أكد تقرير لوكالة "رويترز" أنه عندما حذر دونالد
ترامب إيران في السابع من نيسان/ أبريل من أن "حضارة كاملة ستفنى الليلة"، سارعت حكومات أوروبية إلى طلب توضيحات عبر وزارة
الخارجية الأمريكية بشأن ما إذا كان يلوح باستخدام سلاح نووي. لكن الرد الذي تلقته، وفقا لدبلوماسي أوروبي، كان صادما: المسؤولون الأمريكيون أنفسهم لا يعرفون ماذا يقصد ترامب أو ما الذي قد يترتب على تصريحاته.
وأوضح التقرير أن هذه الواقعة تكشف عن انهيار غير مسبوق في الدبلوماسية الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية، إذ أصبحت الحكومات الأجنبية عاجزة عن الحصول على تفسيرات واضحة من القنوات التقليدية، في وقت تشهد فيه وزارة الخارجية الأمريكية فراغا واسعا في المناصب الدبلوماسية، مع شغور أكثر من نصف مناصب السفراء الأمريكيين حول العالم.
وقالت أستاذة التاريخ الدولي بجامعة أكسفورد مارجريت ماكميلان: إن إدارة ترامب تقوض قدرة
واشنطن على فهم العالم والتعامل معه، محذرة من أن ذلك يهدد الاستقرار العالمي ويضعف قدرة
الولايات المتحدة على منع الحروب أو إنهائها عبر الدبلوماسية.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، رفضت إدارة ترامب هذه الانتقادات، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيجوت إن التغييرات جعلت الحكومة "أكثر كفاءة" ومنحت الرئيس حرية اختيار من يمثل المصالح الأمريكية.
ويستند التقرير إلى مقابلات مع أكثر من 50 دبلوماسيا ومسؤولا أمريكيا وأجنبيا، أكدوا أن حلفاء واشنطن باتوا يتجاوزون السفارات والقنوات الرسمية، معتمدين على دائرة ضيقة مقربة من ترامب للحصول على المعلومات أو التأثير في قراراته.
وبرز ضمن هذه الدائرة جاريد كوشنر، صهر ترامب، وستيف ويتكوف، صديق الرئيس والمطور العقاري، رغم أن الأول لا يشغل منصبا رسميا والثاني لا يمتلك خبرة دبلوماسية سابقة. وبحسب التقرير، فضلت بعض الحكومات التواصل معهما مباشرة بدلا من الخارجية الأمريكية.
كما لجأت دول أخرى إلى قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض. فقد أقام مسؤولون كوريون جنوبيون اتصالات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز خلال أزمة الرسوم الجمركية، بينما استخدمت اليابان رجل الأعمال ماسايوشي سون، مؤسس "سوفت بنك"، كقناة خلفية للتواصل مع ترامب.
وكانت وزارة الخارجية من أولى المؤسسات التي استهدفتها إدارة ترامب بإعادة الهيكلة. ففي أبريل نيسان 2025، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الوزارة بأنها "بيروقراطية متضخمة" وأعلن خطة لإعادة تنظيمها، مستندا إلى توجهات "مشروع 2025" المحافظ الذي يدعو إلى تقليص نفوذ الدبلوماسيين المهنيين وتعزيز حضور الموالين سياسيا.
وغادر نحو 3000 موظف وزارة الخارجية خلال عام واحد، فيما تم استدعاء عشرات السفراء بشكل مفاجئ، الأمر الذي أدى إلى تراجع غير مسبوق في عدد الدبلوماسيين المحترفين داخل السلك الدبلوماسي الأمريكي.
ويشير التقرير إلى أن الدبلوماسيين المحترفين كانوا يشكلون تاريخيا ما بين 57 و74 بالمئة من السفراء الأمريكيين، بينما لا تتجاوز نسبتهم حاليا نحو 9 بالمئة فقط في ولاية ترامب الثانية.
كما أدى تقليص مجلس الأمن القومي وتسريح موظفين فيه إلى تعطيل آليات التنسيق التقليدية للسياسة الخارجية. وذكر مسؤولون أن موظفي المجلس باتوا يعتمدون على منشورات ترامب في منصة "تروث سوشال" لفهم توجهات الإدارة، في ظل غياب الاجتماعات المنتظمة والتعليمات الرسمية.
وتحدثت السفيرة الأمريكية السابقة لدى أوكرانيا بريدجيت برينك عن حالة الفوضى داخل الإدارة، مؤكدة أن قرار وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا صدر دون أي إخطار مسبق حتى للمسؤولين الأمريكيين المعنيين، وأن محاولات معرفة الأسباب باءت بالفشل.
وقالت برينك إن سياسة ترامب تجاه روسيا وأوكرانيا، ومحاولاته التقارب مع فلاديمير بوتين، دفعتها إلى الاستقالة احتجاجا.
اظهار أخبار متعلقة
ويبرز التقرير أيضا اعتماد ترامب المتزايد على مبعوثين خاصين لإدارة ملفات حساسة مثل إيران وأوكرانيا وغزة، بدلا من المؤسسات الدبلوماسية التقليدية.
وفي الملف الإيراني، قال دبلوماسيون أوروبيون إن الفريق الأمريكي واجه صعوبات في فهم تفاصيل تقنية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني خلال مفاوضات جنيف، ما اضطر الأوروبيين إلى شرح مسائل أساسية لهم.
كما انتقدت خبيرة الحد من التسلح كيلسي دافنبورت تصريحات ويتكوف بشأن البرنامج النووي الإيراني، معتبرة أنها كشفت "ضعفا في الكفاءة الفنية".
ويرى التقرير أن عددا متزايدا من حلفاء واشنطن باتوا يتعاملون بحذر مع تصريحات ترامب، مفضلين أحيانا تجاهل تهديداته بدلا من الرد عليها علنا خشية التصعيد.
وأشار دبلوماسي أوروبي إلى أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا أعدت بيانا شديد اللهجة ردا على تهديد ترامب لإيران، لكنها امتنعت عن نشره بعدما خلصت إلى أن التصعيد العلني قد يدفع ترامب إلى مواصلة القصف.
ووصف بعض الدبلوماسيين هذا النهج بـ"طريقة ميركل"، في إشارة إلى أسلوب المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل القائم على امتصاص استفزازات ترامب دون مواجهة مباشرة.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن كثيرا من الحكومات باتت ترى أن أفضل وسيلة للتعامل مع ترامب هي تجاهل تصريحاته المتقلبة، مع استمرار القلق من أن يؤدي هذا النهج يوما ما إلى سوء تقدير خطير خلال أزمة دولية كبرى.