لعبت
السفن في مراحل تاريخية قديمة، دورا كبيرا في نقل
الأمراض
المعدية، التي تسببت فيه إزهاق أرواح حياة مئات آلاف البشر، ومنها
أوبئة شهيرة قاتلة.
وكان السفن التجارية والعسكرية والاستعمارية، أشبه بـ"حاملات
موت"، بسبب الاكتظاظ على متنها، وقلة النظافة والعلاج، وحملها للفئرات
والجرذان والبراغيث وأشكال أخرى من ناقلات الأمراض، في رحلات طويلة توفر حاضنة
وبيئة مناسبة للتفشي ونقل العدوى.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى مر التاريخ، وثق انتقال كثير من الأوبئة والأمراض على متن سفن،
كما جرى الآن مع فيروس هانتا في السفينة العائدة من القطب الجنوبي، والتي فقد 3
أشخاص كانوا على متنها حياتهم بسبب الفيروس.
ونستعرض في التقرير التاريخ، عددا من وقائع السفن التاريخية التي نقلت
أوبئة قاتلة:
الطاعون الأسود:
حملت السفن القادمة من ميناء كافا في بحر القرم، إلى ميناء ميسينا في
صقلية، كميات كبيرة من الحبوب والبضائع التجارية، لكنها حملت كذلك فئرانا سوداء
مصابة ببراغيث حاملة لبكتيريا "يريسينا بيستيس"، فضلا عن بحارة مرضى
وموتى وجثث مغطاة بدمامل سوداء.
وبعد وصول السفن إلى صقلية بهذه الحالة الكارثية، جرى طرد البحارة لكن
العدوى كانت تفشت، وانتقل الوباء من ميسينا إلى جنوة والبندقية ومنها لعموم
إيطاليا وأوروبا، والذي تسبب في مقتل أكثر من 40 بالمئة من سكانها، كما انتقل إلى
النرويج عام 1349 عبر سفينة رست في بيرغن.
ووفقا لموقع "هيستوري"، نشأت العدوى أثناء حصار كافا بجزيرة
القرم، بعد رمي المغول جثثا مصابة، وبسبب تعفنها وتولد الأمراض منها، انتقلت للهاربين
عبر السفن إلى أوروبا، وهذه الواقعة خلقت فكرة الحجر الصحي في البندقية.
طاعون جستنيان:
لعبت السفن التجارية القادمة من مصر إلى القسطنطينية "إسطنبول لاحقا"،
والمحملة بالحبوب، الدور الرئيس في تفشي الطاعون، من خلال الفئران والبراغيث، بعد
بدء المرض عام 541 في مصر.
وحمل الطاعون لقب جستنيان وهو الإمبراطور الروماني، بسبب إصابته به شخصيا،
ورغم أنه عشرات الملايين، إلا أن الإمبراطور شفي منه.
ويعد طاعون جستنيان من أسوأ الجوائح التي عرفها
البشر، حيث انتشر في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط ويقدر أنه تسبب في
قتل عشرات الملايين، وتسبب في إضعاف الإمبراطورية البيزنطية، بسبب تدميره الاقتصاد
والجيش، كما عرف بطاعون عمواس في منطقة بلاد الشام وخاصة فلسطين والأردن، وتوفي
بسببه أعداد كبيرة من الصحابة المشاركين بفتح الشام وأبرزهم الصحابي أبو عبيدة
عامر بن الجراح.
طاعون مرسيليا:
سفنية غراند سانت أنتوني، التي وصلت مرسيليا عام 1720، من سواحل
الشام، إلى مرسيليا، تسببت في نقل الطاعون، ومات على متنها بحارون وجراح السفينة
خلال الرحلة.
ورغم أنها وضعت في الحجر الصحي، ولم يسمح لأحد بالنزول منها، إلا أن
نفوذ التجار أدى إلى السماح بتفريغ الحرير والقطن من على متنها وهو ما تسبب في
انتقال الطاعون من السفينة إلى السكان ومقتل قرابة 50 ألف شخص في مرسيليا.
واعتبر هذا الطاعون أكبر وباء ضرب مناطق غرب أوروبا، ومن أجل مكافحته
بعد تسببه بمقتل هذا العدد الهائل من السكان، أقدمت مرسيليا على إحراق السفينة
وأغراقها في البحر.
الحمى الصفراء:
تفشت الحمى الصفراء، عام 1878، عبر سفينة
تحمل اسم "إيميلي سودر"، يعتقد أنها جلبت المرض معها من كوبا، إلى مناطق
الأمريكيتين والكاريبي.
اظهار أخبار متعلقة
من أبرز المناطق التي ضربتها الحمى، مدينة نيو أورلينز، وبعد التفشي
هرب منها قرابة 40 ألف شخص، أي نحو 20 بالمئة من السكان، عبر السكك الحديدة التي
أنشئت عقب الحرب الأهلية الأمريكية.
وتسببت عمليات الهروب الكبيرة في تفش مضاعب للمرض، بصورة كبيرة في
أنحاء وداي المسيسيبي السفلي، ما أدى إلى وفاة أكبر من 5 آلاف شخص.
الكوليرا:
تفشت الكوليرا حول العالم، بواسطة السفن البريطانية والتجارية القادمة
من الهند، بفعل المياه الملوثة وتكاثر الوباء فيها، في المرة الأولى في القرن
التاسع عشر.
ووصلت بدايات الوباء إلى موانئ مثل ساندرلاند وليفربول في بريطانيا،
بادئ الأمر، ثم انتقلت مع المهاجرين المرضى إلى أمريكا، وقتل الآلاف في نيويورك
ونيو أورلينز.
ونتيجة تفشي الكوليرا قتل عشرات الآلاف في الموانئ الأوروبية
والأمريكية، حتى بدأ العالم يتعرف على الأسباب وراء الكوليرا، وأهمها المياه
الملوثة التي تشكل البيئة الخصبة للمرض.