"الإيكونوميست": حرب إيران قد تسرع تراجع أمريكا وتمنح الصين فرصا استراتيجية

تعتقد الصين أن انشغال أمريكا بالحرب سيمنحها فرصة لتشكيل ملامح القرن الحادي والعشرين- الأناضول
تعتقد الصين أن انشغال أمريكا بالحرب سيمنحها فرصة لتشكيل ملامح القرن الحادي والعشرين- الأناضول
شارك الخبر
قالت مجلة "الإيكونوميست" إن الذهاب إلى حرب ضد إيران رُوج له على أنه سيغير الشرق الأوسط عبر إضعاف نظام وصف بالشرير وإحباط طموحاته النووية، بل وسيغير العالم أيضا، بحسب مؤيديه، من خلال إخضاع الصين الصاعدة.

وأوضحت المجلة في افتتاحيتها المنشورة الأربعاء، أن الحرب يفترض أن تُظهر قدرة الولايات المتحدة على التحكم في تدفق النفط بما يجعل الصين عرضة للخطر، إضافة إلى تعزيز الردع عبر إظهار التفوق العسكري الأمريكي مقابل تردد الصين أو عجزها عن إنقاذ حلفائها.

ورأت أن هذا المنطق، بعد شهر من القتال، يبدو مضللا ومغرورا، مشيرة إلى أن هذا هو الانطباع السائد في بكين، حيث تحدثت المجلة إلى دبلوماسيين ومستشارين وباحثين وخبراء ومسؤولين حاليين وسابقين، اعتبر معظمهم أن الحرب تمثل خطأ أمريكيا جسيما.

ونقلت عن هؤلاء أن الصين اختارت الوقوف جانبا، انطلاقا من قناعة قادتها بالمقولة المنسوبة إلى نابليون بونابرت: "لا تقاطع عدوك أبدا عندما يكون بصدد ارتكاب خطأ".

وأشار كثير من الصينيين إلى أن الحرب ستسرع تراجع الولايات المتحدة، معتبرين أن ما وصفوه بالعدوان الأمريكي يعزز توجه الرئيس شي جين بينغ نحو التركيز على الأمن بدلا من النمو الاقتصادي، مع توقعهم أن يفتح السلام لاحقا فرصا يمكن للصين استغلالها، في ظل غياب القلق إلا بشكل محدود في الخلفية.

اظهار أخبار متعلقة


ورأت بكين أن الولايات المتحدة تستهدف إيران بدافع شعورها بتراجع قوتها، معتبرة أن استعراض القوة العسكرية يتناقض مع غياب الهدف وضبط النفس، كما أشارت الصحيفة إلى تجاهل الرئيس دونالد ترامب نصائح الخبراء وإطلاقه تهديدات متهورة، مع اقترابه، وقت نشر المقال، من مخاطبة الأمة وسط حديث عن الانسحاب، وهو ما اعتبر دليلا على غياب استراتيجية واضحة تضع واشنطن على مسار الفشل.

وأضافت المجلة أن خبراء صينيين يأملون أن تعزز الحرب السردية المتعلقة بتراجع أمريكا، مشيرين إلى أن تصريحات ترامب حول عملية برية تكشف سهولة الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، إذ إن غرق إيران في الفوضى أو تمسك النظام بالبقاء قد يدفع الولايات المتحدة إلى سنوات من الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، كما أن سعي إيران لامتلاك سلاح نووي قد يفتح باب حرب جديدة.

وسيصرف هذا المسار انتباه الولايات المتحدة عن شرق آسيا، حيث تسعى الصين إلى تشكيل ملامح القرن الحادي والعشرين، كما سيزيد قلق الدول الحليفة لواشنطن التي قد ترى في سلوكها دليلا على تراجع موثوقيتها، إضافة إلى تحملها تبعات ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام، ما قد يدفع دول آسيا إلى توخي الحذر في التعامل مع الصين.

وأشار إلى أن المسؤولين الصينيين يعتبرون الحرب دليلا على صواب توجه شي جين بينغ نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والموارد، رغم تأثير ذلك على النمو الاقتصادي الذي لا يزال دون إمكاناته.

اظهار أخبار متعلقة


وعمل شي على حماية بلاده من نقاط الاختناق عبر إنشاء احتياطي استراتيجي من النفط الخام يبلغ 1.3 مليار برميل يكفي لعدة أشهر، وتنويع مصادر الطاقة بين النووي والشمس والرياح مع الحفاظ على الفحم المحلي، إلى جانب تسهيل تجارة النفط الإيراني بشكل براغماتي.

واستثمرت بكين أيضا في امتلاك أدوات ضغط مقابلة، إذ هددت العام الماضي، عقب تصعيد الرسوم الجمركية من جانب ترامب، بتقييد إمدادات المعادن الأرضية النادرة الضرورية للتكنولوجيا، رغم أن هذه الورقة قد تضعف مع إيجاد بدائل، بينما تسعى الصين إلى تطوير نقاط ضغط جديدة تشمل جزيئات دوائية حيوية وبعض الرقائق وسلاسل الإمداد، فضلا عن سعيها للهيمنة على تقنيات مثل الحوسبة الكمومية والروبوتات.

ورجحت أن الحرب قد تخلق فرصا اقتصادية للصين، مع توقع طرح عقود إعادة إعمار في دول الخليج وإيران، إضافة إلى زيادة الطلب على التكنولوجيا الخضراء الصينية، بما في ذلك الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات، في ظل مخاوف من اضطرابات محتملة في مضيق هرمز.

اظهار أخبار متعلقة


وأضافت أن الصين قد تسعى لاستغلال الوضع في التفاوض مع الولايات المتحدة، إذ إن إضعاف ترامب في إيران قد يجعله أكثر مرونة، خاصة مع توقعات بأن تسعى بكين خلال قمة مرتقبة في مايو إلى التوصل لاتفاق يحد من الرسوم الجمركية وضوابط التصدير، وربما يفتح المجال للاستثمار الصيني، مع طموح صيني لأن تعلن واشنطن معارضتها لاستقلال تايوان ودعمها "إعادة التوحيد السلمي"، في تحول عن الغموض الذي صاغه هنري كيسنجر.

ورغم هذا التفاؤل، أشارت إلى وجود مخاوف في الصين، خاصة بعد ملاحظة الخبراء لاستخدام القوات الأمريكية للذكاء الاصطناعي في تنسيق العمليات، ما يعزز الحذر من سيناريوهات الحرب، ويقلل من احتمالات اندفاع بكين نحو غزو تايوان.

وتبقى الحرب غير متوقعة، كما أن تراجع الولايات المتحدة، إن حدث، قد يغني الصين عن خيار الحرب، مع وجود مخاوف اقتصادية من تأثيرات استمرار النزاع على صادراتها، حتى وإن تضررت دول أخرى بدرجة أكبر.

ويعاني التحليل الصيني من نقطة عمياء استراتيجية، تتمثل في التردد في تصور سيناريو تتحول فيه الولايات المتحدة إلى قوة متمردة تقوض النظام العالمي الذي أسسته، رغم أن الصين استفادت تاريخيا من هذا النظام.

وأوضحت أن عالما غير مستقر سيشكل تحديا للصين، إذ إن الفوضى العالمية ستؤثر سلبا على نموذجها القائم على التصدير، ما يثير قلق الحزب الحاكم الذي يستند إلى الاستقرار والازدهار.

وأشارت المجلة إلى أن تراجع الولايات المتحدة قد يتزامن مع هذا السيناريو، لكنه ليس حتميا، إذ أظهرت واشنطن مرارا قدرتها على إعادة ابتكار نفسها، في حين تبقى الصين أكثر حذرا ومقيدة بأيديولوجيا الحزب، كما أنها تتردد في التدخل حين تتراجع الولايات المتحدة عن دورها في توفير الأمن العالمي.

اظهار أخبار متعلقة


ووفق المجلة، تراهن الصين على فشل الولايات المتحدة في التعامل مع الفوضى التي تخلقها، لكن ثمة سيناريو معاكسا قد تتبناه فيه واشنطن وتتكيف معه، بينما تجد بكين نفسها أكثر انعزالا، وهو احتمال قد يصب في مصلحة الولايات المتحدة.
التعليقات (0)