتب. الجريمة واحدة: الشهادة
وفي
الداخل المصريِّ، لم يُسمح بالتضامن مع غزَّة إلَّا في الحدود التي ترسمها الدولة.
فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 اعتُقل مصريُّون لأنَّهم تظاهروا تضامناً مع القطاع
خارج الأماكن المسموح بها. النظام الذي يقدِّم نفسه وسيطاً لا غنى عنه في ملفِّ
غزَّة، يتعامل مع الغضب الشعبيِّ على ما يجري فيها كتهديدٍ أمنيٍّ. والصحفيُّ
المصريُّ الذي يحاول أن يكتب عن معبر رفح بحرِّيَّة يعرف جيِّداً أين يمكن أن
ينتهي.
في
غزَّة يُقتل الصحفيُّ لأنَّه يرى، وفي القاهرة يُسجن لأنَّه يتحقَّق، وفي الرياض
يختفي لأنَّه يكتب. الجريمة واحدة: الشهادة.
خامساً:
واشنطن، الراعي الذي صار مفترساً
ثمَّ
يأتي الاسم الذي يغيِّر معنى القائمة كلِّها، فللمرَّة الأولى منذ أن بدأت
"مراسلون بلا حدود" إصدارها، يدخلها رئيس أمريكيٌّ. دونالد ترامب، الذي
"أفلت بصعوبة" من دخولها العام الماضي، صار في 2026 جزءاً منها في الفئة
السياسيَّة. تقول المنظَّمة إنَّه يبذل في ولايته الثانية "جهداً منظَّماً
لتحويل الصحافة إلى دعاية سياسيَّة": قيود على دخول الصحفيِّين إلى البيت
الأبيض والبنتاغون، وضغط على الإعلام العامِّ، ودعاوى قضائيَّة ضدَّ "وول
ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" وشبكة "سي بي إس".
وتراجعت الولايات المتَّحدة من المرتبة 57 إلى 64 في مؤشِّر حرِّيَّة الصحافة.
وإلى جانبه في القائمة نفسها: رئيس هيئة الاتِّصالات الفيدراليَّة بريندان كار،
وإيلون ماسك، ومارك زوربرج؛ مالك شركة ميتا المتهمة بتقييد المحتوى العربي والفلسطيني
خاصة.
لماذا
يهمُّ هذا قارئاً في القاهرة أو الرياض أو غزَّة؟ لأنَّ واشنطن كانت، رغم كلِّ
نفاقها، تؤدِّي دوراً ولو شكلياً: بيانٌ من الخارجيَّة، أو سؤالٌ في مؤتمرٍ
صحفيٍّ، أو تقريرٌ سنويٌّ عن حقوق الإنسان يحرج الحلفاء؛ كان الطغاة يحسبون حساباً
ولو صغيراً لما سيقوله المتحدِّث باسم الخارجيَّة الأمريكيَّة. اليوم، الرجل الذي
يُفترض أن يحرجهم يقف معهم في القائمة نفسها.
وهذا
ما لاحظته لجنة حماية الصحفيِّين في ملفِّ "متصدَّقش": بعض أعضاء
الكونغرس الأمريكيِّ وبعض نوَّاب البرلمان الأوروبيِّ أدانوا الاعتقالات، لكنَّ
الحكومة الأمريكيَّة والحكومات الأوروبيَّة لزمت الصمت علناً. وليس سراً أنَّ
ترامب نفسه وصف السيسي ذات مرَّة، بحسب ما نقلته الصحافة الأمريكيَّة عام 2019،
بأنَّه "ديكتاتوري المفضَّل". فحين يصبح الراعي نفسه مفترساً، لا يبقى
في الغرفة من يعترض.
بل
إنَّ واشنطن قدَّمت للقاهرة هذا العام هديَّةً لم تكن تحلم بها. ففي 13 كانون
الثاني/يناير 2026 صنَّفت الإدارة الأمريكيَّة فرع الإخوان المسلمين في مصر كياناً
إرهابياً، فرحَّبت الخارجيَّة المصريَّة بالقرار ببيانٍ رسميٍّ. وبعد ثمانية أشهر
فقط، حين أرادت وزارة الداخليَّة تبرير اعتقال فريق تدقيق معلومات كامل، لم تحتج
إلى دليل؛ قالت إنَّ المنصَّة "مرتبطة بالإخوان". الختم الأمريكيُّ صار
أداةً مصريَّة لإسكات الصحفيِّين، والمصطلح الذي صاغته واشنطن لملاحقة "الإرهاب"
صار يُستخدم في القاهرة لملاحقة من يدقِّق الأرقام.
سادساً:
الخيط الذي يجمع الصفحة
ضع
الأسماء الأربعة جنباً إلى جنب، وستظهر لك هندسة كاملة لا مصادفة: واشنطن ترعى وتحمي وتمنح الغطاء، الرياض تموِّل بالودائع والاستثمارات
وصناديق الثروة، القاهرة تحرس البوَّابات وتقدِّم الجنود: بوَّابة غزَّة، وبوَّابة
المتوسِّط، والآن البوَّابة الجنوبيَّة للسعوديَّة، وتل أبيب تفرض الوقائع على
الأرض بالقوَّة العسكريَّة. هذا هو "الشرق الأوسط الجديد كما يُبنى اليوم:
صفقاتٌ تُوقَّع في الغرف المغلقة، وحروبٌ تُعلن دون نقاش، ومليارات تنتقل دون
رقابة.
وكلُّ
هندسة من هذا النوع تحتاج إلى شرطٍ واحد كي تعمل: ألَّا يرى أحد. ولهذا فاعتقال
فريق "متصدَّقش"، وإغلاق "مدى مصر"، واحتجاز الصحفيِّين في
السعوديَّة، وقتلهم في غزَّة، والضغط عليهم في واشنطن، ليست أحداثاً منفصلة في
دولٍ مختلفة، إنَّها السياسة نفسها بأدواتٍ مختلفة: إطفاء الأنوار قبل نقل الأثاث.
بل
إنَّ المفترسين الأربعة يتقاسمون منهجاً واحداً يكاد يكون حرفياً: تحويل الصحفيِّ
من شاهدٍ إلى متَّهم. في مصر يُحاكم الصحفيُّون بقانون مكافحة الإرهاب لعام 2015،
الذي يسمح بالالتفاف على الحظر الدستوريِّ للحبس في قضايا النشر. وفي السعوديَّة
تنظر المحكمة الجزائيَّة المتخصِّصة، المنشأة أصلاً لقضايا الإرهاب، في قضايا
الكتابة والتغريد. وفي غزَّة يسبق قتلَ الصحفيِّ في أحيانٍ كثيرة اتِّهامٌ
إسرائيليٌّ بأنَّه "عنصرٌ في حماس". وفي واشنطن يصف الرئيس الصحافة منذ
ولايته الأولى بأنَّها "عدوُّ الشعب". الكلمات تختلف، والوظيفة واحدة:
نزع صفة الصحفيِّ عن الصحفيِّ، حتَّى يصبح استهدافه مقبولاً.
للمرَّة الأولى منذ أن بدأت "مراسلون بلا حدود" إصدارها، يدخلها رئيس أمريكيٌّ. دونالد ترامب، الذي "أفلت بصعوبة" من دخولها العام الماضي، صار في 2026 جزءاً منها في الفئة السياسيَّة
والمفارقة
الأكبر أنَّ القائمة نفسها تكشف حجم الاضطراب في الإقليم. فقد خرج منها هذا العام
المرشد الإيرانيُّ علي خامنئي، لا لأنَّه أصلح سجلَّه، بل لأنَّه قُتل في ضربةٍ
أمريكيَّة خلال الحرب الأخيرة، كما تذكر المنظَّمة. منطقةٌ يتغيَّر فيها أصحاب
السلطة بالصواريخ، وتُعلن فيها الحروب بتصويتٍ برلمانيٍّ في جلسة، هي بالضبط
المنطقة التي تحتاج إلى صحافةٍ حرَّة أكثر من أيِّ وقت.
سابعاً:
مفترسٌ لا يعترف بالحدود
قائمة
"مراسلون بلا حدود" تقيس ما يجري داخل الدول، لكنَّ ما لا تلتقطه
بالكامل هو أنَّ يد القاهرة صارت تمتدُّ إلى الصحفيِّين المصريِّين حيثما كانوا،
في أوروبا وآسيا وأفريقيا. المنفى لم يعد ملاذاً، بل صار مجرَّد عنوانٍ جديد في
ملفٍّ أمنيٍّ قديم.
خذ
قصَّة بسمة مصطفى؛ صحفيَّة تحقيقات عملت في "البديل" و"دوت
مصر" و"مدى مصر"، وتعاونت مع شبكة "أريج". اعتُقلت عام
2016 أثناء تغطية احتجاجات، ثمَّ اختفت في الأقصر في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 حين
ذهبت تغطِّي مقتل مواطنٍ على يد الشرطة في قرية العوامية، وظهرت أمام نيابة أمن
الدولة بتهمتَي "الانضمام إلى جماعةٍ إرهابيَّة" و"نشر أخبارٍ
كاذبة". خرجت إلى لبنان، ثمَّ إلى ألمانيا التي منحتها صفة لاجئة في شباط/فبراير
2022. لكنَّ الملاحقة لم تتوقَّف: رسائل المقرِّرين الخاصِّين في الأمم المتَّحدة
وثَّقت اعتداءات جسديَّة وترهيباً ومراقبة ومحاولات اختراقٍ إلكترونيٍّ طاردتها في
مصر ولبنان وكينيا وسويسرا وبرلين. وفي تموز/يوليو 2025، داخل المقهى الذي تعمل
فيه في برلين، رأت رجلاً تعرفه: الرجل نفسه الذي تبعها بعد اعتداءٍ تعرَّضت له عام
2022، وكانت قد صوَّرته يومها. أرسل المقرِّرون الأمميُّون خطاباتهم إلى القاهرة
في 2022 و2023 و2024، ولم تردَّ على أيٍّ منها، حتَّى طالبت مفوَّضة حقوق الإنسان
في الحكومة الألمانيَّة، لويزا أمتسبيرغ، مصر علناً بالردِّ.
وقبلها
بعشر سنوات عرفت ألمانيا الدرس بطريقةٍ أخرى، ففي 20 حزيران/يونيو 2015 احتُجز
مذيع قناة الجزيرة المصريُّ أحمد منصور في مطار تيغل في برلين، بناءً على طلبٍ
مصريٍّ عبر الإنتربول، استناداً إلى حكمٍ غيابيٍّ بسجنه 15 عاماً بتهمةٍ رفضها هو
وقناته ومنظَّمات الصحافة باعتبارها سياسيَّة. أُفرج عنه بعد يومين، لكنَّ الرسالة
وصلت: الحكم الغيابيُّ في القاهرة يمكن أن يتحوَّل إلى قيدٍ في مطارٍ أوروبيٍّ.
وصحفيُّو
الجزيرة المصريُّون يعرفون هذا أكثر من غيرهم، ففي حزيران/يونيو 2016 أكَّدت محكمة
مصريَّة حكم الإعدام غيابياً على إبراهيم هلال، المدير السابق للأخبار في قناة
الجزيرة، وعلاء سبلان، في ما سُمِّي "قضيَّة التخابر مع قطر". وفي تموز/يوليو
2023 جدَّدت محكمة جنايات القاهرة إدراج عشرات الصحفيِّين والمعارضين، بينهم
صحفيُّون في الجزيرة، على قوائم الإرهاب لخمس سنواتٍ أخرى، في قضيَّةٍ جديدة
منسوخة من قضيَّةٍ تعود إلى 2017.
وفي
تركيا كان المذيعون المصريُّون في قناتَي "مكمِّلين" و"الشرق"
هدفاً دائماً. في آذار/مارس 2019 أيَّدت محكمة النقض إدراج 145 شخصاً على قوائم
الإرهاب، بينهم معتزُّ مطر من قناة "الشعوب"، ومحمَّد ناصر من
"مكمِّلين"، بما يعنيه ذلك من تجميد أموال، ومنعٍ من السفر، وسحبٍ أو
إلغاءٍ لجوازات السفر. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2021 صدر حكمٌ غيابيٌّ بسجن معتزِّ
مطر وحسام الشوربجي من "مكمِّلين" 15 عاماً بتهمة إهانة القضاء. ثمَّ
جاء التقارب التركيُّ المصريُّ، فأُوقفت برامج وضاقت مساحة البثِّ، كأنَّ المنفى
نفسه صار ورقة تفاوضٍ بين حكومتين.
وكذلك
يعرف الصحفيُّون المصريُّون العاملون في "عربي21" أنَّ مؤسَّستهم محجوبة
في بلدهم منذ موجة الحجب الكبرى عام 2017، وأنَّ ما يكتبونه في الخارج يُقرأ في
القاهرة بعين الأمن قبل عين القارئ.
وحين
لا تصل يد الدولة إلى الصحفيِّ، تصل إلى أسرته. منظَّمة "يورو-ميد
رايتس" وثَّقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ما سمَّته "العقاب
بالوكالة": 12 حالة على الأقلِّ في عامين اعتُقل فيها أقارب صحفيِّين ونشطاء
في المنفى أو استُدعوا أو مُنعوا من السفر، من بينها حالة والد صانع البودكاست سيف
الإسلام عيد، الذي اعتُقل في تشرين الأول/أكتوبر 2025 للمرَّة الثانية خلال عام،
وأربعة من أقارب المذيع هشام عبد الله المقيم في تركيا، اعتُقلوا عام 2020.
وأنا
واحدٌ من هؤلاء؛ صحفيٌّ يعيش في هولندا، ومع ذلك أُدرج اسمي متَّهماً في القضيَّة
رقم 1282 لسنة 2024، لا لجريمةٍ ارتكبتها، بل لرأيٍ كتبته من أرضٍ أوروبيَّة.
أُغلقت حساباتي مراراً في حملات إبلاغٍ منظَّمة، وتلقَّيت تهديدات، وصارت أسرتي في
مصر ورقة ضغطٍ عليَّ.
الأدوات
تتكرَّر بدقَّة تكاد تكون إداريَّة: قضيَّةٌ غيابيَّة، ثمَّ إدراجٌ على قوائم
الإرهاب، ثمَّ نشرةٌ عبر الإنتربول أو جوازٌ لا يُجدَّد، ثمَّ أقارب في الداخل
يُحتجزون رهائن، ثمَّ حملاتٌ إلكترونيَّة تُغلق الحسابات وتشوِّه السمعة. ملفَّات
هذه القضايا لا تحتاج إلى أدلَّة، بل إلى أسماء، ومن يدخل القائمة مرَّةً لا يخرج
منها، بل تُنسخ قضيَّته في قضيَّةٍ جديدة كلَّما انتهت مدَّتها. المنفى لم يعد
ملاذاً للصحفيِّ المصريِّ، بل صار مجرَّد عنوانٍ جديد في ملفٍّ أمنيٍّ قديم.
ثامناً:
ماذا يمكن أن يُفعل؟
لا
أطلب من الحكومات الغربيَّة أن تقطع علاقاتها بالقاهرة أو الرياض، ولا أن تتحوَّل
فجأةً إلى مدافعٍ عن الديمقراطيَّة في المنطقة. أطلب شيئاً أبسط وأكثر واقعيَّة،
يمكن البدء به غداً:
-
أن يُربط كلُّ يورو وكلُّ دولار من المساعدات بشرطٍ معلن واحد على الأقلِّ:
الإفراج عن الصحفيِّين المحتجزين بسبب عملهم.
-
أن تُستخدم أدوات العقوبات الفرديَّة، على غرار قوانين "ماغنيتسكي"
الأوروبيَّة والأمريكيَّة، ضدَّ المسؤولين المباشرين عن تعذيب الصحفيِّين، بالاسم.
-
أن تُمنح تأشيراتٌ عاجلة وحماية للصحفيِّين المهدَّدين، وأن تُدعم منصَّات الصحافة
المستقلَّة في المنفى مالياً وتقنياً.
-
أن ترفض الدول الأوروبيَّة تنفيذ أيِّ طلب توقيفٍ أو تسليمٍ مصريٍّ يستهدف صحفياً
بسبب عمله، وأن تحقِّق أجهزتها الأمنيَّة في كلِّ حالة مراقبةٍ أو تهديدٍ لصحفيٍّ
منفيٍّ على أراضيها، كما ينبغي أن يحدث في قضيَّة بسمة مصطفى.
-
أن تُفتح ملفَّات التعذيب أمام المحاكم الأوروبيَّة بموجب الولاية القضائيَّة
العالميَّة، كما فُتحت ملفَّات التعذيب في سوريا أمام محكمة كوبلنز الألمانيَّة.
هذه
ليست مطالب ثوريَّة، إنَّها الحدُّ الأدنى الذي تفرضه القيم التي تقول أوروبا
إنَّها قامت عليها.
تاسعاً:
لماذا يجب أن يهتمَّ الأوروبيُّون؟
أكتب
هذه السطور من هولندا، الدولة التي تفخر بأنَّها "العدالة الدوليَّة".
ومن هنا، ومن برلين حيث تُلاحَق بسمة مصطفى، يبدو السؤال أوضح: إذا كانت يد
القاهرة تصل إلى مقاهي برلين وإلى قضايا المقيمين في هولندا، فالقمع المصريُّ الذي
عبر عنه وزير الخارجية في اتصال مع السفير في لاهاي: "من يلمس السفارة امسكوه
واسحلوه"؛ لم يعد شأناً مصرياً داخلياً، بل صار شأناً أوروبياً.
الاتِّحاد
الأوروبيُّ وقَّع مع القاهرة في آذار/مارس 2024 حزمةً بقيمة 27 مليار يورو،
وهولندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا تتعامل مع السيسي شريكاً في وقف الهجرة وتأمين
الغاز. ومع ذلك، حين اعتُقل فريق تحريرٍ كامل وتحدَّث أفراده عن التعذيب، لم يصدر
عن أيِّ حكومةٍ أوروبيَّة موقفٌ علنيٌّ يُذكر. المال الأوروبيُّ يدخل القاهرة بلا
شروط، والصحفيُّون يدخلون السجون بلا تهمٍ حقيقيَّة.
الرسالة
التي يجب أن تصل إلى بروكسل ولاهاي وبرلين بسيطة: حين تموِّلون نظاماً دخل رئيسه
قائمة مفترسي الصحافة، فأنتم لا تشترون الاستقرار، بل تموِّلون الظلام الذي
ستُتَّخذ فيه القرارات التي ستدفعون ثمنها لاحقاً: موجات لجوءٍ جديدة، وحروباً
بالوكالة، وأنظمةً تنهار فجأةً لأنَّ أحداً لم يُسمح له بالتحذير.
ختاما:
من يكتب المسودَّة الأولى للتاريخ؟
يقال
إنَّ الصحافة هي "المسودَّة الأولى للتاريخ"، وما تقوله قائمة 2026 أنَّ
الرجال الذين يصنعون تاريخ الشرق الأوسط اليوم قرَّروا أن يكتبوا المسودَّة
بأنفسهم، وأن يمزِّقوا كلَّ نسخةٍ أخرى.
لكنَّ
التجربة تقول شيئاً آخر، فكلُّ القوائم السابقة ضمَّت أسماءً ظنَّت نفسها خالدة،
ثمَّ خرجت منها بالموت أو السقوط أو الهزيمة، وبقيت الصحافة. خرج من قائمة هذا
العام خامنئي ومادورو وأوربان، وسيخرج غيرهم في الأعوام المقبلة. أمَّا عبد الله
قدري وزملاؤه في "متصدَّقش"، ولينا عطا الله في "مدى مصر"، و200
صحفيٍّ قُتلوا في غزَّة، فهم من سيكتب التاريخ الحقيقيَّ لهذه المرحلة، ولو من
الزنزانة أو من تحت الركام.
وهناك
أيضاً آلاف الصحفيِّين العرب في المنفى، في لاهاي وبرلين ولندن وإسطنبول، يواصلون
الكتابة وهم يعرفون أنَّ أسماءهم مدرجة في قضايا لم يُبلَّغوا بها، وأنَّ عائلاتهم
في الداخل قد تدفع ثمن كلِّ مقال. هؤلاء ليسوا ضحايا ينتظرون الشفقة، بل شهودٌ
يرفضون الصمت. وكلُّ مقالٍ يُنشر رغم القائمة هو دليلٌ على أنَّ المفترس، مهما
اتَّسعت سلطته، لم ينجح بعد في احتكار الرواية.
المفترسون
جمعتهم صفحةٌ واحدة، والسؤال الذي يبقى للعالم: هل يكفي أن نقرأها، أم آن الأوان
لأن نغلق دفاتر الشيكات المفتوحة لهم؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.