كشفت دراسة علمية
حديثة أن الحفاظ على سرعة المشي مع التقدم في العمر قد يكون أحد المؤشرات المهمة
على
صحة الدماغ، بعدما أظهرت النتائج أن
كبار السن الذين يتمتعون بسرعة مشي أعلى
من أقرانهم .
أكدت صحيفة
الغارديان، في تقرير للكاتبة غريتشن رينولدز، أن دراسة علمية
جديدة كشفت أن الأشخاص الذين يُعرفون بـ"المشاة فائقي السرعة" — وهم كبار
السن القادرون على المشي بسرعة تفوق بشكل واضح سرعة أقرانهم — تقل لديهم احتمالات الإصابة
بالتدهور المعرفي بما يقارب النصف. كما أوضحت الصحيفة أنه حتى في حال تعرضهم لمشكلات
تتعلق بالتفكير أو الذاكرة، فإن تطور هذه المشكلات يكون في العادة أبطأ مقارنة بغيرهم.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الدراسة، التي نُشرت خلال شهر يوليو/تموز في دورية Neurology،
استندت إلى أبحاث سابقة تناولت هذه الفئة من كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 80 عاما
أو أكثر، والذين يمشون بوتيرة تضاهي سرعة أشخاص في الخمسينيات من العمر. وبينت أن الدراسات
السابقة ربطت بين سرعة المشي الفائقة وبين التمتع بصحة أفضل، وإطالة العمر، وبطء مظاهر
الشيخوخة مقارنة بمن يمشون بوتيرة أبطأ.
وتابعت أن الدراسة
الجديدة، التي شملت ما يقرب من خمسة آلاف رجل وامرأة من كبار السن، وسعت نطاق هذه الفوائد
لتشمل صحة الدماغ، بعدما أظهرت أن أدمغة "المشاة فائقي السرعة" تعمل بكفاءة
أعلى ولمدة أطول مقارنة بأدمغة الأشخاص الذين يسيرون ببطء.
ولفتت الصحيفة إلى
تصريحات ميشيل ميلكي، رئيسة قسم الوبائيات والوقاية بجامعة "ويك فورست"،
التي رأت أن انخفاض خطر الإصابة بالتدهور المعرفي لدى "المشاة فائقي السرعة"
يبدو أمرا منطقيا، مشيرة إلى أنها سبق أن أجرت أبحاثا عن العلاقة بين سرعة المشي والصحة،
لكنها لم تشارك في الدراسة الجديدة.
وأضافت أن نتائج الدراسة
تمثل دافعا جديدا للحفاظ على النشاط البدني أو البدء في ممارسته مع التقدم في العمر،
لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول ما إذا كان
المشي السريع يحدث بالفعل تغيرات
في أدمغة كبار السن، وكيف يحدث ذلك، وما إذا كان لا يزال بالإمكان اكتساب هذه الفوائد
في مراحل عمرية متقدمة.
وأوضحت الصحيفة أن
العلماء لاحظوا منذ عقود وجود ارتباط قوي بين بطء المشي أو اضطرابه لدى كبار السن وبين
تراجع الصحة العامة، وقصر العمر، وارتفاع احتمالات الإصابة بالخرف. ونقلت عن جو فيرغيس،
رئيس قسم طب الأعصاب في كلية "رينيسانس" للطب بجامعة "ستوني بروك"
في نيويورك والمؤلف الرئيسي للدراسة، قوله إن العلاقة بين اضطرابات المشي وارتفاع خطر
الإصابة بالضعف المعرفي معروفة منذ أكثر من عشرين عاما، بل إن تباطؤ سرعة المشي قد
يكون مؤشرا مبكرا على مشكلات معرفية مستقبلية قبل ظهور أعراضها بسنوات.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن فيرغيس
وفريقه سعوا إلى دراسة الجانب المقابل لهذه الفرضية، من خلال تحليل بيانات مستمدة من
عدة دراسات صحية وقواعد بيانات عالمية تخص كبار السن، شملت نحو خمسة آلاف مشارك تبلغ
أعمارهم 80 عاما أو أكثر، خضعوا لاختبارات للقدرات الإدراكية وسرعة المشي، إضافة إلى
تصوير الدماغ لدى بعضهم.
وأضافت الصحيفة أن
الباحثين صنفوا المشاركين وفقا لسرعة المشي، وحددوا الأشخاص الذين تجاوزت سرعتهم المعدل
الطبيعي بمقدار 1.5 انحراف معياري، وهو ما وضعهم ضمن أسرع 5 إلى 8 بالمائة من المشاركين،
حيث كانت سرعة معظمهم مماثلة لسرعة أشخاص يصغرونهم بنحو 30 إلى 40 عاما.
وأكدت أن تحليل البيانات
وصور الدماغ كشف أن "المشاة فائقي السرعة" يتمتعون بخصائص دماغية مختلفة،
إذ انخفضت احتمالات إصابتهم بضعف إدراكي خلال نحو خمس سنوات من بدء مشاركتهم في الدراسات
الصحية بنسبة تجاوزت 48% مقارنة بمن يمشون ببطء، حتى بعد مراعاة عوامل العمر والجنس
وبعض أنماط الحياة.
وأشارت إلى أنه في
حال ظهور مؤشرات على
التدهور المعرفي لدى هؤلاء الأشخاص، فإن الحالة كانت تتطور بوتيرة
أبطأ. كما أظهرت الفحوصات أن لديهم حجما أكبر في منطقة "الحُصين" (Hippocampus)،
وهي المنطقة الرئيسية المسؤولة عن الذاكرة.
وتابعت الصحيفة أن
فيرغيس أوضح أن هذه النتائج تشير إلى أن المشي السريع قد يؤثر بطريقة ما في صحة أدمغة
كبار السن، موضحا أن المشي في الحياة اليومية يتطلب انتباها مقسما، حيث يعالج الدماغ
باستمرار معلومات متعددة تتعلق بالحركة، وتحديد الاتجاه، والتعامل مع الأرض غير المستوية،
والازدحام، وحركة المرور، وغيرها من المشتتات، وهو ما يجعل المشي السريع تحديا ذهنيا
قد يسهم في تعزيز صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
وأضافت أن العضلات
النشطة أثناء المشي تفرز مواد كيميائية حيوية تنتقل عبر مجرى الدم إلى الدماغ، وتساعد
في تحفيز عمليات تعزز صحة الخلايا العصبية ووظائفها.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الدراسة تضمنت عددا من القيود، أبرزها عدم قدرة الباحثين على التحكم في جميع العوامل
المتعلقة بالحالة الصحية وأنماط الحياة للمشاركين، إذ ربما كان هؤلاء الأشخاص يتمتعون
بصحة جيدة نتيجة قلة الأمراض، أو التغذية السليمة، أو العوامل الوراثية، أو ارتفاع
الدخل، أو الدعم الاجتماعي، أو مزيج من هذه العوامل، وهو ما قد يكون السبب الحقيقي
وراء تمتعهم بصحة دماغية أفضل، وليس المشي السريع وحده.
وأضافت أن الدراسة
لم توضح أيضا متى أو كيف أصبح هؤلاء الأشخاص من "المشاة فائقي السرعة"، أو
ما إذا كان توقيت اكتساب هذه العادة يلعب دورا في النتائج. ونقلت عن ألكسندرا وينبيرغ،
عالمة الأوبئة في معهد كارولينسكا، ترجيحها أن يكون هؤلاء الأشخاص أكثر نشاطا بدنيا
منذ مراحل عمرية مبكرة، مؤكدة أنه لا يمكن الجزم استنادا إلى هذه الدراسة وحدها بإمكانية
تحول شخص في الثمانين من عمره إلى "متحرك فائق السرعة"، أو أن الأفضل هو
البدء في المشي السريع قبل ذلك بسنوات.
اظهار أخبار متعلقة
واختتمت الصحيفة بالإشارة
إلى أن فيرغيس شدد، رغم هذه القيود، على أن الرسالة الأساسية للدراسة تظل واضحة، وهي
ضرورة الحفاظ على النشاط البدني مهما كان العمر. وأوضح أنه يمارس الرياضة بشكل شبه
يومي منذ بلوغه الأربعين من عمره، ويبلغ حاليا 61 عاما، مؤكدا أن المشي يعد وسيلة سهلة
لممارسة النشاط البدني، ويمكن لمعظم الأشخاص القيام به وفقا لقدراتهم. كما نصح باستشارة
الطبيب عند وجود مشكلات صحية، ثم البدء تدريجيا، ومع الاعتياد على المشي، زيادة السرعة
والمسافة تدريجيا مقارنة بالأسبوع السابق، باعتبار ذلك خطوة أولى نحو أن يصبح الشخص
من "المشاة فائقي السرعة".