تراقب المحافل الإسرائيلية
بقلق التطورات الأخيرة في مفاوضات الولايات المتحدة وإيران، وما يصاحبها من تصعيدات
عسكرية متناوبة، وحصار بحري، ومناورات دبلوماسية معقدة حول
مضيق هرمز، باعتبارها نقطة
تحول حاسمة في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط، مما يكشف عن استراتيجية
إيرانية جديدة
تتمثل باستغلال سيطرتها الفعلية على المضيق، للحصول على تخفيف كبير من العقوبات الأمريكية
المالية والمصرفية والطاقة.
وذكرت خبيرة الشؤون
الإيرانية بمركز القدس للشؤون الخارجية والأمن، وعضو منتدى ديبورا، آيالا روزنبيرغ،
أن "التداعيات الاستراتيجية على إسرائيل من هذه التطورات أشدّ وطأة، حيث يكشف
المسار الأمريكي الإيراني في عُمان، وما تبعه من تقارب اقتصادي بين الخليج وإيران،
عن خلل تاريخي وجوهري في تحليل المخاطر، لأنه لسنوات، استند التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي،
كما تجلّى في "اتفاقيات أبراهام" والتنسيق الأمني المستمر مع واشنطن، إلى
افتراض أن الخوف العربي الإسرائيلي المشترك من إيران سيُشكّل تحالفًا إقليميًا دائمًا".
وأضافت في مقال
نشرته
القناة 12، وترجمته "عربي21" أن "إسرائيل افترضت في نظرتها للمخاطر
أن التفوق العسكري، والهيمنة الاستخباراتية، والنفوذ الأمريكي، سيُبقي إيران ضعيفة
اقتصاديًا ومعزولة دبلوماسيًا للأبد، بينما ستتحالف دول الخليج العربية حتمًا مع تل
أبيب على جبهة أمنية مشتركة، وكان هذا النموذج معيبًا جوهريًا في تقييم مدى تقبّل المخاطر
والأولويات الاستراتيجية لأنظمة دول الخليج، فبينما يرتكز اهتمام إسرائيل على الاعتبارات
العسكرية والوجودية، تعمل تلك الأنظمة انطلاقًا من الاعتبارات الاقتصادية والتنموية".
وأشارت أن "التقييم
الاستراتيجي الإسرائيلي متأخر عن الواقع الإقليمي، فبينما تنجح إيران بتحويل الوصول
لمضيق هرمز إلى تخفيف العقوبات، والاندماج في توافق اقتصادي شامل، تجد إسرائيل نفسها
معزولة بشدة خارج هذا التكتل الجيو-اقتصادي الجديد، أما دول الخليج، التي أمّنت حدودها
البحرية وطرقها التجارية باتفاقيات ثنائية وجماعية مع طهران، فليس لديها حافز يُذكر
للانضمام للمبادرات الإسرائيلية، أو دعمها، وقد تُهدد استقرارها".
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت أنه "نتيجة
لذلك، تبقى إسرائيل خارج منطقة الشرق الأوسط المتغيرة، حيث استغلت إيران مزاياها الجغرافية
عبر عُمان لكسر الحصار الأمريكي، وتشكيل تحالف إقليمي قوي في مجال الطاقة مع دول مجلس
التعاون الخليجي، وترسيخ مكانتها كقوة مهيمنة لا تُنازع في النظام الإقليمي، لأنه من
خلال ربط فتح هذا الشريان البحري الحيوي، واستقراره، وهو ممر يمر عبره نحو ربع تجارة
النفط المنقولة بحراً، وخُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم، يتم التخفيف من العزلة
الاقتصادية الخانقة لإيران التي تُنفذ استراتيجية محسوبة".
وأضاف أنه "بعيداً
عن كونه حل وسط تجاري بسيط بشأن حرية الملاحة، فإن الإطار الدبلوماسي الإيراني مع عُمان
بشأن مضيق هرمز مصمم لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية الإقليمية بشكل منهجي، وبموجب
هذا التصميم الاستراتيجي، لا يُعد تخفيف العقوبات المالية وعقوبات الطاقة مجرد هدف
نهائي لتحقيق انفراجة داخلية في إيران، بل هو حافز مصمم لإجبار
دول مجلس التعاون الخليجي
على تحالف جيو-اقتصادي متجدد وعميق بعيدا عن إسرائيل".
وأشار أنه "من
خلال إظهار أن أمن الطاقة الإقليمي، والنقل البحري، والاستقرار الاقتصادي الكلي مرتبطة
ارتباطاً وثيقاً بالتوافق الإيراني، تضغط طهران على دول الخليج العربية المجاورة للابتعاد
عن اعتمادها الأمني التقليدي على واشنطن، والتوجه نحو اتحاد إقليمي متكامل فعلياً
في مجال النفط والاقتصاد، وفي هذا النموذج الناشئ، تُرسّخ إيران مكانتها كمستفيد رئيسي
وحكم إقليمي، متجاوزةً بذلك السياسة الخارجية الأمريكية، وعازلةً إسرائيل عن التوافق
الاقتصادي الإقليمي الجديد".
وأضافت أنه "لفهم
كيفية تطور هذه الديناميكية، لابد من دراسة آليات أزمة مضيق هرمز والمفاوضات اللاحقة
بين الولايات المتحدة وإيران عقب الاشتباكات العسكرية أوائل 2026، فعندما اندلعت مواجهة
حادة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كان الرد الفوري للأخيرة تعطيل حركة الملاحة
البحرية في مضيق هرمز وخليج عُمان، مما تسبب في صدمة تاريخية لإمدادات الطاقة العالمية
وأسواق السلع".
وأوضحت أن "المحادثات
متعددة المراحل التي تلت ذلك، وتوسطت فيها عُمان والشركاء الإقليميون في كثير من الأحيان،
كشفت عن حقيقة هيكلية مستمرة، أنه لا يمكن للضربات العسكرية والانتشار البحري تأمين
حركة ناقلات النفط التجارية بشكل دائم دون تسوية دبلوماسية وسياسية جوهرية مع طهران،
التي طرحت في محادثات جرت مؤخراً إطاراً للتعاون مع عُمان لإنشاء ممر تشغيلي جديد ونظام
عبور في المضيق، في إشارة لرغبة صريحة في استعادة اليقين والاستقرار لأسواق الطاقة
العالمية".
وأشارت أنه "على
مدى أكثر من أربعة عقود، لاسيما في عصر الضغط الأقصى وسياسة الاحتواء، كان الهدف الأسمى
للاستراتيجية الأمريكية هو عزل إيران اقتصاديًا، والحد من نفوذها الإقليمي، والحفاظ
على واشنطن كضامن لا منازع له للأمن البحري في الخليج العربي، لكن المسار الحالي يُقوّض
هذه الركائز للكثير من الأسباب".
وأضافت أن "السبب
الأول يكمن في التخلي عن التنازلات المالية وشرعية صادرات النفط مقابل استقرار مضيق
هرمز، مما يُضفي شرعية فعلية على عقيدة طهران البحرية غير المتكافئة، مُبرهنةً على
إمكانية احتواء الضغوط الاقتصادية العالمية بنجاح عبر السيطرة على نقاط الضعف البحرية".
وختمت بالقول إن
"السبب الثاني يتمثل في أن نموّ وضع اقتصادي خليجي مستقل يشمل إيران سيؤدي لتآكل
الهيمنة الأمريكية على صنع القرار الإقليمي، وبدلًا من عزل إيران، دفعت السياسة الأمريكية،
دون قصد، شركاءها الخليجيين التقليديين نحو حلول وسط اقتصادية، تاركةً واشنطن تواجه
تبعات دولة إيرانية غير قابلة للاحتواء، ومُعادٍ تأهيلها اقتصاديًا".