الصحفي المهاجر بين هويتين وجمهورين

رائدة حمره
"يُطلب من الصحفي أن يكون موضوعياً وأن يفصل بين آرائه الشخصية وعمله المهني. لكن ماذا يحدث عندما تصبح هويته نفسها جزءاً من القصة؟"- الأناضول
"يُطلب من الصحفي أن يكون موضوعياً وأن يفصل بين آرائه الشخصية وعمله المهني. لكن ماذا يحدث عندما تصبح هويته نفسها جزءاً من القصة؟"- الأناضول
شارك الخبر
لا يهاجر الصحفي من وطنه حاملاً حقيبة سفر فقط، بل يحمل معه ذاكرة كاملة، لغة وثقافة وتجارب وأسئلة حول المكان الذي ينتمي إليه والدور الذي يمكن أن يؤديه في وطنه الجديد.

فالصحفي المهاجر لا ينتقل فقط من مؤسسة إعلامية إلى أخرى، بل يجد نفسه أمام عالمين، وروايتين، وأحياناً جمهورين ينظر كل منهما إلى الحدث نفسه بطريقة مختلفة. وهنا يبدأ السؤال الأصعب: لمن يكتب الصحفي المهاجر؟ ومن يمثل؟

يُطلب من الصحفي أن يكون موضوعياً وأن يفصل بين آرائه الشخصية وعمله المهني. لكن ماذا يحدث عندما تصبح هويته نفسها جزءاً من القصة؟

الصحفي الذي يعيش في مجتمع جديد لا يستطيع أن يمحو ذاكرته أو تجاربه السابقة، فهو يحمل معه فهماً خاصاً للتاريخ والسياسة والثقافة، وفي الوقت نفسه يعمل داخل بيئة إعلامية لها قواعدها وسياقاتها وطريقتها المختلفة في النظر إلى العالم.

وجود الهوية لا يتناقض مع الموضوعية، فالصحفي ليس آلة بلا ذاكرة أو ثقافة، والموضوعية المهنية لا تعني التخلي عن الانتماء، بل القدرة على التعامل مع الحقائق بعدالة ونزاهة، حتى عندما تكون القضية قريبة من القلب

لكن وجود الهوية لا يتناقض مع الموضوعية، فالصحفي ليس آلة بلا ذاكرة أو ثقافة، والموضوعية المهنية لا تعني التخلي عن الانتماء، بل القدرة على التعامل مع الحقائق بعدالة ونزاهة، حتى عندما تكون القضية قريبة من القلب.

وتظهر هذه الإشكالية بوضوح عند تغطية قضايا عدة، منها اضطهاد الأقليات في الغرب. فلو وقع، مثلاً، اعتداء على مسجد في إحدى المدن الغربية، وبدأت الشرطة التحقيق مع شخص يُشتبه بارتباطه بجماعة يمينية متطرفة، فقد تكتب وسيلة إعلام غربية عنواناً مثل: "الشرطة تحقق في اعتداء على مسجد وتتعقب مشتبهاً به في جريمة بدافع الكراهية". في المقابل، قد تختار وسيلة إعلام عربية عنواناً أكثر ارتباطاً بالهوية والسياق السياسي: "اعتداء يستهدف مسجداً ومسلمين في الغرب وسط تصاعد خطاب الكراهية ضد الأقليات".

الحدث واحد، لكن زاوية المعالجة مختلفة. ففي الصياغة الأولى يتركز الخبر على الإجراءات القانونية والتحقيق والمشتبه به، بينما تضع الصياغة الثانية الحادث في إطار أوسع يتعلق بوضع المسلمين والأقليات وخطاب الكراهية. ولا يعني اختلاف الصياغتين بالضرورة أن إحداهما خاطئة؛ فاختيار الزاوية يتأثر بخلفية الجمهور واهتماماته. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الزاوية إلى تحريف للحقيقة، فإذا لم تثبت التحقيقات أن الاعتداء كان جريمة كراهية، فلا يجوز تقديم ذلك باعتباره حقيقة مؤكدة لمجرد أن العنوان أكثر تأثيراً. وفي المقابل، إذا كانت هناك مؤشرات موثقة على خطاب عنصري أو ديني سابق، فلا ينبغي تجاهلها فقط لأن المؤسسة الإعلامية تريد تقديم الحادث باعتباره جريمة منفصلة.

وهنا يظهر الفرق بين الخبر والرواية، فالخبر يقوم على ما يمكن إثباته: ماذا حدث؟ وأين؟ ومتى؟ ومن المتهم؟ وماذا قالت السلطات؟ أما الرواية فتتوسع في تفسير الحدث ووضعه ضمن إطار اجتماعي أو سياسي أكبر.

يظهر الفرق بين الخبر والرواية، فالخبر يقوم على ما يمكن إثباته: ماذا حدث؟ وأين؟ ومتى؟ ومن المتهم؟ وماذا قالت السلطات؟ أما الرواية فتتوسع في تفسير الحدث ووضعه ضمن إطار اجتماعي أو سياسي أكبر

وهذا تحديداً هو المكان الذي يصبح فيه الصحفي المهاجر أكثر أهمية، فهو يفهم كيف يمكن أن يقرأ الجمهور العربي خبراً عن اضطهاد أقلية في الغرب، وفي الوقت نفسه يعرف كيف ينظر المجتمع الغربي إلى القضية نفسها. فالصحفي المهاجر لا يترجم الكلمات فقط، بل يترجم السياق والثقافة، وعليه أن يشرح قضايا الشرق الأوسط لجمهور غربي دون اختزال، وأن ينقل قضايا الغرب إلى الجمهور العربي دون الوقوع في التعميم أو الصور النمطية.

لكن هذا الموقع قد يتحول إلى عبء، فقد يُنظر إلى الصحفي المهاجر في المجتمع الجديد باعتباره متحيزاً بسبب أصله، بينما قد يُتهم في وطنه الأصلي بأنه أصبح بعيداً عن قضاياه بسبب سنوات الغربة.

وهكذا يجد نفسه مطالباً أحياناً بإثبات انتمائه للطرفين، رغم أنه لم يتخلَّ عن أي منهما. لكن امتلاك أكثر من هوية لا يجب أن يكون أزمة، فالصحفي الذي يعيش بين ثقافتين يمتلك فرصة لرؤية ما قد لا يراه الآخرون؛ يستطيع المقارنة بين الروايات، واكتشاف التحيزات، وفهم أسباب اختلاف التغطية الإعلامية للحدث نفسه.

وفي زمن تتنافس فيه وسائل الإعلام ليس فقط على نقل الأخبار، بل على تشكيل الروايات، تصبح مهمة الصحفي المهاجر أكثر أهمية. ربما لا يعيش الصحفي المهاجر بين هويتين، بل يمتلك نافذتين يرى من خلالهما العالم: نافذة تطل على وطن الذاكرة واللغة والتجربة الأولى، وأخرى تطل على مجتمع جديد ورؤية مختلفة. التحدي الحقيقي ليس اختيار إحدى النافذتين وإغلاق الأخرى، بل القدرة على النظر من خلالهما معاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)