تتوالى
في الأوساط الغربية الإدانات الصارمة والمشدّدة للمستوطنين اليهود في
الضفة
الغربية، دون أن تشمل
المستوطنين في القدس الشرقية أو هضبة الجولان. وقد انضمت
مؤخراً الدول الأوروبية الراعية للإبادة الجماعية التي ترتكبها
إسرائيل، ولا سيما
المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، وكذلك الدول المعارضة لها، مثل إسبانيا وأيرلندا
اللتين سبق أن أعلنتا حظراً تجارياً على المستوطنات اليهودية، إلى حملة مقاطعة
شاملة لمنتجات المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية؛ علماً بأن الاتجار بهذه
المنتجات قبل فرض المقاطعة الأخيرة كان في حد ذاته انتهاكاً للقانون الدولي.
وفي
زيارته للضفة الغربية، أدان السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي -وهو من
أكثر المسيحيين البروتستانت غلوّا في صهيونيته- عنف المستوطنين ووصفه بأنه
"عمل إرهابيّ"، لكنه في الوقت ذاته يعارض المقاطعة الأوروبية، معتبراً
إياها "تمييزاً ضد الشعب اليهودي". كما اتهم هاكابي وزير الخارجية
البريطاني إد ميليباند -وهو يهودي وصهيوني أيضاً- بـ"معاداة اليهود".
وفي المقابل، ستواصل الدول الأوروبية وكندا، التي تقاطع مستوطنات الضفة الغربية،
استيراد المنتجات من "المستعمرة الاستيطانية اليهودية" المتمثلة في
إسرائيل نفسها، وربما من القدس الشرقية أيضاً.
وقد
جاء الرد الإسرائيلي مشحوناً بالغضب والغطرسة المعهودين تجاه راعيتها الأوروبية
الرئيسية، إذ حظرت دخول اثني عشر نائباً بريطانياً إلى أي أراضٍ خاضعة لسيطرتها،
وأغلقت القنصلية البريطانية في القدس.
لماذا يتحمل هؤلاء المستوطنون وحدهم، النصيب الأكبر من تبعات سياسات الدولة والمؤسسات الحكومية والعسكرية، في حين أنهم ليسوا سوى أطراف ثانوية في منظومة القمع الهائلة التي مارستها الحركة الصهيونية والدولة والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر؟
ولكن
ما الذي يستدعي هذه الإدانات الآن؟ ولماذا تتضافر جهود الأوروبيين والكنديين فجأة
ضد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية؟ وما الفظاعات التي اقترفها المستوطنون حتى
يواجهوا بكل هذا الزخم من الإدانات والمقاطعة؟
يستند
الداعون للمقاطعة إلى تزايد عنف المستوطنين، وهو
ما يعني ضمناً أن عنفهم السابق لم يكن في نظرهم كافياً لاستدعاء المقاطعة، كما
يؤسسون موقفهم هذا على قرار محكمة العدل الدولية الصادر عام
2024، والذي خلص إلى عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة
والقدس الشرقية. بيد أن الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان في الأراضي الفلسطينية
والعربية المحتلة لم يصبحا غير قانونيين عام 2024؛ إذ وُصف الاحتلال بذلك منذ
تشرين الثاني/نوفمبر 1967، حين أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 242 (وتوالت
القرارات اللاحقة المؤكدة لذلك)، كما أُعلن عدم قانونية المستوطنات اليهودية بموجب
قراري مجلس الأمن رقم 446 (الصادر في تموز/يوليو 1979) ورقم 465 (الصادر في
آذار/مارس 1980). والجدير بالذكر أن كلاً من المملكة المتحدة وفرنسا صوتتا لصالح
القرارين 242 و465 عند صدورهما، كما صوتت فرنسا لصالح القرار 446 بينما امتنعت
المملكة المتحدة عن التصويت.
وعلاوة
على ذلك، فإن العنف الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية
(ناهيك عن سكان غزة والقدس الشرقية) -والذي أدى إلى تهجير 300 ألف فلسطيني عام
1967 ومقتل الآلاف منذ ذلك الحين- يفوق بمراحل العنف الذي يرتكبه المستوطنون
اليهود (الذين طالما نالوا قسطاً وافراً من الانتقاد)، إذ لم يتجاوز عدد ضحاياهم
عشرات القتلى ومئات المهجَّرين من الفلسطينيين؛ ومع ذلك، لم يُعلن عن أي مقاطعة
لإسرائيل أو حتى للجيش الإسرائيلي، مما يدفع المرء للاستنتاج بأن عنف الجيش
الإسرائيلي لا يُعد مخالفة جسيمة تستوجب فرض
عقوبات.
لماذا
يتحمل هؤلاء المستوطنون وحدهم، النصيب الأكبر من تبعات سياسات الدولة والمؤسسات
الحكومية والعسكرية، في حين أنهم ليسوا سوى أطراف ثانوية في منظومة القمع الهائلة
التي مارستها الحركة الصهيونية والدولة والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضد الشعب
الفلسطيني منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر؟
لم
يكتفِ المستوطنون اليهود -الذين كانوا منظَّمين في عصابات عسكرية قبل أيار/مايو
1948- والجيش الإسرائيلي (بعد أيار/مايو 1948) بتهجير ما يقرب من 800 ألف فلسطيني
من السكان الأصليين وقتل نحو 13 ألفاً منهم خلال الغزو الصهيوني لفلسطين
(1947-1949)، بل لجأوا أيضاً إلى الحرب البيولوجية عبر تسميم آبار القرى
الفلسطينية ببكتيريا التيفوئيد والديسنتاريا؛ وهي جريمة حرب أشرف عليها ديفيد بن
غوريون -زعيم المستوطنين آنذاك- خلال تلك الحرب.
وإذا
كان المستوطنون اليهود في الضفة الغربية يستشهدون اليوم بالتوراة لتبرير استيلائهم
على الضفة، فإن قادة المستوطنين اليهود في إسرائيل -ممن يوصفون بـ"العلمانيين"-
قد فعلوا الشيء نفسه قبلهم وبعدهم. فبن غوريون هو الذي لم يملّ من تذكيرنا بأن
"الله وعدنا [بفلسطين]"، وهو أيضاً من وصف "العرب" عام 1956
بأنهم "عماليق"، كما أن الجيش الإسرائيلي أطلق على عملية تسميم الآبار
الفلسطينية عام 1948 اسماً مستوحى من آية في سفر الجامعة: "عملية ألقِ خبزك".
وتشمل
العمليات العسكرية الإسرائيلية التي نُفذت عام 1948 وحملت أسماء شخصيات توراتية:
"عملية نحشون"، و"عملية يفتاح"، و"عملية يوآف"،
وغيرها. ولا تزال أسماء العمليات تُستمد من التوراة حتى اليوم، بما في ذلك الحرب
المخطط لها عام 2025 ضد إيران والتي أُطلق عليها اسم "عملية الأسد
الصاعد"، وحرب عام 2012 على سكان غزة التي سُميت "عمود الدفاع".
حتى الأسلحة الإسرائيلية تحمل أسماءً توراتية، مثل صواريخ "أريحا"
الباليستية، وصواريخ "مقلاع داوود"، ودبابات "ميركافا" (التي
تعني "عربة")، وهو اسم مستمد من سفر حزقيال.
صحيح
أن المستوطنين تعمدوا تلويث الآبار ومصادر المياه في القرى الفلسطينية خلال العقد
الأول من القرن الحادي والعشرين، عبر إلقاء حفاضات متسخة ومواد ملوثة أخرى فيها،
إلا أنهم لم يلوثوها بعوامل بيولوجية طُوِّرت في المختبرات الصهيونية، كما فعل بن
غوريون عام 1948. وفي حين يرتكب المستوطنون اليهود اليوم أعمال عنف جماعي (بوغروم)
محدودة نسبياً، فقد ارتكب المستوطنون الصهاينة مجازر مروعة عام 1948، ناهيك عن
الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، التي لا تضاهيها أي ممارسات يقوم بها
المستوطنون اليهود اليوم، رغم أن هؤلاء أقل عنفاً بكثير.
إذا أرادت الأطراف الأوروبية والكندية -سواء تلك الداعمة للاحتلال والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل أو تلك المعارضة لهما- أن تتحلى بالعدالة وتضع حداً للنظام الإسرائيلي القائم على التفوق العرقي اليهودي ولعمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، فإن دولة إسرائيل هي التي يجب أن تُعاقب، وليس قلة من المستوطنين
ومثلهم
مثل المستوطنين اليهود في فترتي ما قبل وما بعد عام 1948، يكرر المستوطنون اليهود
الذين جاؤوا بعد عام 1967 -ولا سيما الأمريكيون منهم- المزاعم التوراتية ذاتها
التي طرحها بن غوريون: بأن الله منحهم "يهودا والسامرة"، من دون أن
يقدموا مزاعم جديدة.
لقد
قتل الجيش الإسرائيلي ما يزيد عن 1200 فلسطيني في الضفة الغربية منذ بدء حرب
الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ربعهم من
الأطفال. وفي عام 2026 وحده، قتل الجيش الإسرائيلي ومستوطنون يهود ما يقرب من مئة
فلسطيني، تسعة عشر منهم من الأطفال؛ وقد تورط مستوطنون يهود في ثلاث وعشرين حالة
قتل من هذه الحالات. وفي الوقت نفسه، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تدمير واسعة
النطاق لعدة مخيمات للاجئين في الضفة الغربية وهجّر سكانها خلال الأشهر القليلة
الماضية فقط.
إن
الحكومة والجيش الإسرائيليين -وليس المستوطنين- هما من قوّضا إمكانية تحقيق ما
يسمى بـ"حل الدولتين"، وهو الحل الذي يحظى بتقدير كبير لدى الأوروبيين
وكندا، الذين برروا مقاطعتهم للمستوطنات باعتبارها وسيلة للدفاع عن هذا
"الحل". فالحكومة والجيش الإسرائيليان هما الجهتان اللتان تتخذان فعلياً
قرارات التوسع والاستيطان؛ بينما لا يعدو دور المستوطنين أن يكونوا أدوات تنفيذية
(جنود مشاة) في هذه العملية، ومع ذلك، فهم من يتعرضون لعقوبات غير عادلة من جانب
الداعين للمقاطعة. وليس من الإنصاف، أن يظل المستوطنون وحدهم من يدفع ثمن سياسة لا
يملكون قرارها ولا أدواتها.
إذا
أرادت الأطراف الأوروبية والكندية -سواء تلك الداعمة للاحتلال والإبادة الجماعية
التي ترتكبها إسرائيل أو تلك المعارضة لهما- أن تتحلى بالعدالة وتضع حداً للنظام
الإسرائيلي القائم على التفوق العرقي اليهودي ولعمليات الاستيطان في الأراضي
الفلسطينية، فإن دولة إسرائيل هي التي يجب أن تُعاقب، وليس قلة من المستوطنين
المغلوبين على أمرهم الذين لا يملكون أي قوة لولا الدعم الكامل الذي توفره لهم
دولة إسرائيل ورعاتها في الغرب.
إن
قرار الدول الاثنتي عشرة بحظر التجارة مع المستوطنات -التي لا تمثل سوى جزء ضئيل
للغاية مقارنة بحجم التبادل التجاري الهائل مع إسرائيل نفسها- لن يُحدث أثراً
اقتصاديّاً يُذكر في الكيان الاستيطاني اليهودي، ولن يوقف الاستيطان اليهودي؛ إذ
إن السبيل الوحيد لتحقيق مثل هذه النتائج هو فرض مقاطعة شاملة ومطلقة على الدولة
الإسرائيلية التي تمارس الإبادة الجماعية وعلى مؤسساتها كافة. وهذا وحده ما يمكن
أن يكون عادلاً بحق المستوطنين أيضاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.