تضخم غذائي يلوح في الأفق.. الحروب والطقس يهددان الأسواق العالمية

من مضيق هرمز إلى حقول القمح.. كيف تدفع الحروب العالم نحو تضخم غذائي جديد؟ - cc0
من مضيق هرمز إلى حقول القمح.. كيف تدفع الحروب العالم نحو تضخم غذائي جديد؟ - cc0
شارك الخبر
تتجه أسواق الغذاء العالمية نحو مرحلة جديدة من الضغوط، مع تحذيرات أممية من موجة ارتفاع واسعة في أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر المقبلة، مدفوعة بتداخل أزمات جيوسياسية ومناخية تهدد سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي حول العالم.

وفي وقت لم تتعاف فيه الأسواق بالكامل من تداعيات اضطرابات الأعوام الماضية، يرى خبراء أن حرب الولايات المتحدة على إيران وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا، واشتداد ظاهرة "النينيو"، تمثل عوامل متزامنة قد تدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع مجددا اعتبارا من نهاية العام الجاري، مع توقعات بأن تتفاقم الأزمة خلال عام 2027، بحسب تصريحات كبير الاقتصاديين في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، ماكسيمو توريرو، لوكالة رويترز.

حذر كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، ماكسيمو توريرو، من أن العالم يقف على أعتاب موجة جديدة من تضخم أسعار الغذاء، نتيجة التداخل بين الحرب في إيران، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والتغيرات المناخية المرتبطة بظاهرة "النينيو"، وهي عوامل تضغط في الوقت نفسه على الطاقة والإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد، بحسب وكالة رويترز.

وأوضح توريرو أن أسعار المواد الغذائية، التي كانت أحد أبرز محركات التضخم العالمي خلال عام 2022، حافظت على قدر من الاستقرار خلال الفترة الماضية، إلا أن هذا الهدوء لن يستمر طويلا، مع ارتفاع أسعار النفط الخام، ونقص الأسمدة، وتراجع إمدادات الديزل، فضلا عن سوء الأحوال المناخية التي تهدد المحاصيل الزراعية.

وقال في مقابلة مع رويترز: "أتوقع أن يبدأ ارتفاع أسعار السلع الأولية بشكل أكبر الآن، وستبدأ زيادة أسعار المواد الغذائية بحلول نهاية العام، ومن المؤكد أنها سترتفع أكثر العام المقبل".

وأضاف أن انتقال تأثير ارتفاع أسعار المواد الأولية إلى أسعار الغذاء التي يدفعها المستهلك يحتاج عادة إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، ما يعني أن الأسواق قد تبدأ في الشعور بالتداعيات مع اقتراب نهاية عام 2026.

اظهار أخبار متعلقة



مضيق هرمز في قلب أزمة الغذاء

يرى توريرو أن أحد أهم مصادر القلق يتمثل في حالة عدم اليقين التي تحيط بمضيق هرمز، الذي يمثل شريانا أساسيا لتجارة النفط والغاز العالمية، موضحا أن أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الغذاء.

وقال: "يمثل مضيق هرمز مشكلة تؤثر على جميع مدخلات السلع والنظم الزراعية"، موضحا أن النفط يستخدم في تشغيل معدات الزراعة، وعمليات الضخ، والتعبئة، والتصنيع، والنقل، بينما يعد الغاز الطبيعي المادة الأساسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية.

وتتزامن هذه الضغوط مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في روسيا نتيجة الحرب الأوكرانية، وهو ما أدى إلى تقليص صادرات الغاز الطبيعي والديزل، وهما عنصران أساسيان في الإنتاج الزراعي، بحسب رويترز.

ويرى خبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس في النهاية على جميع مراحل سلسلة الإنتاج الغذائي، بدءا من الزراعة وانتهاء بالنقل والتوزيع، وهو ما يرفع أسعار السلع الغذائية حتى في الدول التي لا ترتبط مباشرة بالصراعات العسكرية.

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أسعار الطاقة مرشحة للارتفاع بنحو 24 بالمئة خلال عام 2026 نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 19 بالمئة خلال تموز/ يوليو الماضي، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الأسمدة، التي تعتمد بصورة أساسية على الغاز الطبيعي.

وتوضح "الفاو" أن ارتفاع أسعار الأسمدة يدفع كثيرا من المزارعين إلى تقليل استخدامها، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل في المواسم اللاحقة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء العالمية.

كما أدى نقص الديزل إلى زيادة تكاليف تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحاصيل والمنتجات الغذائية، لتتحمل الأسواق والمستهلك النهائي العبء الأكبر لهذه الزيادات، بحسب رويترز.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج الحبوب العالمي خلال موسم 2026-2027 مرشح للتراجع بنحو 2 بالمئة، ليبلغ نحو 2.98 مليار طن، مقارنة بأكثر من ثلاثة مليارات طن في الموسم السابق.

ويتوقع أن يسجل القمح أكبر نسبة انخفاض بين الحبوب الرئيسية، مع تراجع الإنتاج بنحو 4.3 بالمئة ليصل إلى 806.5 ملايين طن، نتيجة موجات الجفاف المرتبطة بظاهرة "النينيو".

كما ترجح المنظمة انخفاض إنتاج الأرز العالمي بنحو 1.8 بالمئة، في وقت تمثل فيه الهند وحدها نحو 40 بالمئة من تجارة الأرز العالمية، ما يجعل أي اضطراب في إنتاجها عاملا مؤثرا في الأسعار الدولية.

اظهار أخبار متعلقة



دول في قلب الأزمة

لم تعد المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار الغذاء مجرد توقعات نظرية، إذ بدأت تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والتغيرات المناخية تنعكس بالفعل على الإنتاج الزراعي في عدد من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للحبوب، وسط تحذيرات من أن موسم 2027 قد يشهد تراجعا أكبر في المعروض العالمي، وفقا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" والبنك الدولي وتقارير رويترز.

أستراليا.. انخفاض الإنتاج بأكثر من الخمس

تعد أستراليا من أبرز مصدري الحبوب في العالم، إلا أنها تواجه هذا العام تراجعا ملحوظا في إنتاج المحاصيل الشتوية، حيث تشير بيانات "الفاو" إلى انخفاض متوقع بنحو 21 بالمئة مقارنة بالمواسم السابقة.

ويرجع هذا التراجع إلى اجتماع عدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب الجفاف المرتبط بظاهرة "النينيو"، ما أدى إلى هبوط الإنتاج إلى مستويات تقل عن متوسط السنوات الخمس الماضية.

ويؤكد خبراء أن ارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية أجبر العديد من المنتجين على تقليص المساحات المزروعة أو خفض استخدام الأسمدة، وهو ما انعكس مباشرة على الإنتاجية.

الهند.. أمطار أقل وأسعار أرز أعلى

تواجه الهند، التي تستحوذ على نحو 40 بالمئة من تجارة الأرز العالمية، ضغوطا متزايدة بسبب تأخر موسم الأمطار الموسمية، في وقت تحذر فيه الأرصاد الجوية من استمرار انخفاض معدلات الهطول خلال الأشهر المقبلة.

وتشير البيانات إلى أن مناطق واسعة في جنوب الهند سجلت عجزا في الأمطار بلغ نحو 26 بالمئة مقارنة بالمعدل الطبيعي، بينما تجاوز العجز في ولاية أندرا براديش 40 بالمئة، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن حجم محصول الأرز في الموسم الحالي.

وبدأت هذه المخاوف تنعكس بالفعل على الأسواق المحلية، إذ ارتفعت أسعار الأرز في بعض الولايات الهندية بنحو 14 بالمئة بين أيار/ مايو وتموز/ يوليو، بحسب بيانات نقلتها وسائل إعلام دولية.

ورغم امتلاك الهند مخزونات استراتيجية ضخمة من الأرز تقدر بأكثر من 68 مليون طن، أي ما يعادل خمسة أضعاف الحد الأدنى المطلوب للاحتياطي، فإن خبراء يرون أن استمرار ضعف الأمطار قد يدفع نيودلهي إلى فرض قيود جديدة على التصدير، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة في الأسعار العالمية.

الولايات المتحدة تغير أولوياتها الزراعية

في الولايات المتحدة، دفعت الزيادة الحادة في أسعار الأسمدة والطاقة كثيرا من المزارعين إلى إعادة النظر في خططهم الزراعية.

وبحسب تقارير رويترز واتحاد المكاتب الزراعية الأمريكي، اتجه عدد متزايد من المنتجين إلى تقليص زراعة القمح والذرة، والتوسع في زراعة فول الصويا، باعتباره أقل استهلاكا للأسمدة النيتروجينية مرتفعة الثمن.

كما حذر اتحاد المزارعين الأمريكيين من أن خسائر القطاع الزراعي قد تصل إلى 32 مليار دولار بحلول عام 2027، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الربح.

ويرى الخبراء أن هذه التحولات قد تؤدي إلى انخفاض إضافي في إنتاج الحبوب عالميا إذا استمرت الظروف الحالية.

اظهار أخبار متعلقة



حلقة تضخم تمتد من الحقول إلى المستهلك

ولا تقتصر آثار ارتفاع أسعار النفط والغاز على المزارعين فقط، بل تمتد إلى مختلف حلقات سلسلة الغذاء.
فزيادة أسعار الوقود ترفع تكلفة تشغيل الجرارات والمعدات الزراعية، كما تزيد من تكاليف نقل المحاصيل وتشغيل مصانع التعبئة والتغليف، في حين يؤدي ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة تكلفة إنتاج الأسمدة، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع الغذائية في الأسواق.

ويؤكد البنك الدولي أن هذه الحلقة التضخمية قد تستمر لأشهر عدة، حتى في حال تراجع أسعار النفط لاحقا، نظرا لأن انتقال أثر ارتفاع التكاليف إلى أسعار الغذاء يحتاج عادة بين ثلاثة وستة أشهر.

وتحذر "الفاو" من أن الدول النامية ستكون الأكثر تضررا من موجة الغلاء المرتقبة، لأنها تعتمد بصورة كبيرة على استيراد الحبوب والزيوت والمواد الغذائية الأساسية، في وقت تعاني فيه من محدودية الموارد المالية وارتفاع تكاليف النقل.

كما تشير المنظمة إلى أن 41 دولة وإقليما، من بينها 31 دولة إفريقية، ستحتاج إلى مساعدات غذائية خارجية إذا استمرت الظروف الحالية، نتيجة تداخل آثار الحروب مع التغيرات المناخية وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي.
التعليقات (0)