تشهد
إيران تصاعدا غير مسبوق في الضغوط الداخلية والخارجية، في وقت تتسع فيه دائرة الحرب التي تخوضها مع الولايات المتحدة لتنعكس على المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي داخل البلاد، وسط تحذيرات من أن الجمود الدبلوماسي وتفاقم الأزمات المعيشية قد يدفعان الجمهورية الإسلامية نحو مرحلة أكثر اضطرابا.
وفي تقرير نشرته صحيفة "
الغارديان"، أعده المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور، أكد أن إيران لا تواجه جبهة عسكرية واحدة فحسب، بل تخوض معارك متوازية تشمل الاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، والانقسامات السياسية، والاحتجاجات الاجتماعية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الموجهة لوسائل الإعلام الرسمية والمؤسسات الحكومية.
يرى وينتور أن أخطر ما تواجهه إيران حاليا يتمثل في حالة انعدام الثقة المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة، حيث لم يعد أي من الطرفين يثق بالتزام الآخر بأي اتفاق محتمل، وهو ما أدى إلى تعثر المسار الدبلوماسي مع اتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات إقليمية أخرى، بينها اليمن والعراق ومصر.
وأضاف أن هذا الواقع عزز نفوذ التيار المتشدد داخل إيران، الذي بات أكثر قدرة على توظيف الحرب الخارجية في إدارة الصراعات الداخلية.
وفي المقابل، لم تتخل بعض الدوائر داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب شخصيات معارضة مثل رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، عن قناعتها بأن النظام الإيراني يقترب من الانهيار، إلا أن مشاهد المشاركة الواسعة في تشييع المرشد الأعلى الراحل علي
خامنئي، بحسب التقرير، أظهرت صورة مختلفة عن تماسك نسبي، وإن كان هشا.
اظهار أخبار متعلقة
بيزشكيان يحذر من فقدان الثقة الشعبية
وفي خضم هذه التطورات، يواصل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان التحذير من أن الأسباب التي فجرت احتجاجات كانون الثاني/يناير لا تزال قائمة.
ونقل التقرير عنه قوله خلال اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء إن إيران تخوض "حربا شاملة"، موضحا أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل تشمل الاقتصاد والمجتمع، مضيفا أن استمرار تآكل الثقة الشعبية قد يؤدي إلى فقدان "رأس المال الاجتماعي" الذي تستند إليه الدولة.
ويشير التقرير إلى أن آثار الحرب والأزمة
الاقتصادية باتت واضحة في تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين.
واستشهد بما كتبته الناشطة الحقوقية غولشان فتحي، التي وصفت يوم المواطن الإيراني بأنه يبدأ بخبر إعدام، ثم انقطاع للكهرباء، يليه انقطاع للمياه، لينتهي بالخوف من الحرب والظلام.
وأضافت، بحسب "الغارديان"، أن الإيرانيين لم يعودوا يعيشون حياتهم، بل باتوا "يتدربون على التحمل"، في انتظار الأزمة التالية.
معارضة متزايدة للحرب
وتتزايد داخل إيران الأصوات الرافضة لاستمرار الحرب، سواء من داخل السجون أو عبر الاحتجاجات الشعبية، خصوصا مع تصاعد الإعدامات العلنية التي أثارت انتقادات واسعة.
وأشارت الصحيفة إلى أن أذر منصوري، القيادية الإصلاحية المقربة من الرئيس بيزشكيان، حذرت خلال اجتماع للجبهة الإصلاحية من محاولات المتشددين تصوير أي اتفاق مع الولايات المتحدة باعتباره هزيمة.
وقالت إن الحرب لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تدمر الاقتصاد، وتزيد الفقر، وتدفع النخب إلى الهجرة، وتهدد مستقبل البلاد.
كما وقع 268 ناشطا إيرانيا بيانا بعنوان "لا نريد حربا"، طالبوا فيه بعرض قرار استمرار الحرب على استفتاء شعبي، فيما وقع أكثر من ألف ناشط مقرب من الرئيس الأسبق محمد خاتمي رسالة أخرى أكدوا فيها أن "الحرب لا رابح فيها"، داعين إلى منح الدبلوماسية فرصة جديدة.
ورغم هذه الدعوات، يوضح التقرير أن التيار المتشدد يواصل تعزيز نفوذه، ليس عبر البرلمان فقط، بل من خلال ما يوصف بـ"الدولة العميقة"، التي تضم مؤسسات عسكرية وأمنية ومراكز نفوذ مرتبطة بمكتب المرشد.
ويضيف أن غياب خامنئي عن المشهد العلني خلال الأشهر الأخيرة زاد من الغموض بشأن الجهة التي تحسم الجدل حول مستقبل المفاوضات مع واشنطن.
كما أشار إلى أن المتشددين يواصلون استهداف المقاهي والمراكز الثقافية ذات الطابع الليبرالي، باعتبارها فضاءات اجتماعية تتعارض مع رؤيتهم المحافظة.
اظهار أخبار متعلقة
أزمة داخل الإعلام الرسمي
وتطرق التقرير إلى الأزمة المتصاعدة بين الحكومة وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، التي تواجه اتهامات بالانحياز الكامل للتيار المتشدد.
وذكرت صحيفة "جمهوري إسلامي" المحافظة أن الهيئة أصبحت تعتمد خطابا يقوم على "انتهاك كرامة الخصوم السياسيين"، فيما اتهمتها الحكومة برقابة كلمات الرئيس بيزشكيان وتشويه أداء السلطة التنفيذية.
وأكدت الحكومة، في بيان نقلته الصحيفة البريطانية، أن الإعلام الرسمي يجب أن يكون "صوتا للوحدة الوطنية"، لا منصة لتقويض الحكومة.
ورغم ذلك، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أقل من 12 بالمئة من الإيرانيين ما زالوا يتابعون التلفزيون الرسمي، وهو ما يدفع مزيدا من المواطنين إلى متابعة القنوات الأجنبية.
ويرى التقرير أن الأزمة الاقتصادية تمثل أخطر التحديات التي تواجه النظام الإيراني حاليا.
فقد حذر رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، ماجد رضا حريري، من احتمال اللجوء إلى تقنين المواد الغذائية خلال الأشهر المقبلة، بينما أعلن نائب وزير العمل غلام حسين محمدي فقدان أكثر من مليون وظيفة نتيجة الحرب.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بصورة غير مسبوقة، حيث بلغ معدل التضخم السنوي في أسعار الغذاء 134 بالمئة خلال تموز/يوليو، بينما وصل معدل التضخم العام إلى 84 بالمئة، وفقا للصحيفة.
وأدى ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر الإيرانية، وإجبار ملايين المواطنين على تغيير أنماط استهلاكهم، مع ارتفاع أسعار الفاكهة والبيض والدجاج والسلع الأساسية. كما أظهرت بيانات رسمية انخفاضا حادا في القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور.
اظهار أخبار متعلقة
الحرب تضرب قطاعات الاقتصاد
وامتدت آثار الحرب إلى قطاعات السياحة والنقل والبنية التحتية، حيث أغلقت جميع الفنادق في جزيرة كيش، وتعرض مطار بوشهر ومنشآت بحرية وجسور وأنفاق لأضرار كبيرة، في حين زار نحو 30 ألف شخص المراكز الطبية خلال موجتي الحرب في عامي 2025 و2026. ورأى التقرير أن إعادة إعمار هذه المنشآت ستستغرق سنوات طويلة.
وفي تطور وصفته الصحيفة بالمفاجئ، كشف ذبيح الله خودايان، رئيس جهاز التفتيش العام الإيراني، عن شبهات فساد واسعة تتعلق بما يعرف بصناديق الائتمان الحكومية، التي أنشئت للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وقال إن أحد هذه الصناديق حصل على 200 مليون دولار ثم غادر البلاد دون إعادة الأموال، فيما يواجه 229 شخصا آخرون اتهامات بالتسبب في خسائر للدولة بلغت 23.5 مليار يورو.
وأضاف أن السلطة القضائية فتحت تحقيقات بحق نحو خمسين شخصا، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن آليات عمل هذه الصناديق والجهات التي أشرفت عليها.
ويخلص تقرير "الغارديان" إلى أن تراكم الأزمات الاقتصادية، وتراجع الثقة الشعبية، والانقسامات السياسية، واستمرار الحرب، قد يضع النظام الإيراني أمام تحديات داخلية غير مسبوقة، حتى وإن بدا متماسكا في الظاهر.