نشرت مجلة
فورين بوليسي الأمريكية تقريرا يسلط الضوء
على التداعيات الاستراتيجية لقرار الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب رفع العقوبات عن
تركيا، للسماح ببيع طائرات مقاتلة لها.
ويوضح التقرير كيف أن هذا القرار سيبعث برسالة طمأنة
وتخفيف للقيود بالنسبة للدول الأخرى التي تشتري الأسلحة الروسية، خاصة في منطقة
المحيطين الهندي والهادئ، ما يضعف في النهاية إحدى أبرز أدوات واشنطن للحد من
النفوذ العسكري العالمي لموسكو.
وقالت المجلة، في التقرير الذي ترجمته عربي21، إنه
أثناء حضور قمة حلف شمال الأطلسي الناتو الأسبوع الماضي في العاصمة التركية أنقرة،
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته إعادة فتح الباب أمام إمكانية بيع
طائرات إف-35 لتركيا.
ولكن للقيام بذلك، كان عليه أولا التعامل مع قانون
مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات المعروف اختصارا باسم كاتسا. وكانت تركيا
تخضع بالفعل لعقوبات بموجب هذا القانون بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية
إس-400، وكانت بحاجة إلى أن يرفع ترامب هذه القيود إذا أرادت الحصول على طائرات
إف-35. وقد قرر ترامب القيام بذلك، وهو قرار يحمل تداعيات تتجاوز تركيا بكثير.
وأوضحت المجلة أن قانون كاتسا، الذي أقره الكونغرس
الأمريكي بدعم ساحق من الحزبين ووقعه ترامب ليصبح قانونا خلال ولايته الأولى في
عام 2017، يخلق ما يمثل فعليًا نظامٕا للعقوبات الثانوية. ويسمح هذا القانون
للرئيس بمعاقبة الحكومات الأجنبية والشركات والبنوك والأفراد الذين يشاركون في
معاملات مهمة مع قطاعي الدفاع أو الاستخبارات الروسيين.
وتحتفظ وزارة الخارجية الأمريكية بقائمة للكيانات
العاملة في هذين القطاعين، بما في ذلك شركة روسوبورون إكسبورت، وهي الوكالة
الحكومية الرئيسية لتصدير الأسلحة في موسكو. ورغم أن القانون لا يقدم تعريفا دقيقا
لكلمة مهمة، فإن المشتريات الكبرى لأنظمة الصواريخ الروسية والطائرات المقاتلة
وغيرها من الأسلحة المتطورة تعتبر أهدافا واضحة.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت المجلة إلى أنه بمجرد أن تحدد الإدارة
الأمريكية حدوث مثل هذه المعاملة، فإن قانون كاتسا يدعو إلى فرض خمس عقوبات على
الأقل من قائمة خيارات، تشمل حظر الصادرات الدفاعية الأمريكية، وتجميد الأصول،
وفرض قيود على تأشيرات المسؤولين الأجانب.
ولا يشترط أن يكون الهدف دولة بأكملها؛ إذ يمكن
لواشنطن بدلا من ذلك معاقبة وزارة الدفاع، أو وكالة المشتريات، أو الشركة، أو
الأفراد المسؤولين عن شراء الأسلحة الروسية. وبالتالي، فإن تفعيل قانون كاتسا يمكن
أن يعرض وصول أي حكومة إلى الأسلحة والتكنولوجيا والتمويل الأمريكي للخطر. مع
العلم أن إنفاذ القانون ليس تلقائيا بل يحدده الفرع التنفيذي للحكومة.
وأضافت المجلة أن أول اختبار ملموس جاء في عام 2018،
عندما فرضت إدارة ترامب عقوبات على إدارة تطوير المعدات في الصين ومديرها، لي شانغ
فو، بسبب الاستحواذ على طائرات مقاتلة روسية من طراز سو-35 ومعدات الدفاع الجوي
إس-400 التي تم شراؤها من شركة روسوبورون إكسبورت.
وبعد ذلك بعامين، فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على
رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (التي تحولت الآن إلى أمانة عامة) بسبب استحواذ
أنقرة على منظومة إس-400. وقد أثبتت كلتا الحالتين أن قانون كاتسا يمكن أن يعاقب
بشكل مباشر المؤسسات الحكومية المسؤولة عن شراء الأسلحة الروسية.
ولفتت المجلة إلى أن قرار ترامب الأخير برفع عقوبات
كاتسا عن تركيا سيكون له عواقب أوسع على شركاء موسكو الإستراتيجيين في جميع أنحاء
منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويعني هذا بالدرجة الأولى الهند، التي تواصل شراء
وحدات إس-400 وأسلحة روسية أخرى رغم وجود القانون المذكور. (ورغم انهيار صادرات
الأسلحة الروسية منذ بداية حربها ضد أوكرانيا، إلا أن البلاد لا تزال تشحن
الأسلحة، في المقام الأول لشركائها القدامى مثل الهند والصين وبيلاروسيا).
ومن المؤكد أنه لم يحدث قط أن قامت إدارة ترامب
الأولى ولا إدارة بايدن بإعفاء الهند رسميا من قانون كاتسا. بل إن الإدارتين خفضتا
من أولوية إنفاذ القانون من أجل الحفاظ على شراكة استراتيجية قوية مع الهند على
أمل أن تساعد الأخيرة الولايات المتحدة في مواجهة الصين.
اظهار أخبار متعلقة
وبينت المجلة أن الهند ليست مرتاحة تمامًا لوضعها
الحالي؛ حيث اعتقدت نيودلهي خطأ أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستكون بداية عصر
ذهبي للعلاقات الثنائية، خاصة بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي أقامها رئيس
الوزراء ناريندرا مودي مع ترامب خلال الولاية الأولى للأخير. غير أن ترامب أثبت
أنه أكثر تقلبًا هذه المرة، وليس أقلها بناء علاقات أوثق مع باكستان، جارة الهند
ومنافستها.
وأردفت المجلة قائلة إنه من الناحية العملية، غضت
إدارة ترامب الثانية الطرف عن إنفاذ قانون كاتسا، كما حدث عندما تسلمت الهند فوجًا
آخر من منظومة إس-400 في الشهر الماضي. وبالنسبة لنيودلهي، فإن قرار ترامب برفع
قيود كاتسا عن تركيا هو أمر مشجع حقاً.
لكن مع ترامب، لا يمكن للمرء أبدا أن يستبعد نوبة
غضب أخرى ضد الهند، أو أن يغير رأيه ببساطة بشأن إنفاذ القانون. وفي أعقاب القتال
الذي دار بين الهند وباكستان العام الماضي، طلبت نيودلهي خمسة أفواج جديدة من
منظومة إس-400 وعمقت المفاوضات بشأن شراء الطائرة سو-57، وهي طائرة مقاتلة من
الجيل الخامس روسية الصنع.
ويمكن لترامب بسهولة أن يستهدف هذه الصفقات من أجل
إجبار الهند على التوافق مع السياسات الأمريكية في قضايا أخرى، مثل الحرب المتجددة
بين الولايات المتحدة وإيران أو أي قضية أخرى تماما. ففي النهاية، سبق له أن عاقب
الهند مرة واحدة بفرض رسوم جمركية لسبب ظاهري وهو استيراد البلاد للنفط الروسي.
وأكدت المجلة أنه في جنوب شرق آسيا، لا بد أن هناك
حكومتين تتنفسان الصعداء في أعقاب قرار ترامب بشأن تركيا. إحداهما هي إندونيسيا؛
حيث تسعى جاكرتا، في ظل رئاسة برابوو سوبيانتو، إلى تنفيذ حملة شاملة لتحديث الجيش
وإضفاء الطابع الاحترافي عليه، وهو ما تضمن تنويع واردات الأسلحة، بما في ذلك من
روسيا.
وفي عام 2018، كانت جاكرتا تتفاوض على الشراء
المحتمل لإحدى عشرة مقاتلة من طراز سو-35، لكنها بحلول عام 2020 ألغت الصفقة، حيث
أصبح من الواضح أن القلق الإندونيسي من العقاب الأمريكي بموجب قانون كاتسا كان هو
السبب الرئيسي.
وأفادت المجلة بأنه لم يكن لتكون هذه المرة الأولى
التي تواجه فيها إندونيسيا غضب الحكومة الأمريكية؛ فخلال إدارة كلينتون في عام
1999، انخرط الجيش الإندونيسي والميليشيات الموالية لإندونيسيا في أعمال عنف واسعة
النطاق في تيمور الشرقية، مما دفع البيت الأبيض إلى تعليق جميع العلاقات العسكرية
ومبيعات الأسلحة.
واستمرت التوترات الأمريكية الإندونيسية لسنوات، ولم
تنته إلا في عام 2010 عندما رفعت إدارة أوباما العقوبات عن القوات الخاصة
الإندونيسية النخبوية كوباسوس التي كانت متورطة في العنف. ورغم أن إعفاء ترامب
لتركيا من عقوبات كاتسا من شأنه أن يغرس بعض الثقة، إلا أنه من الحكمة أن تظل
جاكرتا حذرة: فرغم أن إدارة ترامب أظهرت استعدادا لتجاهل العلاقات مع روسيا، إلا
أن سياساتها قد تتغير بسرعة وبشكل غير متوقع.
واستطردت المجلة قائلة إن فيتنام أيضًا لا بد أن
تكون سعيدة بتراجع ترامب عن قانون كاتسا؛ فمنذ الحرب الباردة، أصبح جيش هانوي
يعتمد بشدة على الأسلحة السوفيتية ثم الروسية. وفي السنوات الأخيرة، سعت البلاد
إلى بناء منظومة دفاعية أكثر تنوعٕا، بما في ذلك شراء الأسلحة من واشنطن.
اظهار أخبار متعلقة
وربما كان بعض هذا التنويع بعيدٕا عن روسيا مدفوعًا
بمخاوف من عقوبات كاتسا. ومع ذلك، حاولت هانوي الحفاظ على مشترياتها الدفاعية من
الكرملين، بل وابتكرت خططًا للتحايل على قيود القانون المحتملة: ففي عام 2025،
ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن هانوي وموسكو ابتكرتا خطة دفع خلفية تستخدم أرباح
مشاريع النفط والغاز المشتركة لسداد العقود الدفاعية، مما يحمي هذه المعاملات
فعليّٕا من متناول المؤسسات المالية الغربية وآليات العقوبات الخاصة بها. ومن
الواضح أن إنفاذ قانون كاتسا كان يشكل مصدر قلق، وينبغي لسابقة ترامب الأخيرة مع
تركيا أن توفر شعورٕا بالارتياح في هذا الشأن.
ونوهت المجلة إلى أن دولًا أخرى في منطقة المحيطين
الهندي والهادئ التي تواصل الاعتماد على الأسلحة الروسية قد تواجه أيضٕا خطر
التعرض لعقوبات كاتسا. فماليزيا، على سبيل المثال، تشغل مقاتلات سو-30 وأنظمة أخرى
روسية الصنع، بينما تمتلك بنغلاديش وسريلانكا مجموعة من طائرات ميغ-29 والمروحيات
من طراز مي-17 والمركبات المدرعة وغيرها من المعدات الروسية. ويمنح قرار ترامب
بالتراجع عن فرض عقوبات كاتسا على تركيا هذه الدول ثقة أكبر لمواصلة العمل
كالمعتاد مع الكرملين، وربما رفع مستوى هذا العمل بمجرد عودة روسيا إلى طاقتها
التصديرية الكاملة.
وذكرت المجلة أن هناك بالطبع دولًا تتحدى قانون
كاتسا علنا بالفعل؛ فقد استوعبت بكين إلى حد كبير العقوبات التي فرضت بموجب
القانون في عام 2018، وعمقت لاحقًا علاقتها الًستراتيجية والدفاعية مع موسكو. ومن
المرجح أن كوريا الشمالية تجد أن القانون غير ذي صلة بشراكتها الإستراتيجية
الجديدة مع روسيا، ربما لأن بيونغ يانغ تخضع بالفعل لعقوبات شديدة بوسائل أخرى.
وينطبق الشيء نفسه على ميانمار؛ حيث استمر المجلس
العسكري الحاكم في شراء الأسلحة الروسية طوال الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد.
وبالمثل، لا يزال جيش لاوس يعتمد بشدة على المنصات ذات الأصل السوفيتي والروسي، مع
عدم إظهار العاصمة فينتيان أي نية للابتعاد عن موسكو.
وأضافت المجلة أنه في الوقت الحالي، انخفضت صادرات
الأسلحة في موسكو بشكل حاد مع تحويل الكرملين للإنتاج نحو ساحة المعركة وتعرض بعض
مصانع الأسلحة التابعة له لهجمات بطائرات مسيرة أوكرانية.
ومع ذلك، ومن خلال الإشارة إلى نهج أكثر تساهلا في
إنفاذ قانون كاتسا؛ فقد قلل ترامب عن غير قصد من إحدى العقبات السياسية القليلة
المتبقية أمام مبيعات الأسلحة الروسية المستقبلية في منطقة المحيطين الهندي
والهادئ. وما إذا كانت موسكو قادرة على الاستفادة من هذه الفرصة أم لا، فهو سؤال
آخر تماما.
واختتمت المجلة تقريرها بالقول إن الهدف من قانون
كاتسا كان إجبار الدول على الاختيار بين الأسلحة الروسية وتوثيق العلاقات الأمنية
مع الولايات المتحدة، إلا أن تراجع ترامب فيما يخص تركيا يشير إلى أن هذا الخيار
ربما لم يعد صارما إلى هذا الحد. وستستنتج حكومات المحيطين الهندي والهادئ بشكل
متزايد أن قانون كاتسا ليس قاعدة ثابتة بل أداة سياسية لممارسة ضغوط انتقائية وفقا
للأولويات السياسية لواشنطن. وقد يخفف ذلك بعض الضغوط على حلفاء الولايات المتحدة
وشركائها اليوم، لكنه يهدد أيضا بإضعاف إحدى أقوى أدوات واشنطن للحد من العلاقات
العسكرية العالمية لروسيا.