نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تقريرًا يسلط الضوء على. قدرة الأسواق العالمية اللافتة على امتصاص الصدمات المرتبطة بإمدادات النفط مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع نطاق استخدام الأدوات الاقتصادية في الصراعات الدولية في ظل عودة النفط ومضيق
هرمز إلى واجهة الأحداث باعتبارهما من أهم عوامل التأثير في الاقتصاد العالمي.
وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن التقلبات الجيوسياسية تشهد تصاعدًا ملحوظًا، بالتزامن مع تنامي استخدام الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية، وقد كان "سلاح النفط" تاريخيًا أحد أبرز الأسلحة المستخدمة للإضرار باقتصادات الخصوم. إلا أن هذا السلاح بات أقل تأثيرًا مما كان عليه في العقود الماضية.
ولم تؤدِ عمليات إغلاق مضيق هرمز المتكررة وما يصاحبها من مخاوف تتعلق بتراجع الإمدادات النفطية وارتفاع الأسعار إلى اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي حتى الآن؛ فلم تشهد معدلات التضخم قفزات حادة، كما بقيت توقعات النمو الاقتصادي مستقرة نسبيًا، بينما جاءت تقلبات الأسواق المالية مدفوعة بعوامل أخرى. ورغم استمرار الحديث عن مخاطر الركود التضخمي، فإنه لم يعد يُنظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار النفط كما كان في السابق.
وأشارت الصحيفة إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التفاعل المحدود يتمثل في أن سوق النفط العالمية الحديثة أصبحت أكثر قدرة على استيعاب الصدمات، فضلًا ان أن النفط بات يشكل عبئًا أخف على الاقتصاد العالمي مقارنة بما كان عليه خلال العقود الماضية.
وجاءت الأزمة الحالية في توقيت مناسب نسبيًا بالنسبة للأسواق، إذ تجاوز الإنتاج العالمي من النفط حجم الاستهلاك، كما كانت المخزونات النفطية العالمية ضخمة، بما في ذلك الاحتياطيات الإستراتيجية الصينية والكميات المخزنة على متن الناقلات النفطية. كذلك ساهمت إعادة توجيه التدفقات التجارية العالمية واستخدام خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز في الحد من تأثير الصدمة الأولية على الأسعار.
وأفادت الصحيفة بأن هذه البدائل لا تزال تؤدي دورها في تخفيف آثار الأزمة، إلى جانب زيادة الإنتاج في مناطق أخرى من العالم، وإضافة طاقات جديدة لخطوط الأنابيب، وإعادة هيكلة قدرات التكرير والمعالجة النفطية على المستوى العالمي.
غير أن أي اضطراب بهذا الحجم يستدعي بالضرورة تراجعًا في الطلب على النفط. ووفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، انخفض الطلب العالمي خلال الربع الثاني من عام 2026 بنحو خمسة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 5 بالمئة من إجمالي الاستهلاك العالمي. إلا أن هذا التراجع لم يكن نتيجة تباطؤ اقتصادي، بل يعكس تحسنًا في كفاءة استخدام النفط لإنتاج السلع والخدمات.
وأوضحت الصحيفة أن مفهوم "كثافة النفط" يُعد من أهم المؤشرات المستخدمة لقياس العلاقة بين استهلاك النفط والناتج المحلي الإجمالي، وهو يعكس مدى كفاءة الاقتصادات في استخدام النفط.
وقد شهد هذا المؤشر تحسنًا كبيرًا منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، ما يعني أن أسعار النفط تحتاج اليوم إلى الارتفاع بمعدلات أكبر بكثير لإحداث الضرر الاقتصادي ذاته الذي كانت تحدثه في الماضي.
وتحتاج أسعار النفط الحالية، بعد احتساب معدلات التضخم وتحسن كفاءة استخدام الطاقة، إلى الارتفاع بنحو أربعة أضعاف حتى تعادل حجم الصدمة الاقتصادية التي أعقبت الثورة
الإيرانية عام 1979.
ويُفسر ذلك محدودية التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الحربين في أوكرانيا وإيران حتى الآن، إذ أن انخفاض كثافة النفط في الاقتصادات الحديثة يقلل احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود أو مواجهة موجات تضخمية حادة، ويخفف من حاجة البنوك المركزية إلى التدخل برفع أسعار الفائدة.
وأكدت الصحيفة أن البيانات الخاصة بالنصف الأول من عام 2026، إلى جانب توقعات البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة للنصف الثاني من العام، تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيتمكن من تحقيق وفورات تعادل نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا من النفط مقارنة بما كان سيتطلبه الأمر لو بقيت كثافة النفط عند مستويات عام 2025.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تعني أن المخاطر قد تلاشت بالكامل، إذ أن تراجع كثافة النفط يعكس أيضًا التخلص من الاستخدامات الأقل كفاءة والأسهل استبدالًا. وبالتالي فإن الكميات المتبقية من النفط أصبحت أكثر أهمية للنشاط الاقتصادي، ما يعني أن أي ارتفاع حاد في الأسعار مستقبلًا قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية جسيمة لا تقتصر على تراجع القوة الشرائية، بل تمتد إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية نفسها.
وقالت الصحيفة إن احتساب حجم التسرب المستمر للإمدادات النفطية خلال ذروة العمليات العسكرية في مضيق هرمز، إلى جانب الأخذ في الاعتبار إعادة توجيه خطوط الأنابيب، وزيادة الإنتاج خارج منطقة الخليج، والسحب المستدام من المخزونات، يشير إلى وجود فجوة في الإمدادات تتراوح بين خمسة وسبعة ملايين برميل يوميًا خلال ما تبقى من العام الجاري.
اظهار أخبار متعلقة
وقد أدت الوفورات الناتجة عن تحسن الكفاءة التي تحققت إلى تقلص هذه الفجوة إلى ما بين 1.5 و3.5 ملايين برميل يوميًا فقط، وهو الحجم الذي يمكن تعويضه إما عبر انخفاض إضافي في الطلب العالمي أو زيادة الصادرات المارة عبر مضيق هرمز، أو من خلال الجمع بين الخيارين معاً.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الزيادة المطلوبة لا تمثل تحدياً كبيرًا لحركة الملاحة اليومية عبر المضيق، كما أنها تتيح هامشاً واسعًا لاستمرار حالة الشد والجذب الحالية بين التصعيد العسكري والمفاوضات السياسية. وهو ما يمنح أطراف الأزمة مساحة أكبر للمناورة قبل أن تنعكس تداعيات الأزمة بشكل خطير على الاقتصاد العالمي.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمات أسعار النفط ليست بالضرورة خبرًا سارًا على المدى الطويل، إذ إن محدودية التداعيات الحالية قد تشجع صناع القرار على تحمل مخاطر أكبر مستقبلًا؛ حيث قد يدفع انخفاض حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أسعار النفط السياسيين إلى تبني سياسات أكثر تهورًا.
للاطلاع إلى النص الأصلي (
هنا)