الهجرة..من نزيف العقول إلى نزيف الديمقراطية.. قراءة في الدوافع والتداعيات

تنبني الديمقراطية ودعم مسارها من شأنه أن يساهم مساهمة فعالة ومعتبرة في خلق بيئة عامة جاذبة ومحفزة للفعل وتحقيق الأهداف، وبالتالي تجفيف ينابيع الهجرة وتقليص مسبباتها.. غيتي
تنبني الديمقراطية ودعم مسارها من شأنه أن يساهم مساهمة فعالة ومعتبرة في خلق بيئة عامة جاذبة ومحفزة للفعل وتحقيق الأهداف، وبالتالي تجفيف ينابيع الهجرة وتقليص مسبباتها.. غيتي
شارك الخبر
ليس هناك قضية تحتل مركز اهتمام المجتمع الدولي قوى ومنظمات، وتثير جدلا، بل وعلى أساسها تصاغ سياسات، وتتشكل حتى تيارات سياسية اليوم مثل قضية الهجرة والمهاجرين. بيد أن زاوية جديدة بدأت تتجلى واضحة اليوم، وهي كيف يمكن أن تكون الهجرة لا فقط كما هو متعارف عليه سببا في نزيف للعقول Brain drain (هجرة الأدمغة) وإنما أيضا نزيف للديمقراطية أو للممكن الديمقراطي    democratic drain إن صح التعبير.

ومع هذا المستوى الجديد في فهم وتفسير ظاهرة الهجرة، أظهرت دراسات استقصائية أشارت إليها مجلة "فورين أفيرز" شملت 149 دولة، أن الأشخاص الذي يغادرون بلدانهم هجرة إلى بلدان أخرى، يميلون في الغالب إلى الديمقراطية وحكم القانون، ويكونون عادة من المتعلمين. وبالتالي فإن هجرتهم لا تمثل فقط نزيف بلدانهم من العقول، وإنما أيضا نزيفا للديمقراطية أو الممكن الديمقراطي، باعتبار ميولاتهم العامة باتجاه تفضيل فكرة الديمقراطية ودولة القانون. وبالتالي بسبب هجرتهم ومغادرة بلدانهم وما يتركوه من فراغ، تتضاءل فرص الديمقراطية لحساب أنظمة تميل للاستبداد، على اعتبار أنها لا تجد من يدفعها أو يضغط عليها لتتبنى أفكارا وآليات حكم ديمقراطية. وبالتالي فإن النزيف الديمقراطي الذي تساهم فيه الهجرة يحصل بالانزلاق وتدحرج هذه الدول باتجاه التسلط والدكتاتورية، وتراجع فرص الإصلاح لصالح فرص استحكام أنظمة مستبدة.

تظهر الدراسات أن حجم الهجرة يتكثف، عندما يظهر نظام تحكمي ينزع للسيطرة على الفضاء العام، أو عندما يصعد حزب ذو نزعة دكتاتورية في الانتخابات. وعادة ما يخفي المهاجرون ميولاتهم السياسية ويفضلون كتمان قناعاتهم، حفاظا على سلامتهم.
وتظهر الدراسات أن حجم الهجرة يتكثف، عندما يظهر نظام تحكمي ينزع للسيطرة على الفضاء العام، أو عندما يصعد حزب ذو نزعة دكتاتورية في الانتخابات. وعادة ما يخفي المهاجرون ميولاتهم السياسية ويفضلون كتمان قناعاتهم، حفاظا على سلامتهم. وبقدر ما نشهد هجرة الأدمغة أو العقول التي يُحرم منها البلد، فتتحوّل إلى نزيف، يعمّق حالة الفقر والتخلّف وتراجع فرص الإنتاج، بالقدر نفسه تخلّف هذه الهجرة نزيفا ديمقراطيا، من خلال حرمان البلد من فئة متشبعة بقيم الحرية والديمقراطية، بغيابها تُخلق بيئة مواتية لنشأة نظام استبدادي دكتاتوري. لكن هذا لا يعني مطلقا أن نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يختارون الهجرة، إنما يختارونها بدوافع اقتصادية اجتماعية، وليس رفضا للعيش في ظل نظام استبدادي.

وتكشف قاعدة بيانات في تقارير دولية أنه بين 2015 و2019 غادر 45 مليون شخص بلدانهم باتجاه بلدان أكثر ديمقراطية، كما تظهر البيانات أن حوالي 35 مليون شخص يغادرون بلدانهم باتجاه بلدان أخرى أكثر انفتاحا. ويساهم هذا النزيف عبر الهجرة من الدول شبه الديمقراطية أو الاستبدادية في تعزيز التسلط والدكتاتورية، ومن بين البلدان التي تتأثر بشكل واضح بهذا النزيف مصر وتونس وأثيوبيا والمكسيك وصربيا وجورجيا والبوسنة. والمفارقة أن بعض البلدان الديمقراطية التي تمثل وجهة للمهاجرين، تشهد مع تدفق المهاجرين صعود تيارات يمينية، وتراجع قيم التسامح والديمقراطية، وهو ما سجّل في بلدان مثل المجر والبرازيل وبلغاريا والهند وبولندا.

وهذا يجعل الهجرة في هذا المستوى تقوّض الديمقراطية والممكن الديمقراطي في بلد المغادرة وبلد الاستقبال على حد السواء. وتعمّق هذه الظاهرة الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وننتقل من أزمة بسيطة تتعلّق بهجرة ومهاجرين إلى أزمات معقدة ومركبة، على المستوى السياسي (تراجع ديمقراطي) والاقتصادي (بطالة) واجتماعي (عنصرية وجرائم) وثقافية (تعصب وتطرف). تربك هذه الأزمات الحكومات فتفقد عادة توازنها في معالجة المشكلات، ما يعمّق الانقسام السياسي، وتنزلق العديد من البلدان إلى عدم الاستقرار.

وتعتقد بعض البلدان لا سيما الغنية منها والمتقدمة أن معالجة ذلك تتم من خلال تعزيز حراسة الحدود أو حتى إغلاقها، وتشديد معايير منح تأشيرات دخول المهاجرين، لتقتصر أساسا على الكفاءات العلمية والمهنية والمالية. وهو ما تبنته أوروبا في 2005 بتعديل معايير منح تأشيرات الدخول إليها. إجراءات تنطوي على أنانية سياسية، تشجع على نزيف العقول والممكن الديمقراطي في البلدان الأصلية، دون أن تعالج ملف تدفق المهاجرين على البلدان الأوروبية، إنما كانت سببا في تحفيز الهجرة غير النظامية والسرية، بديلا عن الهجرة النظامية. وتمثّل اليوم قضية الهجرة واحدة من أبرز القضايا على أجندات أغلب الدول الأوروبية والمنظمات الدولية بسبب تعقيداتها والتحديات المنبثقة عنها على جميع المستويات.

لا شك أن ظاهرة الهجرة تنطوي على مستويات وأبعاد عديدة ومتشعبة. فالمهاجرون يساهمون كقوة اجتماعية في تعزيز فرص التنمية والإنعاش الاقتصادي، سواء في البلد الأصلي من خلال مساهمة حيوية للمغتربين في ضخ العملة الصعبة والاستثمارات أم في بلد الاستقبال من خلال دورهم الإيجابي بما فيهم من كفاءات علمية ومهنية في تطور هذه البلدان لا سيما في المجالات الحيوية كالطب والتكنولوجيا وغيرها. بيد أن هذه الظاهرة نفسها لها أبعاد وتداعيات أخرى خطيرة وسلبية على البلد الأصلي للمهاجر وعلى بلد الاستقبال على حد السواء.

تبدو الدول المتقدمة والديمقراطية محمولة على تبني مقاربات مختلفة في برامجها الداعمة للديمقراطية وحكم القانون وأنظمة الحكم الرشيد، بما يستوعب ويأخذ بعين الاعتبار "النزيف الديمقراطي"
ومن هذه الظواهر ما اصطلح عليه بالنزيف الديمقراطي أو تجفيف الممكن الديمقراطي. وتمثل هذه الظاهرة والحاجة للتعاطي معها بجدية وبمقاربة شمولية، مدخلا مهما واستراتيجي لاجتراح مقاربة شاملة وناجعة، لا فقط لظاهرة الهجرة وإنما لجذورها ودوافعها. وقد تبيّن كيف أن "النزيف الديمقراطي" بسبب الهجرة، يكون في الكثير من الحالات مزدوجا، يضرب في البلد الأصلي ويضرب في بلد الاستقبال. بحرمان البلد الأصلي من كفاءات ونخب تدعم الإصلاح الديمقراطي وتكافح من أجله، وبتسبب الهجرة في بلدان الاستقبال تزايد العنصرية وصعود التيارات اليمينية الشعبوية المناهضة للهجرة والمهاجرين.

لذلك تبدو الدول المتقدمة والديمقراطية محمولة على تبني مقاربات مختلفة في برامجها الداعمة للديمقراطية وحكم القانون وأنظمة الحكم الرشيد، بما يستوعب ويأخذ بعين الاعتبار "النزيف الديمقراطي". ويمكن أن يحصل ذلك بعقلنة انتداب المهاجرين ذوي الكفاءات الأكاديمية والمهنية الخاصة، وتجنب المساهمة في تجفيف بلدان الهجرة من أبنائها الذين يتوقع أن يساهموا في دمقرطة بلدانهم ونهوضها الاقتصادي. وبقدر ترشيد وعقلة سياسات الهجرة ووضعها ضمن منظور أعم يقوم على استراتيجية شمال ـ جنوب. وبقدر ما تنجح هذه المقاربة في معالجة مشكلات الجنوب تنجح في معالجة مشكلات ذات صلة بها في الشمال.

وتظهر مخاطر وتداعيات "تجفيف ينابيع الديمقراطية" بسبب الهجرة، أن دعم الديمقراطية في "الضفة الجنوبية" ليس مجرد نشر لقيم سياسية على غرار الانتخابات الحرة وعلوية القانون والحكم الرشيد، وبالتالي مساعدة بلدان الجنوب على التحول الديمقراطي وخلق بيئة ومناخات عامة جاذبة وليس طاردة، وإنما يمثل هذا الدعم لدول الجنوب أيضا جزءا من استراتيجية مواجهة الهجرة وضبطها، وجزءا من استحقاقات حماية التجارب الديمقراطية في "الضفة الشمالية"، في ظل مخاطر متصاعدة لا سيما اليمين المتطرف والعنصرية والضيق بالتعددية الثقافية.

تكمن أهمية الربط بين ظاهرة الهجرة التي تحولت إلى قضية عالمية، ومسألة الديمقراطية مقاربة في غاية الأهمية. فهي تمنح الفاعلين السياسيين في مختلف المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، الفرصة والمجال، لبلورة ورسم استراتيجية جديدة تتبنى فيها مقاربة توازي المسارات، وتثبيت فكرة أن تنبني الديمقراطية ودعم مسارها من شأنه أن يساهم مساهمة فعالة ومعتبرة في خلق بيئة عامة جاذبة ومحفزة للفعل وتحقيق الأهداف، وبالتالي تجفيف ينابيع الهجرة وتقليص مسبباتها، وبالتالي وقف نزيف هجرة الأدمغة أو العقول، ومعها وقف يوقف تجفيف ينابيع الديمقراطية أو ما يمكن أن نسميه الممكن الديمقراطي.

*كاتب وباحث.. مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية       
التعليقات (0)