في زيارتي
لسوريا، كانت كل حواسي يقظة، ترصد وتقارن بين زيارتي لدمشق قبل
الثورة، ثم زيارتي
لها أثناء الثورة، وأخيراً زيارتي الحالية بعد سقوط نظام حزب البعث.
كان
انطباعي عن دمشق حين زرتها قبل الثورة أنها تشبه مدينة القاهرة في خمسينيات
وستينيات القرن الماضي، كما كنا نراها في الأفلام القديمة. شوارع هادئة إلى حد ما،
وحركة مرور منتظمة وغير مزدحمة. أحياء دمشق الراقية، مثل أبو رمانة والمالكي، أشبه
ما تكون بالزمالك والمعادي في القاهرة، فيما تقابل دمشق القديمة القاهرة القديمة،
والأثر المملوكي حاضر بقوة في المدينتين. وتمتاز القاهرة بعمقها الفاطمي، فيما
تمتاز دمشق بعمقها الأموي. كان الناس في دمشق يعيشون دون مظاهر الرفاهية التي
تراها في عواصم أخرى، فقد كان للحصار الاقتصادي أثره الواضح في حياة الناس.
زرتها
أثناء الثورة، فوجدتها قد تحولت إلى كانتونات تفصل بينها حواجز أمنية، فيما كانت
أحياء في أطراف العاصمة ترزح تحت حصار شديد فرضه النظام، فلا يدخلها كيس خبز ولا
كيس طحين، ولا يتحرك الناس منها وإليها إلا بإذن أمني مسبق. كان الناس يعيشون حالة
عامة من الضيق والخوف؛ فالمرور عبر الحواجز أمر محفوف بالمخاطر، فضلاً عن كونه
يستنزف أموالهم من خلال الإتاوات التي يدفعونها
الناس هم الناس، وعاداتهم هي عاداتهم. من يرغب في ملازمة المسجد فليفعل، ومن يريد أن يمضي وقته في صخب الموسيقى بالمقاهي فليفعل
لجنود الحواجز. أما الأقليات
الدينية والعرقية، فقد انحاز معظمها إلى النظام القائم خوفاً من المجهول. وكان
الجميع يتحسسون كلماتهم بدقة بالغة، فلا حديث عن ثورة أصلاً، إذ كان الاسم الحركي
لها هو "الأحداث". وكانت دمشق، بهذا الوصف، واحة أمان مقارنة بغيرها من
المدن والأرياف السورية.
أما في
زيارتي الحالية، بعد سقوط النظام السابق، فقد وجدت المدينة أكثر ازدحاماً بكثير،
كما اختلفت تركيبتها السكانية بصورة كبيرة. استقبلت دمشق آلافاً من سكان المدن
والأرياف السورية الأخرى، واستقروا فيها دون أن تبدو لديهم خطة واضحة للعودة.
والبنية التحتية متضررة بشدة، منهكة بفعل خمسة عشر عاماً من الإهمال، فضلاً عن
الضغوط التي فرضتها الزيادة السكانية. أما الغلاء، فهو حديث الناس، بدءاً من
أساسيات الحياة، من طعام ومواصلات، وصولاً إلى أسعار العقارات.
ومع ذلك،
تبدو مظاهر السعادة على وجوه الناس، ويعبّرون عن شعورهم بأنهم استعادوا القدرة على
التنفس بحرية بعد سقوط النظام، وعن تجاوزهم النسبي لمخاوف ضياع الأمان. والغالبية
العظمى منهم تتحدث صراحة عن قيمة
الحرية والأمان، وعن التخلص من تسلط النظام
السابق وقهره.
في منطقة باب توما، ما زالت الكنائس والأديرة قائمة كما هي. وشاركتُ في حضور محاضرة دينية
بالكنيسة الإنجيلية، غلبت على حضورها النساء المسنات. وفي فضاء دمشق، ما زالت
أصوات المؤذنين ترتفع، كما تُقرع أجراس الكنائس.
زرت مقام
السيدة رقية بنت الحسين، وما زال مفتوحاً للزيارة بلا قيود. وزرت جامع ومقام محيي
الدين بن عربي، وما زال مفتوحاً للزوار، وما زالت مكانته وبركاته حاضرتين في
أحاديث أهل الحي. وتشهد المساجد حركة نشطة في الدعوة ودروس العلم.
ومن كانت
سافرة ما زالت سافرة، والمنتقبة والمحجبة ما زالتا على حالهما، والسافرة تتأبط
ذراع المحجبة في الشوارع، وفي الأسرة الواحدة تجد هذا وذاك. وشباب يمارسون الرقص
والغناء في الشارع وهم يزفون رفيقهم المقبل على الزواج، ودار الأوبرا تواصل تقديم
عروضها، وصخب الموسيقى والغناء ينبعث من المطاعم والمقاهي.
لقد تبخرت حواديت "أمنا الغولة" التي دأب النظام السابق على ترويجها، حواديت صوّرت للأقليات أن مصيرها مرتبط بمصير النظام؛ إن بقي بقوا، وإن ذهب ذهبوا
الناس هم
الناس، وعاداتهم هي عاداتهم. من يرغب في ملازمة المسجد فليفعل، ومن يريد أن يمضي
وقته في صخب الموسيقى بالمقاهي فليفعل.
لقد تبخرت
حواديت "أمنا الغولة" التي دأب النظام السابق على ترويجها، حواديت صوّرت
للأقليات أن مصيرها مرتبط بمصير النظام؛ إن بقي بقوا، وإن ذهب ذهبوا. وصوّرت لهم
بحور الدم التي ستغطي الشوارع إن سقط حماة الأوطان، والتطرف الديني الذي سيحكم
خلفاً للنظام، وسيفرض النقاب، ويمنع الموسيقى، ويضطهد الأقليات، ويغلق الكنائس
والمقاهي، وربما يهدم الآثار ويمنع الاحتفالات بالأعياد..
كثيرون،
داخل البلاد وخارجها، تأثروا بهذه الدعاية السوداء التي بثها نظام مجرم بهدف
الحفاظ على بقائه في السلطة، وتصور كثيرون أن سقوط النظام الذي جثم على صدور
السوريين نحو ستين عاماً سيعقبه سقوط سورية الدولة. لكن النظام سقط، وانكشفت
سوءاته، وهرب رأسه تاركاً جنوده وأعوانه يواجهون مصيرهم، وبقيت
سوريا هي سوريا،
والشعب هو الشعب، والتنوع هو التنوع، والتعايش هو التعايش، والمصير المشترك هو ما
سيدفع السوريين إلى استكمال البناء.
لقد صوّر
نظام
الأسد لشعبه أن مستنقع القهر الذي يعيشون فيه، مهما بلغت قذارته، أفضل من
الخروج إلى فضاء ترعى فيه الوحوش التي تنتظر انعتاقهم من ذلك المستنقع. خرج
السوريون من المستنقع، فلم يجدوا الوحوش التي استخدمها النظام لترويعهم، وإنما
وجدوا أمامهم وطناً منهكاً يحتاج إلى الوعي والجهد والعمل، كي ينهض من جديد
ويتعافى من آثار حقبة المستنقع الأسدي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.