رصدت كاميرا “عربي21” إقبالا ملحوظا على معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، الذي انطلقت دورته الحادية عشرة السبت، وسط حضور لافت للعائلات والشباب، وحركة شراء داخل أجنحة دور النشر، في وقت ترك فيه ارتفاع تكاليف المشاركة والشحن والسفر بصمته على خريطة الناشرين المشاركين، ودفع بعضهم إلى ابتكار طرق لتقاسم النفقات وضمان وصول إصداراتهم إلى القراء.
وأظهرت جولة “عربي21” داخل المعرض ازدحاما في عدد من الأجنحة والممرات، وإقبالا على شراء الكتب والمنتجات الثقافية، رغم ارتفاع الأسعار والضغوط المعيشية التي تواجه المقيمين في
تركيا، فيما بدت آثار الغلاء أكثر وضوحا على جانب العرض، وقالت مصادر خاصة في اللجنة المنظمة للمعرض رفضت الإفصاح عن هويتها كونها غير مخولة للحديث مع وسائل الإعلام ل "عربي21” أن عدد كبير من دور النشر شارك في المعرض هذا العام عبر وكلاء وموزعين أو عرض إصداراتها داخل أجنحة دور أخرى في محاولة لتقليص تكاليف المشاركة أو التحايل على الغلاء -بحسب وصف أحد المصادر-.
وانطلقت الدورة الحادية عشرة من المعرض في إسطنبول يوم السبت 15 أغسطس/آب، وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه، بحسب اتحاد الناشرين العرب، فيما تنظم دورة هذا العام الجمعية الدولية لناشري الكتاب العربي في تركيا بالتعاون مع اتحاد الناشرين الأتراك.
ويصنف الموقع الرسمي للمعرض الحدث باعتباره أكبر معرض دولي للكتاب العربي خارج الدول العربية، وأكبر حدث ثقافي عربي في تركيا، مشيرا إلى أنه يستهدف بصورة رئيسية الجاليات العربية المقيمة في البلاد، إلى جانب الأتراك المهتمين باللغة العربية وزوار من الجاليات العربية في أوروبا. ويقول الموقع إن عدد زوار الدورة الماضية بلغ 116 ألفا و432 زائرا.
القراء يشترون رغم الغلاء
ولم تمنع موجة ارتفاع الأسعار الزوار من حمل أكياس الكتب والتنقل بين الأجنحة، إذ أظهرت المشاهد التي رصدتها “عربي21” استمرار عمليات الشراء، إلى جانب تجمع الزوار أمام منصات الكتب والمخطوطات والمنتجات الثقافية المختلفة.
وبدا الحضور العائلي واضحا، مع اصطحاب عدد كبير من الزوار أطفالهم، بينما استقطبت الكتب الدينية والثقافية والأدبية وإصدارات الأطفال اهتمام شرائح مختلفة من الجمهور.
لكن تأثير الغلاء ظهر بصورة مختلفة لدى الناشرين، وقال أحد المصادر إن تكاليف السفر والإقامة ونقل الكتب واستئجار مساحات العرض رفعت الكلفة الإجمالية للحضور المباشر، وهو ما دفع عددا من دور النشر إلى تغيير الطريقة التقليدية للمشاركة.

وأكدت المصادر أن الغلاء غير قواعد مشاركة دور النشر هذا العام، وخلق نموذج يقوم على مشاركة عدد من دور النشر من خلال وكيل واحد، بحيث يتولى الوكيل عرض وبيع إصدارات عدة ناشرين داخل مساحة واحدة، بدلا من تحمل كل دار بصورة منفردة تكاليف جناح مستقل والعاملين والسفر والإقامة.
وأوضحت المصادر أن بعض دور النشر إلى إرسال كتبها ومنتجاتها إلى دور نشر أخرى مشاركة بالفعل في المعرض، من دون إرسال ممثلين عنها إلى إسطنبول، لتظهر في الجناح الواحد إصدارات تعود إلى أكثر من ناشر.
ويسمح هذا النموذج - وفق المصادر- بتوزيع تكاليف المشاركة على أكثر من جهة، ويمنح الناشرين الذين يصعب عليهم تحمل كلفة الحضور المباشر فرصة للوصول إلى سوق الكتاب العربي في تركيا، لكنه يجعل عدد الأجنحة أو دور النشر الموجودة فعليا في القاعة أقل تعبيرا عن عدد الناشرين الذين تصل كتبهم إلى المعرض.
وكانت اللجنة المنظمة قد فتحت التسجيل للدورة الحالية خلال الفترة من الأول إلى 15 يونيو/حزيران، وحددت الأول من يوليو/تموز الماضي موعدا أخيرا لتسليم الشحنات القادمة من مصر ولبنان، في مؤشر على الأعباء اللوجستية التي تسبق وصول الكتب إلى إسطنبول.
يذكر أن الدورة العاشرة في 2025 شهدت مشاركة نحو 300 دار نشر من أكثر من 20 دولة، بحسب وكالة الأناضول، ما يجعل نمط المشاركة في الدورة الجديدة مؤشرا مهما على تأثير ارتفاع النفقات على قدرة الناشرين على الحضور المباشر.
حضور سوري لافت
وبرز في الدورة الحالية للمرة الأولى جناح خاص بوزارة الثقافة السورية، وشهد الجناح تفاعلا واسعا من زوار المعرض، ولا سيما السوريين المقيمين في تركيا.
واستقطب الجناح الزوار بما ضمه من كتب ومنتجات ومعروضات ثقافية وتراثية، في حضور رسمي سوري يضيف بعدا جديدا إلى المشاركة السورية في المعرض، بعد سنوات كان فيها حضور الكتاب السوري يعتمد بصورة أكبر على دور النشر والمؤسسات الخاصة.
وأظهرت جولة “عربي21” إقبالا على الجناح السوري وتجمع الزوار داخله، في وقت يشكل فيه السوريون إحدى أكبر شرائح الجمهور العربي المقيم في تركيا، ما يمنح المشاركة الثقافية السورية في المعرض مساحة خاصة.
وسجل الحضور الفلسطيني حضورا بارزا داخل أروقة المعرض، من خلال أجنحة ومؤسسات عرضت كتبا ومنتجات ومواد مرتبطة بالتراث والقضية الفلسطينية.
وظهرت الأعلام والرموز الفلسطينية داخل عدد من الأجنحة، إلى جانب صور شهداء قادة المقاومة الفلسطينية ومواد تراثية، فيما استقطبت بعض المنصات الزوار بمنتجات تتجاوز الكتاب التقليدي إلى المعروضات والهدايا والمواد الثقافية. ويشير تنوع المعروضات إلى اتساع وظيفة المعرض من سوق لبيع الكتب إلى مساحة تجمع مؤسسات ثقافية واجتماعية ومدنية إلى جانب دور النشر.
المخطوطات تجذب الزوار
ولفتت معروضات المخطوطات والنسخ الفنية من المصاحف والكتب القديمة أنظار الزوار، وخصصت بعض المساحات لعرض نماذج من فنون الكتاب والخط والزخرفة، ما أضاف إلى المعرض جانبا بصريا وتراثيا إلى جانب نشاط بيع الإصدارات الحديثة.
كما حضرت المنتجات المرتبطة بالثقافة العربية والإسلامية، والأعمال الفنية والمجسمات، لتتحول بعض الأجنحة إلى مساحات عرض ثقافي تتجاوز الشكل التقليدي لمعارض الكتب.
ندوات على هامش المعرض
ولم تقتصر الحركة داخل المعرض على شراء الكتب، إذ شهدت القاعات ندوات وجلسات حوارية وفعاليات ثقافية استقطبت جمهورا متفاوتا، بالتوازي مع حركة الزوار بين الأجنحة.
ويتضمن البرنامج الثقافي للمعرض لقاءات فكرية وندوات وفعاليات وتوقيعات للكتب، وهي أنشطة اعتادت إدارة المعرض تنظيمها إلى جانب الجانب التجاري المتعلق بالنشر والبيع. وكانت اللجنة المنظمة قد أكدت قبل انطلاق الدورة أن البرنامج