ماكرون يفتح الباب لروسيا لتكسر عزلتها الأوروبية

عماد الشدياق
"يريد ماكرون، ومعه قادة أوروبيون آخرون، أن يكونوا على مائدة التفاوض حول أيّ خطة سلام"- جيتي
"يريد ماكرون، ومعه قادة أوروبيون آخرون، أن يكونوا على مائدة التفاوض حول أيّ خطة سلام"- جيتي
شارك الخبر
لم يكن كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استئناف الحوار مع روسيا، محطّ كلام دبلوماسي يمكن تجاهله أو عدم التوقف عند أبعاده. فالرجل الذي كان منذ بداية الحرب، أحد أبرز الوجوه الأوروبية الداعية إلى تشديد الضغوط على موسكو، عاد ليقول، اليوم، إنّ الوقت قد حان لتنظيم حوار مع الروس حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، من أمن أوروبا، إلى كيفية التعايش كـ"جيران".. وصولاً إلى الدفاع عن مصالح أوكرانيا.

في السياسة، تُقاس التحولات الكبرى بتوقيت صدورها. وتوقيت كلام ماكرون قد يشي بأنّ القارة الأوروبية العجوز بدأت تقترب من النقطة التي حاولت طويلاً تجنب الاعتراف بها، والتي تفيد بأنّ إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يمكن أن يحصل بلا إرضاء روسيا، كما لا يمكن بناء أمن أوروبيّ مستقرّ فوق عزلتها أو خارج التفاهم معها.

في التفاصيل، فقد جاءت تصريحات ماكرون بعد دعوة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى لقاء مباشر. وقد وصف الرئيس الفرنسي هذه الدعوة بأنّها "مبادرة جيدة"، ورحّب بها أيضاً الاتحاد الأوروبي. وذلك يخبرنا أنّ أوروبا التي حاولت منذ العام 2022 تحويل روسيا إلى دولة معزولة ومنبوذة، وجدت نفسها مضطرة إلى الاعتراف بأنّ الباب الروسي لا يزال ممراً إلزامياً لأيّ تسوية.

توقيت كلام ماكرون قد يشي بأنّ القارة الأوروبية العجوز بدأت تقترب من النقطة التي حاولت طويلاً تجنب الاعتراف بها، والتي تفيد بأنّ إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يمكن أن يحصل بلا إرضاء روسيا، كما لا يمكن بناء أمن أوروبيّ مستقرّ فوق عزلتها أو خارج التفاهم معها

لم تنهَر موسكو تحت العقوبات، ولم تتراجع عسكرياً إلى حد القبول بشروط الغرب، ولم تفقد قدرتها على فرض نفسها لاعباً مركزياً في الأمن الأوروبي. بل على العكس، فقد استطاعت أن تصمد بما يكفي كي تعيد خصومها إلى النقاش معها، بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه.

فشل سياسة العزل

منذ بداية الحرب، بنى الاتحاد الأوروبي استراتيجيته على 3 أدوات: العقوبات، والدعم العسكري المفتوح لأوكرانيا، والعزل السياسي لروسيا.

كانت الفكرة تفيد بأنّ الضغط الاقتصادي والدبلوماسي سيُضعف موسكو، ويجبرها في النهاية على التراجع أو القبول بتسوية بشروط غربية. لكن بعد أكثر من 4 سنوات، لم يتحقق هذا السيناريو. روسيا لا تزال تقاتل، ولا تزال تملك أوراقاً عسكرية وسياسية واقتصادية، ولا تزال قادرة على التأثير في سوق الطاقة وفي الأمن الأوروبي وكذلك في التوازنات الدولية.. وهنا تحديداً تظهر دلالة كلام ماكرون.

فعندما يقول رئيس فرنسا إنّ ثمة حاجة إلى حوار مع روسيا حول "أمننا نحن" وحول "التعايش كجيران"، فهو يعترف عملياً بأنّ روسيا جزء من معادلة الأمن الأوروبي نفسها. وهذا اعتراف ثقيل، لأنّه ينسف عملياً فكرة أنّ أوروبا تستطيع بناء نظام أمني طويل الأمد عبر إخراج روسيا منه.

الخوف الأوروبي من صفقة فوق رؤوسهم

إلى جانب مسألة الامن، فإنّ أحد أهم أسباب هذا التحول في النقاش الأوروبي هو الخشية من أن تُدار التسوية بين واشنطن وموسكو من دونهم. فالمحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة، وتتعثّر في الوقت نفسه، وضعت أوروبا أمام معضلة مزدوجة، وهي أن تدفع كلفة الحرب سياسياً ومالياً وأمنياً، ولا تكون صاحبة الكلمة النهائية في لحظة التسوية.

لذلك يريد ماكرون، ومعه قادة أوروبيون آخرون، أن يكونوا على مائدة التفاوض حول أيّ خطة سلام؛ لأن هذا الأمر من وجهة نظر باريس، سوف يثر على مستقبل القارة برمتها. وأي اتفاق بين روسيا وأوكرانيا قد يؤثر على حدود القوة داخل أوروبا، وكذلك على علاقة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) بروسيا، وعلى الضمانات الأمنية ومستقبل التسلح الأوروبي.. ومن هنا يمسي الحوار مع موسكو "ضرورة" وليس "خياراً".

بمعنى آخر، يمكن القول إن روسيا نجحت في فرض نفسها على أوروبا من الباب الذي حاول الأوروبيون إغلاقه؛ باب الأمن القاري. فمهما بلغت العقوبات، ومهما ارتفع الدعم لكييف، لم تستطع فرنسا أو ألمانيا أو حتى بريطانيا تجاهل أنّ روسيا هي الجار الكبير والمسلح نووياً، وأن أي هندسة أمنية لا تمر عبرها ستبقى ناقصة أو قابلة للانفجار.

تعثر الرهان على الحسم العسكري

السبب الثاني هو أنّ الحرب لم تذهب في الاتجاه الذي أراده الأوروبيون؛ لم يحقّق الدعم الغربي لأوكرانيا حسماً سريعاً، ولم تؤد العقوبات إلى شل قدرة روسيا على مواصلة القتال. ومع طول أمد الحرب، بدأت أوروبا تواجه سؤالاً أكثر صعوبة، وهو: هل يمكن الاستمرار في تمويل حرب مفتوحة بلا أفق سياسي واضح؟

هذا السؤال لا يُطرح فقط في العواصم، بل أيضاً داخل المجتمعات الأوروبية التي تدفع كلفة الطاقة والتضخم والإنفاق الدفاعي. وكلما طال أمد الحرب، أصبح من الصعب على الحكومات الأوروبية أن تبرّر لشعوبها سياسة تقوم على الدعم المفتوح من دون مسار تفاوضي. لذلك فإن العودة إلى الحديث مع روسيا يعبر عن قلق أوروبي من حرب استنزاف لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

فرنسا تبحث عن دور ضائع

فرنسا تحديداً لديها سبب إضافي للانفتاح على هذا المسار؛ ماكرون لا يريد أن تبقى باريس مجرد تابع للموقف الأمريكي. فمنذ سنوات، يطرح ماكرون فكرة "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، أي أن تكون أوروبا قادرة على حماية مصالحها وصناعة قراراتها الأمنية بعيداً عن الارتهان الكامل لواشنطن، بينما الحرب في أوكرانيا كشفت حدود هذا الطموح. فقد دفعت أوروبا الكثير، لكنّها بقيت في النهاية بحاجة إلى القرار الأمريكي والسلاح الأمريكي والمظلة الأمريكية.

من هذا المنطلق، تمثل دعوة ماكرون إلى الحوار مع روسيا الطموح الفرنسي القديم، لإعادة باريس إلى موقع اللاعب المركزي في هندسة الأمن الأوروبي.

روسيا تكسب اعترافاً سياسياً لا عسكرياً فقط

النتيجة الأهم لهذا التحول هي أنّ روسيا كسبت، حتى الآن، معركة الاعتراف السياسي؛ قد لا تكون حققت كل أهدافها العسكرية، وقد تكون دفعت كلفة عالية، لكنّها نجحت في منع الغرب من تحويلها إلى طرف خارج النظام الأوروبي. بل على العكس، فالدولة التي أراد الغرب عزلها وإضعافها باتت تُستدعى مجدداً إلى طاولة النقاش، لأنّ عزلها فشل في إنتاج سلام، وهذا هو تحديداً جوهر التحول.

يعني عملياً أنّ الحوار مع موسكو سيصبح جزءاً من السياسة الأوروبية، حتى لو بقي مغلفاً بشروط أوكرانية وأمنية

النتائج المتوقعة أوروبياً

أما عن النتائج المتوقعة من هذا الحوار، فلا يمكن اختصارها بواحدة فقط.

النتيجة الأولى، ستكون تراجع الخطاب الأوروبي المتشدد تدريجياً لمصلحة خطاب أكثر براغماتية. لن تعلن أوروبا ذلك صراحة، لكنّنا سنلاحظ في المقبل من الأيام لغة غياب لغة "هزيمة" روسيا، لصالح لغة "لا سلام من دون ضمانات". وهذا يعني عملياً أنّ الحوار مع موسكو سيصبح جزءاً من السياسة الأوروبية، حتى لو بقي مغلفاً بشروط أوكرانية وأمنية.

النتيجة الثانية، هي أنّ أوكرانيا ستجد نفسها أمام "ضغط ناعم" للقبول بهذا المسار التفاوضي المستجدّ. ربما لن تفرض باريس أو برلين على كييف التتنازل الفوري، لكنّها ستدفعها إلى اختبار التفاوض، وإلى إظهار استعدادها للسلام مع تحويل الدعم العسكري إلى ورقة ضمن المشروع التفاوضي.

النتيجة الثالثة، تفيد بأنّ روسيا ستستثمر في هذا التحول. ستقول موسكو إنّ الغرب عاد إليها لأنّه فشل في عزلها، وإنّ أوروبا أدركت أنّ الأمن لا يُبنى ضد روسيا بل معها.. وهو خطاب سيجد صداه في داخل دول كثيرة خارج الغرب، ترى أنّ نظام العقوبات والعزل لم يعد قادراً على فرض النتائج كما كان في السابق (الصين وبقية دول مجموعة "بريكس").

في المحصلة، يمكن الاستنتاج أنّ ماكرون أعلن نهاية وهْم أوروبي كبير، وهْم عزل روسيا. فبعد سنوات من العقوبات والدعم العسكري والتصعيد السياسي، تعود أوروبا إلى ما كانت ترفض الاعتراف به، وهو أن روسيا جزء من معادلة الحرب وجزء من معادلة السلام. ومن هنا، قد تبدو تصريحات ماكرون أكثر من مجرد موقف فرنسي، بل أشبه بإشارة من القارة العجوز إلى أنّها بدأت تنتقل من سياسة كسر روسيا إلى سياسة التفاوض معها. وهذا بذاته، انتصار سياسيّ لموسكو.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)