تأتي تجربة
الكاتب والروائي الليبي جمال أبو
زيد من منطقة شديدة الخصوصية في
الرواية العربية؛ منطقة تتقاطع فيها الذاكرة
الشخصية مع التاريخ السياسي، وتلتقي فيها تجربة المنفى بأسئلة السلطة والاستبداد
والحرية.
فأبو زيد، القادم من طرابلس الغرب، والضابط
السابق في الدفاع الجوي، والمنشق عن النظام، والذي قادته رحلة المنفى إلى تونس
والمغرب والسعودية قبل أن يستقر في بريطانيا، لم يدخل إلى الرواية من بوابة
التخييل وحده؛ بل حمل إليها شيئًا من سيرة عاشها، وتجربة سلطة عرف بعض آلياتها من
الداخل، ومنفى أعاد من خلاله النظر في بلده وفي العالم العربي من مسافة أكثر
اتساعًا.
في لندن، بعيدًا عن الوطن، اختار أبو زيد أن
يجعل من
القراءة والكتابة مساحة لمواجهة المنفى وتحويل بعض مرارات التجربة إلى
مادة سردية. ومن هنا أخذ مشروعه الأدبي يتشكل تدريجيًا بين الرواية والتاريخ
والتوثيق والشهادة، محاولًا أن يجد لنفسه صوتًا خاصًا داخل مشهد الرواية الليبية،
الذي، على الرغم من غناه وتعدد تجاربه، ظل أقل حضورًا في المشهد العربي العام من
مشاهد روائية عربية أخرى.
ولعل هذا السعي إلى بناء المسار الخاص هو ما
يمنح تجربة أبو زيد أهميتها؛ فهو لا يكتفي بأن يكون روائيًا ليبيًا يكتب عن
ليبيا،
بل يوسّع جغرافيا الرواية إلى قضايا عربية كبرى، ويستخدم التخييل بوصفه وسيلة
لاستعادة التاريخ ومساءلة السلطة وتثبيت ما قد يهدده النسيان.
ومن بين أعماله، تبرز "الشام بين فكي
الوحش" و"سقوط الطاغية" بوصفهما حلقتين واضحتين في هذا المشروع.
ففي الأولى ينصرف السرد إلى تشريح الوحش: كيف تشكلت منظومة الاستبداد السوري، وكيف
تداخل الحزب والجيش والأمن والدعاية والخوف والفساد في إنتاج سلطة بدت عصية على
الانهيار. أما في الثانية، وهي آخر أعماله الروائية، فيتحول السؤال من كيف استولى
الوحش على البلاد؟ إلى سؤال آخر أكثر درامية: كيف يمكن للبلاد أن تستعيد نفسها من
الوحش؟
وبذلك تنتقل الروايتان من سردية الاستبداد
إلى سردية الانهيار؛ من تشريح بنية السلطة إلى توثيق لحظة تصدعها وسقوطها. وإذا
كانت "الشام بين فكي الوحش" تغوص في الذاكرة السورية لتكشف جذور المأساة
ومساراتها، فإن "سقوط الطاغية" تتجه إلى الثورة السورية بوصفها لحظة
استرداد للتاريخ والكرامة والقدرة على الفعل.
ولا يستدعي أبو زيد التاريخ في العملين
بوصفه خلفية محايدة للأحداث، وإنما بوصفه طرفًا في الصراع نفسه. ففي مواجهة سلطة
حاولت احتكار الذاكرة وصياغة التاريخ من منظورها، تستعيد الرواية رموز الشام
وقادتها وشخصياتها التاريخية، وكأنها تعيد وصل الحاضر بماضٍ أوسع من زمن الطاغية.
فالسقوط، في هذا المعنى، لا يتعلق برجل وحده؛ إنه سقوط احتكار الرواية أيضًا،
وانكسار الخوف، واستعادة الحق في تسمية الأشياء والأحداث بعيدًا عن قاموس السلطة.
وهنا تتشكل الثنائية المركزية للعملين: في "الشام
بين فكي الوحش" تبتلع السلطة البلاد، وفي "سقوط الطاغية" تستعيد
البلاد نفسها من السلطة. بين الافتراس والمقاومة، والخوف والتمرد، والصمت والكلام،
يتحرك المشروع الروائي لأبي زيد.
لكن هذه الكتابة تقع، في الوقت نفسه، أمام
سؤال فني لا يمكن تجاهله: أين تنتهي الوثيقة ويبدأ التخييل؟ وكيف تستطيع الرواية
أن تستفيد من التاريخ من دون أن تتحول إلى كتاب تاريخ، وأن تنحاز إلى الضحية من
دون أن تفقد تعقيد الشخصيات والعالم الروائي؟ إنها المعضلة الدائمة للرواية
السياسية والتاريخية، وهي المعضلة التي تمنح تجربة أبي زيد جانبًا مهمًا من قيمتها
النقدية.
فالرجل لا يكتب من موقع المؤرخ المحايد، ولا
يتخفى وراء مسافة باردة من الحدث؛ إنه يكتب من موقع الروائي والشاهد والمنفي
والخصم في آن واحد. ولذلك تأتي كتابته مشحونة بالموقف، ومتصلة بذاكرة الاستبداد
العربي، وبخبرة شخصية تجعل الجيش والسلطة والانقلاب والمنفى موضوعات تتجاوز
المعرفة النظرية إلى التجربة الإنسانية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو "الشام بين
فكي الوحش" و"سقوط الطاغية" مجرد روايتين عن سوريا، وإنما فصلين في
مشروع أوسع يحاول جمال أبو زيد من خلاله أن يجعل الرواية أداة لاستعادة الذاكرة
السياسية العربية. إنه يأتي من ليبيا، لكنه يكتب الشام؛ يكتب عن تجربة سورية، لكنه
يلامس سؤالًا عربيًا يتجاوز الحدود: كيف تتحول الدولة إلى أداة للاستبداد، وكيف
يستعيد الإنسان حقه في الحرية والتاريخ؟
وهنا أيضًا تتحدد أهمية وضع التجربة في سياق
الرواية الليبية. فالمسألة ليست ندرة الإبداع الليبي، وإنما محدودية حضوره في
التداول العربي العام، وهي فجوة تجعل كل محاولة جادة لنقل الصوت الليبي إلى المجال
العربي الأوسع ذات دلالة خاصة. وأبو زيد، من خلال خلفيته العسكرية والسياسية
والمنفى الطويل، يحاول أن ينحت لنفسه مكانًا لا يقوم على تقليد نموذج روائي جاهز،
بل على مزج السيرة والوثيقة والتاريخ والتخييل.
ومن ثم يمكن النظر إلى العملين باعتبارهما
ينتميان إلى منطقة متداخلة بين الرواية السياسية والرواية التاريخية وأدب الشهادة
والمنفى والرواية الوثائقية. وهذه المنطقة، على الرغم من مخاطرها الفنية، تفتح
أمام الرواية وظيفة تتجاوز صناعة الحكاية إلى مساءلة الذاكرة الرسمية، وإعطاء
الأدب قدرة على مقاومة النسيان.
لكن الرهان الأكبر يظل في قدرة الرواية على
تجاوز لحظتها السياسية. فالنص الذي يعيش على راهنية الحدث قد يخفت حين يتراجع
الحدث، بينما يبقى النص الذي يحوّل السياسة إلى سؤال إنساني وتاريخي أوسع. ومن هنا
فإن القيمة الأدبية النهائية لهذين العملين لن تتحدد فقط بمدى دقة استعادتهما
للأحداث، وإنما بقدرتهما على تحويل تلك الأحداث إلى أدب يبقى بعد أن تتغير السياسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن وضع "الشام بين
فكي الوحش" و"سقوط الطاغية" داخل مسار الرواية العربية التي جعلت
من الأدب مساحة لمساءلة السلطة والتاريخ والذاكرة. غير أن خصوصية أبي زيد تكمن في
موقعه المختلف: روائي ليبي يكتب الشام من المنفى، ويحمل معه خبرة عسكرية وذاكرة
سياسية، ويحوّل المسافة الجغرافية إلى أداة للنظر في مصائر العالم العربي.
إنها، في النهاية، رحلة من ليبيا إلى الشام،
ومن التجربة إلى الرواية، ومن تشريح الوحش إلى سقوط الطاغية. وفي هذا القوس السردي
يحاول جمال أبو زيد أن يثبت صوته في الرواية العربية لا بوصفه اسمًا ليبيًا فحسب،
وإنما ككاتب يبحث عن منطقة خاصة بين التاريخ والتخييل، وبين الوثيقة والحكاية،
وبين ذاكرة الطغيان وإمكان الخلاص.
فإذا كانت "الشام بين فكي الوحش"
قد قالت: هكذا تشكل الوحش وابتلع البلاد، فإن "سقوط الطاغية" تقول: حتى
الوحش الذي يبدو أبديًا يمكن أن يسقط. وهنا بالضبط تبدأ القراءة النقدية الحقيقية لتجربة جمال أبو زيد.