شغل الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على مطار أبو الضهور، شرقي محافظة إدلب، اهتمام وسائل الإعلام طوال الأسبوع الماضي. وعاد والي ترامب على بلاد الشام وسائر المشرق توماس براك إلى الواجهة، بهذه المناسبة، فعبر عن «قلقه» من هذا التصعيد الإسرائيلي «غير الضروري» بحسب تعبيره.
قال إنه كان من المحتمل أن تقلع طائرات حربية تركية لمواجهة الطائرات الإسرائيلية، على غرار ما حدث في العام 2015 حين تم إسقاط طائرة السوخوي الروسية على خط الحدود السورية – التركية (ترى هل كان بذلك يسخر من فتور رد الفعل التركي؟). ولم يتمالك الرجل نفسه، في اندفاعه الغاضب ضد نتنياهو، فاستعاد هضبة الجولان المحتلة إلى السيادة السورية بعدما كان ترامب قد وهبها لإسرائيل في ولايته الأولى. على الفور قامت إسرائيل بمعاقبة براك بحرمانه من تدفق المعلومات الاستخبارية!
كأننا أمام مسرحية رديئة يؤديها ممثلون أكثر رداءة. بكلمة من ترامب تصبح أرض سورية ملكاً لإسرائيل، ثم بكلمة من مبعوثه براك تعود
سوريا! الجهة الوحيدة الصامتة في هذا السجال هي سوريا التي تم ضرب مطار لها في الشمال، واستعادت سيادتها لفظياً على الجولان. أو هذا ما ظنناه على الأقل، قبل أن يتم الكشف عن اتصال أسعد الشيباني مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي قبل الهجوم على أبو الضهور بأربعة أيام، قدم فيها الأول للثاني كشفاً بالأنشطة العسكرية التركية التي أثارت قلق إسرائيل في المطار المذكور. ثم جرى لقاء مباشر، بعد ضرب المطار، في العاصمة الأردنية، بترتيب أمريكي، بين الشيباني ورئيس الموساد، من أجل «خفض التصعيد».
والحال أن الاهتمام انصب على تركيا وكأنها هي التي تعرضت للاعتداء الإسرائيلي! هذا مفهوم بالنظر إلى قرب المطار من الحدود التركية، ولأن لتركيا وجودا عسكريا على الأراضي السورية، ولأنها «أم الصبي» بالنسبة للسلطة الانتقالية القائمة في دمشق. وهكذا بموازاة الاجتماع السوري – الإسرائيلي في عمّان، يجري تداول معلومات صحافية عن لقاء تركي – إسرائيلي بوساطة أذربيجانية بهدف احتواء التصعيد أيضاً، أو للتفاهم حول حدود النفوذ لكل منهما في سوريا من أجل تجنب أي صدام محتمل في المستقبل.
يمكن الحديث إذن عما ابتغته تل أبيب من هجومها على مطار أبو الضهور: رسم خط أحمر جديد للنفوذ العسكري التركي على الأراضي السورية، بما لا ينتقص من السيطرة الإسرائيلية المطلقة على الأجواء السورية. بكلمات أخرى: تل أبيب تمنح نفسها حق الفيتو على أي أنشطة عسكرية في سوريا تعتبرها حداً من سيطرتها الجوية. وهذا يعني منع تزويد سلطة دمشق أنظمة للدفاع الجوي أو رادارات للرصد، ومن باب أولى أي طائرات حربية. في حين كان التصور السابق عن الخط الأحمر الإسرائيلي هو حصر النفوذ العسكري التركي في شمال سوريا، استنتاجاً من الهجوم الإسرائيلي على مطار تي فور قرب حمص في وسط سوريا بدعوى وصول خبراء أتراك لتطويره.
يمكن قراءة الهجوم الإسرائيلي على أبو الضهور بوصفه اختباراً غير مباشر لمحور اتفاق مكة الذي لم تخف تل أبيب امتعاضها من تشكيله.
في كانون الثاني 2026 جرى اجتماع في باريس بين ممثلين عن إسرائيل وسلطة دمشق، حضره أيضاً، بصورة غير مباشرة، وزير الخارجية التركي هكان فيدان. وقتها أعلن الوسيط الأمريكي أنه تم الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق أمني بين دمشق وتل أبيب كان من المفترض أن تحول دون حدوث تطورات من نوع ما حدث في أبو الضهور، أو ما يحدث كل يوم في المنطقة الجنوبية من توغلات عسكرية. أما وقد حدث ما حدث فهو يعني إما أن «الآلية» المذكورة لم تتشكل، أو أن إسرائيل تعيد انتاج طلباتها في ظل الشروط الجديدة التي نشأت عن الحرب على إيران. من جهة أخرى، نتنياهو المقبل على انتخابات ستحدد مصير مستقبله السياسي، تتفتح شهيته أكثر وأكثر فلا يريد أن يلتزم بأي قيود على عدوانيته، سواء في غزة أو الضفة الغربية، أو في لبنان وسوريا. بل إن أحد وزراء حكومته لم يتورع عن تهديد تركيا نفسها بهجوم على إسطنبول!
يمكن أيضاً قراءة الهجوم الإسرائيلي على أبو الضهور بوصفه اختباراً غير مباشر لمحور اتفاق مكة الذي لم تخف تل أبيب امتعاضها من تشكيله. ربما في هذا الباب يمكن قراءة صدور بيان إدانة للهجوم من اثنتي عشرة دولة عربية وإسلامية بينها ثلاثي تحالف مكة.
وعموماً تبدو الدولة التركية، منذ طوفان الأقصى، متمسكة بسياسة الانحناء للريح العاتية القادمة من إسرائيل، ولا يتجلى ذلك فقط في تجنب أي رد على الاستفزازات الإسرائيلية، بل كذلك في العملية السياسية الجارية مع حزب العمال الكردستاني تحت عنوان «تركيا خالية من الإرهاب» التي ما كان لها أن ترى النور لولا مخاوف أنقرة من «وصول إسرائيل إلى الأناضول» على ما عبر أردوغان أكثر من مرة. بل إن بعض المحللين في الإعلام التركي ربطوا الهجوم الإسرائيلي بالتقدم الذي تحقق في العملية السياسية التركية مع «العمال الكردستاني» والتقدم في عملية إدماج قوات سوريا الديمقراطية مع سلطة دمشق، فاعتبروا أن أحد أهدافها هو التخريب على هاتين العمليتين.
في جميع الأحوال، الوضع الإقليمي السيال الذي نجم عن «طوفان الأقصى» لم ينته بعد إلى معادلات استقرار نهائية. إلى أن يحدث ذلك سنواظب على تلقي المفاجآت من «قبضايات الحارة».
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.