حق الأرض واحد.. والدم واحد!

عبد المجيد عكروت
"دم الإنسان في غزة هو ذاته دم الإنسان في صنعاء وتعز ومأرب"- جيتي
"دم الإنسان في غزة هو ذاته دم الإنسان في صنعاء وتعز ومأرب"- جيتي
شارك الخبر
حين تتحول القضية العادلة إلى غطاء للجرائم، وحين يُطلب من شعب أن يتنازل عن دمه تحت شعار هذه القضية، فإننا نخسر القضيتين معاً.

حين نراجع حال الأمة اليوم نجد أن الوعي الجمعي يقيس صدق الإنسان بموقفه من قضية واحدة، فيُقاس انتماؤه بها، وتُغفر باسمها أخطاء، وتُبرر باسمها تجاوزات. هذا الاختزال وإن كان نابعاً من وجدان صادق، إلا أنه أنتج خللاً في رؤية الأمة لنفسها ولجراحها.

ومن الإنصاف أن نبدأ من أصل: الدماء في ديننا متكافئة، والحق لا يتجزأ. فدم الإنسان في غزة هو ذاته دم الإنسان في صنعاء وتعز ومأرب، ووجع الثكلى في رفح لا يختلف عن وجع الثكلى في الحديدة والبيضاء. الميزان واحد، والعدل واحد. ولا يمكن أن تُرفع قضية على أكتاف قضية أخرى، ولا أن يُطلب من شعب أن يتنازل عن حقه بحجة حق غيره.

ولا خلاف أن القضية الفلسطينية هي قضية الأرض والمقدس، وهي في مقدمة قضايا الأمة وأولاها؛ هي قضية احتلال استيطاني مستمر، وتطهير عرقي، واعتداء على مقدسات، ونصرتها واجب ديني وأخلاقي وإنساني. ولكن الإشكال يظهر بوضوح حين تُستخدم هذه الأولوية كمبرر لتجاوز جرائم محددة، فيصبح رفع الشعار كافياً لغسل السجل، ويُطلب من الناس أن يتجاوزوا عن القتل والتهجير والتفجير والحصار لأن الفاعل "يرفع شعار القضية"، فتتحول القضية العادلة إلى مظلة تُخفي تحتها ممارسات لا علاقة لها بالعدل ولا بالتحرير.

من حقنا كيمنيين أن نضع هذه الوقائع في الميزان الأخلاقي، فتدمير البيوت فوق ساكنيها، وتفجير المساجد، وتجويع الناس عبر قطع المرتبات، هي أفعال تتطابق في جوهرها مع ما يُدان في أي مكان آخر

نظام في إيران صدّر أدواته المسلحة إلى أربع عواصم عربية، وأدخل المنطقة في صراعات طائفية، وسحل شعبه في الداخل، ونظام في سوريا قتل مئات الآلاف، وهجر الملايين، واستخدم البراميل والكيماوي ضد شعبه، ومليشيا في اليمن انقلبت على الدولة في 2014، ومارست القتل والاختطاف والتفجير والحصار؛ العالم كله وثّق ذلك بتقارير أممية ومنظمات حقوقية، لكنها جميعاً وجدت في القضية الفلسطينية غطاءً تطلب به تبرير أفعالها، وصمت الناس عن ضحاياها بحجة "الظرف العام".

ولنأخذ الحالة اليمنية كنموذج عملي لما نقول. نحن أمام مشروع انقلابي رفض فكرة الدولة، وعطّل الجمهورية، واختار المواجهة المسلحة طريقاً وحيداً للسلطة. وخلال عشر سنوات قتل آلاف المدنيين بقصف مباشر أو بالألغام، وهُجرت مئات الآلاف من قراهم في صعدة وحجة وتعز والبيضاء، وفُجرت مساجد ومراكز تعليم ودور عبادة، وحُوصرت مدن بأكملها. من حقنا كيمنيين أن نضع هذه الوقائع في الميزان الأخلاقي، فتدمير البيوت فوق ساكنيها، وتفجير المساجد، وتجويع الناس عبر قطع المرتبات، هي أفعال تتطابق في جوهرها مع ما يُدان في أي مكان آخر.

والمفارقة أن هذا المشروع الذي يرفع شعار المقاومة، وُجد في تقاطعات عملية مع ذات العدو الذي يعلن عداءه له في بعض الملفات، بينما في ملفات أخرى يتقاطع معه في إدارة الصراع وإطالته.

واليوم ونحن أمام تصعيد عسكري تعلنه الدولة اليمنية لاستعادة مؤسساتها وسيادتها على كامل أرضها، يصبح من الواجب أن نكون مع اليمني في حقه باستعادة دولته، كما نكون مع الفلسطيني في حقه باستعادة أرضه؛ لا تعارض بينهما، ولا مزايدة. فاستعادة الدولة في اليمن هي استعادة للقرار الوطني الذي يخدم كل قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين.

منطق ينتج ازدواجية خطيرة: نُطالب العالم بنصرة المظلوم في مكان، ونُطالب المظلوم نفسه بالصمت عن ظالمه في مكان آخر. نُدين الاحتلال هنا، ونُبرر الانقلاب هناك

ومع كل هذه الوقائع، نجد تعاطفاً إعلامياً وشعبياً يتكون مع هذا المشروع الانقلابي في بعض الأوساط، والسبب المباشر هو ربطه لنفسه بالقضية الفلسطينية. فيُطلب من اليمني أن يؤجل قضيته، وأن يسكت عن قاتله، وأن يقدم دماءه قرباناً لصالح معركة يرى غيره أنها أهم. هذا منطق ينتج ازدواجية خطيرة: نُطالب العالم بنصرة المظلوم في مكان، ونُطالب المظلوم نفسه بالصمت عن ظالمه في مكان آخر. نُدين الاحتلال هنا، ونُبرر الانقلاب هناك.

والنتيجة أننا نُضعف القضية الأولى ونظلم القضية الثانية؛ لأن المتاجرة بشعار عادل لا تخدم الشعار، بل تُفرغه من محتواه وتجعله أداة ابتزاز، ولأن إنكار مظلومية شعب لا يصنع انتصاراً، بل يصنع مزيداً من الاحتقان ويُنتج أجيالاً تشعر بالغبن. الشعوب لا تنسى من قتلها، حتى لو رفع قاتلها أعلى الرايات. والعدل لا يعرف الجغرافيا، ومن أراد أن يكون مع الحق فليكن مع المظلوم حيثما كان.

الخلاصة أن إنصاف فلسطين لا يتم عبر إنكار اليمن، وإنصاف اليمن لا يتم عبر تهميش فلسطين. القضية الفلسطينية تظل في الصدارة، لأنها قضية أرض وحق وإنسان ومقدس، ولكن العدل يقتضي أن نعطي لحق الأرض في كل مكان، ولحق الإنسان في كل مكان، ولحق الدولة في كل مكان.

الأمم التي تنتصر هي التي ترى جراحها كلها، وتعالجها كلها، أما التي تختار جرحاً واحداً وتتجاهل بقية الجراح، فستجد نفسها في النهاية أمام أجساد متقيحة لا يمكن إصلاحها. القضية ليست مزايدة ولا مفاضلة، القضية أن نكون مع الحق كاملاً، ومع الإنسان كاملاً، ومع العدل كاملاً. وهذا وحده هو الطريق الذي يخدم فلسطين ويخدم الأمة كلها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)