عاد
العراق إلى دائرة الانسداد السياسي عقب إعلان الحزب الديمقراطي الكردستاني، مساء السبت، رفضه التعامل مع انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية، فيما وجّه ممثليه داخل مجلس النواب وفي الحكومة العراقية بالعودة إلى إقليم كوردستان للتشاور.
وشهدت عملية انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة تعثراً طويل الأمد، متجاوزة المدد الدستورية المقررة، حيث كان من المفترض أن تمهد هذه الخطوة لإنهاء حالة "جمود سياسي" خيّمت على البلاد منذ إجراء
الانتخابات التشريعية في دورتها السادسة أواخر عام 2025.
وينص الدستور العراقي على انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوما من الجلسة الأولى للدورة البرلمانية الجديدة، على أن يقوم الرئيس المنتخب بتكليف مرشح رئاسة الوزراء بتشكيل الحكومة خلال 15 يوما.
وبموجب نظام سياسي قائم منذ عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، يتم تقاسم السلطة وفق منهج
المحاصصة الطائفي، حيث يجب أن يكون رئيس الوزراء مسلماً شيعياً، ورئيس البرلمان مسلماً سنياً، بينما يكون رئيس الجمهورية كردياً.
نتائج التصويت وأداء اليمين
والسبت انتخب مجلس النواب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي رئيساً لجمهورية العراق، عقب حصوله على (227) صوتاً، فيما حصد النائب مثنى أمين نادر (15) صوتاً، في حين بلغ عدد الأصوات الباطلة (7).
اظهار أخبار متعلقة
لم يكن طريق آميدي سلساً؛ ففي الجولة الأولى حصد 208 أصوات، وهي نسبة لم تبلغ عتبة ثلثي الأعضاء المطلوبة دستورياً. ومع تشظٍ سياسي حاد شهدته الجلسة جراء مقاطعة كتل وازنة كالحزب الديمقراطي الكردستاني وائتلاف دولة القانون، جاء الحسم في الجولة الثانية.
وكان مجلس النواب قد أعلن اللجوء إلى جولة ثانية لانتخاب رئيس الجمهورية، وقبل ذلك، أعلن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي انسحاب مرشح الحزب الديمقراطي فؤاد حسين من الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية، ليصبح عدد المرشحين (16) مرشحاً.
رئيس لا يمثل الأغلبية الكردستانية
ووفق بيان له، ذكر الحزب الديمقراطي الكردستاني أن عملية انتخاب رئيس الجمهورية في مجلس النواب العراقي جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي المصادق عليه، حيث حددت رئاسة مجلس النواب جدول أعمال الجلسة دون الاكتراث بالنظام الداخلي للمجلس، وهو ما يعد انتهاكاً للقانون.
وأضاف أن المرشح الذي تم تحديده لمنصب رئيس الجمهورية كان خارج الآلية الكردستانية، في وقت يعتبر فيه هذا المنصب استحقاقاً لشعب كردستان وليس لحزب معين، إلا أن هذا المرشح تم تحديده للمنصب من قبل حزب واحد وصادقت عليه عدة أطراف من المكونات العراقية الأخرى.
وعبّر الحزب الديمقراطي الكردستاني عن رفضه أسلوب الانتخاب هذا، مستطرداً: "لا نعتبر الشخص الذي يتم اختياره بهذه الطريقة ممثلاً للأغلبية الكردستانية"، وأكد أن كتلة الحزب الديمقراطي قاطعت المشاركة وبالتالي كان يجب رفع اسم مرشح الحزب من عملية الانتخاب.
وختم بيانه بـ: "في الوقت الحالي، ومن أجل تقييم الوضع والتشاور، تؤكد كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلس النواب، يوم الجمعة، انسحابها من جلسة البرلمان المقررة لانتخاب رئيس الجمهورية، لعدم التوافق بين الكتل السياسية".
الخلاف الكردي.. يبرز إلى السطح
كشف انتخاب آميدي عن عمق الشرخ بين الحزبين الكرديين الرئيسيين؛ الديمقراطي والاتحاد الوطني؛ فعلى مدى أشهر فشل الطرفان في تقديم مرشح موحد، مما دفع كل طرف للمغامرة بمرشحه المنفصل.
ومع بقاء منصب الرئيس من حصة المكون الكردي وفق العرف السياسي المتبع منذ 2003، يمثل فوز آميدي تثبيتاً لموقع الاتحاد الوطني الكردستاني في هرم السلطة المركزية، رغم اعتراضات قوى كردية أخرى طالبت بتغيير قواعد اللعبة.
شعاره "العراق أولًا"
وفي أول خطاب له داخل البرلمان عقب انتخابه، أدان آميدي بشدة الاعتداءات على الأراضي العراقية، مؤكدًا أن حماية السيادة الوطنية ستكون من بين أولوياته الأساسية، وجدد التزامه بمبدأ "العراق أولًا"، مشددًا على أن حماية المصالح الوطنية العليا للبلاد ستشكّل الإطار الذي يوجّه رئاسته.
وقال الرئيس الجديد: "أدرك تمامًا حجم التحديات التي تواجه بلدنا"، مؤكدًا أهمية التنسيق بين مختلف السلطات، ومتعهدًا بالعمل بشكل وثيق مع السلطتين التنفيذية والتشريعية والسلطة القضائية أيضًا لتجاوز الأزمات القائمة.
وأعاد آميدي التأكيد على رفض الاعتداءات والانتهاكات التي تمس سيادة العراق، معتبرًا نفسه مدافعًا عن مصالح الدولة وملتزمًا بحماية وحدة أراضيها، مع دعم الجهود المحلية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراعات وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
من هو نزار آميدي؟
آميدي، البالغ من العمر 58 عامًا، يحمل شهادة بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة الموصل، وينحدر آميدي من محافظة دهوك شمال العراق، وكان قد شغل سابقًا منصب مساعد لرئيسين عراقيين سابقين هما جلال طالباني وفؤاد معصوم.
اظهار أخبار متعلقة
وترأس المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد منذ عام 2024. وتفوّق على عدد من المرشحين، من بينهم وزير الخارجية العراقي الحالي فؤاد حسين، مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني المنافس.
ويمتلك أكثر من 20 عاما من الخبرة في العمل الحكومي والسياسي، كما تولّى منصب وزير البيئة في حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني منذ تشكيلها عام 2022 وحتى استقالته منها في نهاية 2024، بحسب وسائل إعلام محلية ودولية.