استعداد سعودي لاستخدام "خيار القوة" مع انتظار نتائج الوساطة الباكستانية مع إيران

أذن ولي العهد للجيش السعودي في آذار/ مارس بالرد إذا استهدفت إيران محطات تحلية المياه أو شبكة الكهرباء- الأناضول
أذن ولي العهد للجيش السعودي في آذار/ مارس بالرد إذا استهدفت إيران محطات تحلية المياه أو شبكة الكهرباء- الأناضول
شارك الخبر
كشفت التطورات الأخيرة في الحرب على إيران عن حالة من القلق المتصاعد داخل العواصم الخليجية، وسط تنامٍ للشكوك بشأن الموثوقية تجاه الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، حيث تترسخ المخاوف من تكرار سيناريو "التخلي المفاجئ" عن الحلفاء بعد دفعهم إلى قلب المواجهة.

صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية قالت إنه في الوقت الذي تدفع فيه الدول العربية في الخليج نحو تحقيق اختراق دبلوماسي لإنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، تستعد السعودية لما ينبغي فعله إذا ما فشلت الدبلوماسية في وقف الحرب سريعًا.

وفي تقرير لمراسلها، أكد تايلور لاك أن السعودية تنتظر نتائج جهود الوساطة الأخيرة التي تقودها باكستان قبل أن تنظر في اتخاذ إجراء عسكري خاص بها، بالتزامن مع إرسال أمريكا آلاف الجنود الإضافيين إلى المنطقة، وسط تزايد الحديث عن عملية برية محتملة قد تستمر لأسابيع داخل إيران.

اظهار أخبار متعلقة


وتُعلّق السعودية آمالها على باكستان، التي أيّدتها يوم الأحد إلى جانب تركيا ومصر، لإنقاذ المنطقة، والمملكة نفسها، من كلفة حرب طويلة، كما يؤكد مسؤول أن المسؤولين السعوديين يجرون محادثات يومية مع إيران.

رغم ذلك، تستعد المملكة في مسارٍ موازٍ لخيارات عسكرية، وتعمل على تعزيز دفاعاتها، وتخطط لاستعراض محتمل للقوة، ويهدف ذلك إلى جعل إيران "تدفع ثمنًا" لمهاجمة السعودية وجيرانها، وإلى "ردعها عن تكرار ذلك"، بحسب مصدر سعودي مطلع غير مخوّل بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

ويقول مسؤولون ومطلعون سعوديون إن مثل هذا الاستعراض للقدرات العسكرية سيكون جزءًا من الدفاع عن أراضي المملكة ومصالحها الوطنية، بدلًا من الانخراط مباشرة في المجهود الحربي الأمريكي والإسرائيلي.

ويضيف التقرير: "حتى إذا نجحت الدبلوماسية وتجنّبت السعودية العمل العسكري، فإن تحولًا أعمق يجري بالفعل داخل المملكة، بعد تعرّضها لنحو 750 هجومًا صاروخيًا وبالطائرات المسيّرة الإيرانية منذ اندلاع الحرب".

حيث اعتمدت السعودية بشكل سلبي على المظلة الأمنية الأمريكية لعقود طويلة، وسعت مؤخرًا إلى تعزيز التعاون والدبلوماسية وإبرام الصفقات لحماية مصالحها في المنطقة ودعم تحولها الاقتصادي داخليًا، أما الآن، فتتولى الرياض زمام المبادرة لتعزيز قدراتها الدفاعية وإبراز قوتها العسكرية.

حاليًا، تواجه المملكة الكثير مما ينبغي موازنته، ومما يمكن أن تخسره، عند تحديد مدى استعدادها للرد على إيران، لكن الحرب غيَّرت المملكة بالفعل، كما يقول محللون، ولم يعد بإمكان الحكومة السعودية الاكتفاء بالكلام الهادئ دون امتلاك قوة رادعة لحماية مستقبلها.

الحوار غير كافٍ لإنهاء الأزمة

لطالما اعتبرت السعودية الدبلوماسية أولويتها القصوى، حيث سعت إلى تهدئة مع إيران عام 2023 ضمن اتفاق برعاية الصين، وكانت تدفع إدارة ترامب نحو إجراء محادثات للتوصل إلى حل للنزاع حول البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ودعم الميليشيات الوكيلة.

كما سعت السعودية إلى ترسيخ موقعها على الساحة العالمية كوسيط محوري خلال السنوات الأخيرة، وتحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، حيث لعبت دور الوسيط واستضافت محادثات حول أوكرانيا وغزة والملف الفلسطيني.

لكن - بحسب تقرير الصحيفة - أظهرت حرب إيران للقيادة السعودية حدود الدبلوماسية، وقال مسؤول في الخارجية السعودية: "من حقنا الدفاع عن أنفسنا وأراضينا وشعبنا والمقيمين ضد هذا العدوان اليومي، بمعزل عن الحرب"، وأكد أن السعودية "لا ترغب في مهاجمة إيران"، وأنها "تشجع على حل دبلوماسي حتى قبل اندلاع الحرب".

وأضاف: "إذا توقفوا عن مهاجمتنا، فلا حاجة لمناقشة الخيارات العسكرية، لكن إذا استمرت إيران في مهاجمتنا، فسنضطر إلى النظر في جميع الخيارات"، ويقول محللون إن السعودية ماضية في تعزيز قدراتها الدفاعية، حتى إذا نجحت محادثات الوساطة التي تقودها باكستان، أو أعلنت واشنطن إنهاء الأعمال العدائية.

وقال مصدر سعودي مطّلع على المداولات الجارية في الرياض: "لن تكون السعودية رهينة لأي طرف؛ لا إيران ولا أي فاعل إقليمي آخر، الآن أو في المستقبل".

ويقول عبدالعزيز صقر، المحلل السياسي ورئيس مركز الخليج للأبحاث في جدة: "من غير المرجح أن تتخلى السعودية عن الدبلوماسية مع إيران، لكن ميزانها تغيّر بوضوح".

ويضيف: "الدرس المستفاد من هذه الحرب هو أن الحوار وحده لا يكفي إذا لم يُدعَم بردع موثوق، ودفاعات جوية وصاروخية أقوى، وعواقب أوضح للهجمات على البنية التحتية المدنية والاقتصادية".

ووقّعت السعودية اتفاقًا أمنيًا مع أوكرانيا يوم الخميس الماضي في إطار تعزيز دفاعاتها، يزوّد الجيش الأوكراني المتمرّس المملكة بموجبه بأنظمة دفاع مضادة للطائرات المسيّرة.

وأفادت تقارير في وقت سابق من شهر آذار/مارس، بأن ولي العهد أذن للجيش السعودي بالرد إذا استهدفت إيران محطات تحلية المياه أو شبكة الكهرباء، وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية، تقيّم المملكة حاليًا خيارات الرد.

وأضاف صقر: "من المرجح أيضًا أن نشهد استثمارات أكبر في التصنيع الدفاعي المحلي"، مشيرًا إلى أن توطين الصناعة الدفاعية كان بالفعل أولوية قبل اندلاع الحرب، وقال: "إذا أمكن استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية بشكل متكرر، فإن الخليج سيواجه هشاشة مستمرة حتى بعد وقف إطلاق النار".

ما خيارات الدفع باتجاه عمل هجومي؟

وذكرت وسائل إعلام غربية، مثل واشنطن بوست والغارديان، أن السعودية، إلى جانب الإمارات، تحث إدارة ترامب على مواصلة حملتها العسكرية حتى لا تعود إيران قادرة على تهديد الخليج، لكن مسؤولي وزارة الخارجية السعودية نفوا باستمرار أن تكون المملكة قد دفعت نحو الحرب.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد ألمح في تصريحات مرتجلة مؤخرًا إلى دعم سعودي وخليجي لهزيمة إيران، إذ قال عن ولي العهد الأسبوع الماضي: "إنه مقاتل. إنه يقاتل معنا"، وأضاف مساء الأحد: "السعودية تقاتل بقوة. قطر تقاتل. الإمارات تقاتل. الكويت تقاتل. البحرين تقاتل".

وتأتي تلك التصريحات رغم عدم سماح دول الخليج علنًا للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي أو قواعدها لشن هجمات على إيران، كما لم تنفذ أي منها ضربات انتقامية ضد إيران، سواء بشكل منفصل أو بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

لكن في المقابل، تقول مصادر إن الرياض خلصت إلى أنه من أجل أمن المملكة على المدى الطويل، يتعين عليها أن تُظهر قدرتها واستعدادها للدفاع عن نفسها وفرض كلفة على إيران من دون تدخل الولايات المتحدة.

وإذا فشلت الدبلوماسية، تدرس السعودية عدة خيارات، تشمل حشد قوات عسكرية على سواحلها وحدودها، وتنفيذ ضربات صاروخية محدودة على أصول إيرانية أو على وكلائها في المنطقة، والسماح للولايات المتحدة باستخدام المجال الجوي والقواعد السعودية بشكل علني لشن هجمات على إيران.

ومع تحوّل النهج السعودي، تبقى دول خليجية أخرى منقسمة بشأن ردها على الهجمات اليومية الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إذ تدفع الإمارات والبحرين نحو موقف متشدد ذي طابع عسكري تجاه إيران، بينما تفضّل قطر وسلطنة عُمان نهجًا دبلوماسيًا لإنهاء الحرب.

ومن المرجح أن أي قرار تتخذه السعودية، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 35 مليون نسمة وتُعد الأكبر في منطقة الخليج، سيحدد نبرة الموقف في العالم العربي الأوسع.

تُقيّم الرياض بعناية كلفة أي خطوة قد تعتبرها إيران تصعيدًا، وتتمتع المملكة حاليًا بهدوء نسبي؛ إذ لم تتعرض لهجمات متكررة مثلما حدث مع إسرائيل أو الإمارات أو دول خليجية أخرى، غير أن تصاعد الهجمات الإيرانية سيهدد مسار التحول الاقتصادي لما بعد النفط في السعودية، وقد يُدخل مجتمعًا غير معتاد على الحروب في صراع كبير جديد.

وتمكنت السعودية من تجاوز إغلاق إيران لمضيق هرمز عبر استخدام خط أنابيب بديل يقطع وسط البلاد لتصدير نفطها، ويمتد هذا الخط من الساحل الشرقي الذي يشهد توترًا إلى ساحل البحر الأحمر غربًا، ناقلًا نحو 7 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يمثل كامل صادرات النفط السعودية حاليًا.

وأصبحت موانئ البحر الأحمر المنفذ الوحيد الذي تمر عبره واردات وصادرات السعودية وجيرانها في الخليج، كما شكّلت المطارات السعودية، التي لم تتأثر إلى حد كبير بالحرب، شريان حياة للكويت وقطر والبحرين.

اظهار أخبار متعلقة


ويتوقع صانعو القرار في الرياض أن إيران لن تكتفي باستهداف خط الأنابيب السعودي، بل إن الحوثيين، وهم وكلاء إيران في اليمن، سيستهدفون أيضًا موانئ البحر الأحمر ويعطلونها، مما قد يؤدي إلى عزل الخليج إذا أقدمت السعودية على عمل هجومي.

ويقول محمد الحامد، محلل جيوسياسي وصحفي سعودي في الرياض: "إن السعودية تتحمل الآن مسؤولية الاقتصاد العالمي بأسره، وهم يدركون أن رد إيران لن يقتصر على السعودية فحسب، بل سيطال سوق الطاقة العالمي".

ويضيف: "قتال إيران لإسرائيل لا يعطل إمدادات الطاقة العالمية، أما قتالها للسعودية فيفعل ذلك، وعلى الجميع أن يأمل ألا تنضم السعودية إلى الحرب"، لكنه يشير إلى أن صبر السعودية بدأ ينفد.

ويختم قائلًا: "إذا فشلت الدبلوماسية، فأنا أعتقد تمامًا أن السعودية ستنضم إلى الحرب ضد إيران، فإيران تمسك بزمام ما سيحدث بعد ذلك في الوقت الراهن".

التعليقات (0)