ردود فعل واسعة ترحب باتفاق توحيد الإنفاق العام في ليبيا بعد 13 عاما من الانقسام

 ليبيا توحد الإنفاق العام بعد 13 عاما من الانقسام.. ترحيب حكومي ورقابي واسع وإشادة دولية - حساب الدبيبة "فيسبوك"
ليبيا توحد الإنفاق العام بعد 13 عاما من الانقسام.. ترحيب حكومي ورقابي واسع وإشادة دولية - حساب الدبيبة "فيسبوك"
شارك الخبر
في خطوة وصفت بالتاريخية، أعلنت ليبيا، السبت، توقيع اتفاق توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، بعد أكثر من 13 عاما من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج، الذي فاقم الأزمة الاقتصادية وأضعف مؤسسات الدولة. 

وقد قوبل الاتفاق بترحيب واسع من الحكومتين المتنافستين، والمؤسسات الرقابية، إلى جانب إشادة أمريكية ودولية، وسط تأكيدات بأن نجاحه مرهون بالتنفيذ الفعلي والتزام جميع الأطراف.

أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، رسميا توحيد الإنفاق العام بين شرق ليبيا وغربها، عبر توقيع “الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد”، واصفاً الخطوة بأنها إعلان واضح لقدرة الليبيين على تجاوز خلافاتهم عندما تتوفر رؤية موحدة لمستقبل البلاد.

وقال عيسى، خلال إشرافه على مراسم التوقيع في مقر المصرف بطرابلس، إن هذا الاتفاق يمثل “محطة مفصلية في تاريخ السياسة المالية الليبية”، ويعكس قدرة الأطراف على الجلوس معاً رغم الانقسامات العميقة.

وأوضح أن الاتفاق يتضمن برنامجاً تنموياً بقيمة 40 مليار دينار (8.4 مليار دولار أمريكي)، يهدف إلى دعم مشاريع التنمية وتحقيق عدالة توزيع الموارد والعملة الأجنبية، والحد من الإنفاق خارج الأطر القانونية، بما يعزز الاستقرار المالي على المدى المتوسط والطويل.

الدبيبة: المستفيد هو المواطن الليبي

وفي أول رد رسمي، رحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بالاتفاق، معتبرا أنه يمثل تحولا مهما بعد سنوات طويلة من التعثر السياسي.

وقال الدبيبة: “بعد 13 عاما من التعثر السياسي ننجح اليوم في الوصول إلى اتفاق يُنظم الإنفاق المالي بشكل موحد في كامل ليبيا بعد أن تفاقمت آثاره السلبية خلال السنوات الماضية بالشكل الذي بات واضحاً للجميع”.

وأضاف: “المستفيد الأول من هذا الاتفاق هو المواطن الليبي، وإذا التزمت جميع الأطراف بتنفيذه فسينعكس مباشرة بإذن الله على تحسن مستوى المعيشة واستقرار الأسعار واستعادة قوة الدينار الليبي”.

وشدد على أن “التنمية حق لكل الليبيين جنوباً وشرقاً وغرباً، لكنها لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن حدود القدرة المالية للدولة الليبية وإمكاناتها الاقتصادية وبما يدعم المواطن ولا يكون على حسابه”.

كما توجه بالشكر إلى “جميع الأطراف التي أسهمت في هذا التوافق، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي ومندوبي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة”، مثمناً دعم وزارة الخزانة الأمريكية الفني، ومشيداً بدور المستشار مسعد بولس في دعم جهود الوساطة السياسية.

اظهار أخبار متعلقة



خطوة نحو توحيد المؤسسات

من جانبه، أكد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق، أسامة حماد، أن الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في مسار توحيد المؤسسات.

وقال حماد: “التوصل إلى اتفاق الإنفاق الموحد العام للدولة خطوة تمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد”.

وأضاف أن هذا الإنجاز يعكس “قدرة الليبيين على تجاوز التحديات”، ويسهم في “تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني ودعم استقرار سعر الصرف والمحافظة على قدرات الدولة”.

وأشار إلى أن “توحيد الإنفاق العام والميزانية يمثل حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في كافة أنحاء البلاد بما يضمن عدالة توزيع الموارد”.

وأكد التزام حكومته “بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي وكافة المؤسسات ذات العلاقة لضمان حسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية”.

إشادة أمريكية

بدوره، هنّأ المستشار الأمريكي مسعد بولس الليبيين على الاتفاق، مؤكداً أنه سيُسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.

وقال في تدوينة عبر منصة “إكس”: “تجاوزت الأطراف المعنية من الشرق والغرب خلافاتها وقبلت بتسويات من أجل مصلحة بلادها، مما عزز الاستقرار المالي ودافع عن قيمة الدينار الليبي والقوة الشرائية للشعب الليبي وعزز البنك المركزي الليبي”.

وأضاف أن الميزانية الموحدة “ستدعم مشاريع التنمية في جميع أنحاء البلاد وتضمن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط لكي تتمكن من زيادة إنتاج الطاقة والإيرادات والازدهار للشعب الليبي وشركائه الدوليين”.

وأكد أن بلاده ستبقى “في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا”، مشيراً إلى استمرار دعم توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.

محطة مفصلية وإرادة للإصلاح

ورحّبت هيئة الرقابة الإدارية بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل “محطة مفصلية في مسار الإصلاح الاقتصادي”.
وأكدت على لسان رئيسها عبدالله قادربوه٬ أن الاتفاق يعكس “إرادة واضحة نحو إرساء مبادئ الشفافية والانضباط المالي، بما يسهم في الاستخدام الأمثل للموارد العامة وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة”.

وأشادت بالدور الذي لعبه مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب الدعم الأمريكي في تقريب وجهات النظر.
كما أكدت التزامها بمتابعة تنفيذ الاتفاق، وضمان الالتزام بمعايير النزاهة والمساءلة، داعية جميع الجهات إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية لتنفيذ الاتفاق.

من جهته، أكد ديوان المحاسبة الليبي أن الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في مسار إصلاح الإدارة المالية.
وأوضح رئيس الديوان خالد شكشك٬ أن توحيد الإنفاق “يمهّد لمرحلة جديدة تقوم على توحيد القرار المالي وتعزيز كفاءة إدارة الموارد”.

وشدد على أن أهمية الاتفاق ترتبط بمدى الالتزام بتنفيذه، وتحويله إلى “ممارسات مالية رشيدة تُنهي مظاهر الازدواجية وتحد من الهدر”.

كما أكد استمراره في متابعة التنفيذ وضمان حماية المال العام وتعزيز الشفافية.

اظهار أخبار متعلقة



مجلس النواب: نقلة نوعية نحو الشفافية

بدوره، رحّب مجلس النواب بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه تحول مهم في مسار الإصلاح المالي. وقال عضو المجلس عبد الله بلحيق إن الاتفاق يمثل “نقلة نوعية نحو تعزيز الشفافية وتنظيم آليات الإنفاق والحد من مظاهر الفوضى المالية”.

وأضاف أنه “يعكس قدرة الليبيين على تجاوز التحديات عندما تتوفر الإرادة الوطنية”، داعياً إلى البناء على هذه الخطوة لتوحيد المؤسسات.

بالتوازي مع الاتفاق، كشف محافظ المصرف المركزي عن إصلاحات واسعة، أبرزها: ( ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي إلى أكثر من 100 مليار دينار (21 مليار دولار أمريكي)٬ مراجعة سياسة سعر الصرف لحماية الدينار٬ تنظيم سوق الصرافة لأول مرة٬ التحول الرقمي لمكافحة الفساد٬ إطلاق منظومة “راتبك لحظي” لتسريع صرف المرتبات٬ مكافحة الاعتمادات الوهمية وتقليص المضاربات٬ سحب العملة المزورة وطباعة عملة جديدة عالية الحماية)

وأكد أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الشفافية وتحقيق الاستقرار النقدي وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

انقسام دام أكثر من عقد

يأتي هذا الاتفاق في ظل انقسام سياسي حاد بين حكومتين٬ حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس (غرب) المعترف بها دولياً٬ وحكومة مجلس النواب في بنغازي (شرق).

ومنذ عام 2014، عانت ليبيا من غياب ميزانية موحدة، واعتمد الطرفان على إنفاق مزدوج، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم.

كما شهدت البلاد خلافات حادة حول برامج التنمية، حيث أطلقت الحكومتان مشاريع متوازية تحت مسميات مختلفة مثل “عودة الحياة” و”إعادة الإعمار”.

يمثل اتفاق توحيد الإنفاق العام خطوة غير مسبوقة في مسار الإصلاح المالي في ليبيا، وسط إجماع داخلي وإشادة دولية، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في تنفيذ بنوده عملياً، في ظل استمرار الانقسام السياسي. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التوافق قد يشكل مدخلاً نحو توحيد أوسع للمؤسسات وتهيئة الأرضية لمرحلة الاستقرار وإجراء الانتخابات المنتظرة.
التعليقات (0)