رواية جديدة تكشف فضيحة بحجم السماء

رائدة حمره
"رواية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وربما في هذا تكمن قوتها الحقيقية"
"رواية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وربما في هذا تكمن قوتها الحقيقية"
شارك الخبر
لماذا أرى أن رواية "وحده من يقلع العاقول" رواية تستحق القراءة؟

لا أتعامل مع رواية "وحده من يقلع العاقول" بوصفها مجرد عمل أدبي جديد، بل أراها نصاً يقترب من منطقة شديدة الحساسية، قلّما يجرؤ أحد على الاقتراب منها. وهي أحدث أعمال الروائي العراقي الأمريكي عمر سعيد، صاحب رواية "مستر كلكامش" والمجموعة القصصية "المنيع"، الذي يواصل في أعماله طرح أسئلة تتجاوز السرد التقليدي لتلامس قضايا الإنسان والإعلام والهوية والحرية.

بالنسبة إليّ، لا تقل أهمية هذه الرواية عن أي عمل يسعى إلى تفكيك الصورة المثالية التي تُقدَّم عن الإعلام الحر. فهي تفتح الباب أمام القارئ ليرى ما يحدث خلف الكاميرات، وفي غرف التحرير، حيث لا يُصاغ الخبر دائماً وفق ما جرى على أرض الواقع، بل قد يُعاد تشكيله بما يتوافق مع الرؤية التحريرية للمؤسسة الإعلامية، وسياساتها، وأولوياتها.

ما يميز هذه الرواية أنها لا تتحدث عن الإعلام من الخارج، بل تدخل إلى كواليسه. إنها تكشف تفاصيل يعرفها كثير من العاملين في هذا المجال، لكنهم نادراً ما يجرؤون على الحديث عنها؛ حفاظاً على وظائفهم، وأرزاقهم، ومستقبلهم المهني، وربما على سنوات الخبرة التي أمضوها في بناء مسيرتهم. لهذا تبدو الرواية، في جانب منها، شهادة أدبية على واقع يصعب البوح به.

تفتح الباب أمام القارئ ليرى ما يحدث خلف الكاميرات، وفي غرف التحرير، حيث لا يُصاغ الخبر دائماً وفق ما جرى على أرض الواقع، بل قد يُعاد تشكيله بما يتوافق مع الرؤية التحريرية للمؤسسة

ولا تقتصر قوة الرواية على كشف كواليس العمل الإعلامي، بل تمتد إلى رسم رحلة إنسانية عميقة لبطلها. فهو يبدأ صحافياً لامعاً، طموحاً، مثابراً، يعيش شغف المهنة بكل ما فيها من بريق وتحديات، قبل أن تقوده التحولات إلى مراجعة ذاته وأولوياته. يتحول تدريجياً إلى إنسان أكثر انضباطاً واتزاناً، يزهد في مظاهر الرفاه، ويجد سعادته في عائلته الصغيرة ودفء بيته، مكتفياً بدخل بسيط من عمله سائقاً في أوبر بعد أن فقد المهنة التي أحبها. لكن الرواية لا تجعل هذه النهاية قدراً دائماً؛ فحين تتغير الظروف، يعود إلى قلب المشهد الإعلامي ليتولى أحد أهم المناصب الإعلامية في واشنطن. غير أنه يعود هذه المرة مختلفاً؛ لا تحركه رغبة في الانتقام من سنوات الإقصاء والحرمان، بل إحساس عميق بالمسؤولية. ومن موقعه الجديد، يواجه سياسات تحاول إعادة تشكيل الأخبار وتوجيهها وفق أجندات لا تنتهي، فيختار أن يخوض معركته دفاعاً عن المهنية والحقيقة، لا عن ذاته، مؤكداً أن المنصب الحقيقي هو القدرة على التمسك بالمبدأ عندما يصبح التخلي عنه أكثر إغراءً.

ولعل من أهم ما يميز "وحده من يقلع العاقول" أنها ليست موجهة للإعلاميين وطلبة الصحافة فقط، بل لكل من يتلقى الأخبار عبر التلفاز أو المنصات الإخبارية. فهي تدعو القارئ إلى عدم الاكتفاء بسماع الخبر كحقيقة جاهزة، بل إلى التساؤل: كيف صيغ؟ وما الذي أُبرز أو حُذف؟ ومن المستفيد من طريقة عرضه؟ إنها دعوة للتفكير النقدي وعدم التسليم المطلق بما يُبث لمجرد أنه صادر عن وسيلة إعلامية معروفة. وبذلك تخاطب الرواية جمهوراً واسعاً اعتاد تلقي أخبار قد تُصاغ وفق روايات وأجندات مختلفة، مما يجعلها تتجاوز الإعلام كمهنة إلى الإعلام كقوة مؤثرة في وعي الناس وطريقة إدراكهم للعالم.

تطرح الرواية أسئلة جريئة حول مفاهيم الحرية والديمقراطية، وكيف يمكن أن تبدو هذه المفاهيم أكثر ضبابية مما تُسوَّق به، حتى داخل الولايات المتحدة

ولا تتوقف الرواية عند حدود الإعلام، بل تنتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: الهجرة. فهي تخاطب كل من يرى في مغادرة الوطن خلاصاً من أزمات العالم العربي، لتذكره بأن الواقع أكثر تعقيداً من الأحلام، وأن المجتمعات، مهما بلغت من التقدم، ليست بمنأى عن التناقضات.

كما تطرح الرواية أسئلة جريئة حول مفاهيم الحرية والديمقراطية، وكيف يمكن أن تبدو هذه المفاهيم أكثر ضبابية مما تُسوَّق به، حتى داخل الولايات المتحدة، التي تُقدَّم غالباً بوصفها النموذج الأبرز لهما. وهي لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تدعو القارئ إلى مساءلة ما اعتاد اعتباره حقائق ثابتة.

ولعل هذا ما يجعل "وحده من يقلع العاقول" ليست مجرد رواية ممتعة، بل ضرورة فكرية وأدبية ملحة للإنسان المعاصر. ففي زمن أصبح فيه كل شيء سريعاً ومختصراً؛ التعليقات تُكتب في كلمات قليلة، والإعجابات تُمنح بضغطة زر، ومقاطع الفيديو تُختزل في ثوانٍ، وحتى المحتوى الإعلامي بات يخضع لمنطق السرعة والاختزال، تأتي هذه الرواية لتدعو القارئ إلى التمهل، والتفكير، والتشكيك الإيجابي، وإعادة اكتشاف قيمة السؤال قبل التسليم بالإجابة. إنها تذكّرنا بأن الحقيقة لا تُختزل في عنوان، ولا تُقاس بعدد المشاهدات، وأن فهم الواقع يحتاج إلى عقل ناقد أكثر من حاجته إلى خبر عاجل.

لهذا كله وأكثر، أرى أن "وحده من يقلع العاقول" ليست رواية تُقرأ ثم تُنسى، بل عمل يثير التفكير ويستحق النقاش. إنها رواية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وربما في هذا تكمن قوتها الحقيقية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)