فورين بوليسي: لماذا وضعت الحرب على إيران الجزائر أمام خيارات حاسمة؟

الجزائر توفر حاليا نحو 30 بالمئة من احتياجات الغاز السنوية لإيطاليا  - الرئاسة الجزائرية على الفيسبوك
الجزائر توفر حاليا نحو 30 بالمئة من احتياجات الغاز السنوية لإيطاليا - الرئاسة الجزائرية على الفيسبوك
شارك الخبر
وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تجد الجزائر نفسها أمام مفترق طرق حاسم بين الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية مع طهران واستثمار مكانتها كأحد أكبر موردي الغاز في إفريقيا لأوروبا، في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة عالميا.

ونشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريرا أعدته نوسومت غابداموسي أشارت فيه إلى الخيارات الجزائرية الحذرة وسط الحرب فمن جهة تريد موازنة علاقاتها الطويلة مع الجمهورية الإسلامية، ومن جهة ثانية تريد الاستفادة من قدراتها في مجال الطاقة وحاجة الغرب للغاز الجزائري، وبخاصة أن الجزائر تملك أكبر احتياطي للغاز بعد نيجيريا وتعد أكبر منتج له في القارة الأفريقية، وهناك إشارات كما تقول المجلة أن الجزائر باتت تتحوط على رهاناتها وسط احتياجات الغرب الماسة للغاز ورغبتها بالاستفادة من أسعار المرتفعة.

وقالت المجلة إن الحرب على إيران وضعت الجزائر في موقف حرج وهي تسعى جاهدة للموازنة بين تحالفها الاستراتيجي مع إيران وبين استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بصفتها موردا رئيسياً للغاز إلى الغرب.

وأضافت أن رد فعل الجزائر بداية الحرب التي قتل فيها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بضربات أمريكية وإسرائيلية، صامتا نوعا، فرغم أن الجزائر أعربت عن "دعمها لإخوانها العرب في مواجهة الانتهاكات غير المقبولة التي تعرضوا لها"، إلا أنها لم تدن الولايات المتحدة.

وكتبت هيئة تحرير صحيفة "لو ماتان دألجيري" في 5 من آذار/مارس أن ضبط النفس الجزائري إزاء الأزمة الإيرانية "يعكس بلا شك رغبة الجزائر في تجنب أي انحياز في صراع ذي تداعيات متعددة".

 وارتبطت الجزائر وإيران علاقات وثيقة منذ عقود، متجذرة في فكر "مقاومة" مشترك ضد إسرائيل ورغبة متبادلة في توسيع نفوذهما في غرب أفريقيا.

اظهار أخبار متعلقة


ومن الناحية الدبلوماسية، تستفيد الجزائر من علاقاتها مع إيران، حيث تدعم الأخيرة القضية الصحراوية، وهو أمر مهم للجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو، حركة التحرير الصحراوية التي تقاوم مطالبة المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية. وقد قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إيران عام 2018، متهما حزب الله، حليف طهران، بتزويد جبهة البوليساريو بالأسلحة، رغم أن بعض المحللين يشككون في هذا الادعاء.

ومع ذلك، ترى المجلة أن هناك إشارات حذرة من النظام الجزائري وسط تغيرات المشهد الجيوسياسي، وتسعى في جوهرها للاستفادة من اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران.

وقال دبلوماسي جزائري، فضل عدم الكشف عن هويته، لموقع "ميدل إيست آي" في لندن: "لدينا استراتيجيتنا الخاصة: تنويع شركائنا وتقليل اعتمادنا على سلاسل التوريد الغربية وتجنب أي صراع خلال السنوات المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب". ويأتي التحول نظرا لأن الجزائر هو قوة مهمة للطاقة وتصدر منذ ستينيات القرن الماضي، الغاز إلى أوروبا.

وأضاف التقرير أنه في الأسبوع الماضي، التقت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، كلٌ على حدة، بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الجزائر العاصمة، سعيا لزيادة واردات الغاز في ظل تهديد الصراع في الشرق الأوسط لإمدادات الطاقة. وفي المقابل، تتطلع الجزائر إلى إعادة التفاوض على الأسعار، وتطمح إلى زيادة تتراوح بين 15 و20 بالمئة في أسعار صادرات الغاز.

وأشار إلى أن الجزائر توفر حاليا نحو 30 بالمئة من احتياجات الغاز السنوية لإيطاليا، إضافة لواردات إسبانيا منه. وتتجه إيطاليا إلى الجزائر أملا في تعويض النقص في الغاز الذي تستورده عادة من قطر، التي باتت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية بعد الهجوم الإيراني على محطات الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

ويتم إيصال الغاز الجزائري إلى إسبانيا وإيطاليا عبر خطي أنابيب منفصلين. وتصدر الجزائر الغاز إلى إسبانيا مباشرة عبر خط أنابيب "مدغاز" البحري، بينما تحصل إيطاليا على إمداداتها عبر خط أنابيب "ترانس ميد" الذي يمر عبر تونس والبحر الأبيض المتوسط.

ولفت إلى أن المحللون طالما حذروا من قدرة الجزائر على زيادة طاقتها الإنتاجية عبر خط أنابيب ترانسميد، نظرا لانخفاض الكميات المنقولة في السنوات الأخيرة بسبب تقادم البنية التحتية. ومما يزيد الأمر تعقيدا، هو التزايد في نسبة استهلاك الغاز في الجزائر خلال العقدين الماضيين، مما قلل الكمية المتاحة للتصدير.

اظهار أخبار متعلقة


ومع ذلك، إذا تمكنت الجزائر من ضمان أسعار تصدير أعلى أو زيادة طاقتها الإنتاجية، فستتمتع بميزة اقتصادية كبيرة على منافستها المغرب، لا سيما مع تنافس البلدين الجارين على النفوذ في منطقة الساحل وغرب أفريقيا الأوسع نطاقًا جنوبهما. وقد أصبحت منطقة الساحل وغرب أفريقيا ساحة تنافس متزايدة الأهمية بين البلدين، خاصةً مع تزايد عزلة الجزائر بعد اعتراف إدارة ترامب الأولى بسيادة المغرب على الصحراء الغربية عام 2020، مما دفع العديد من الدول الأوروبية والأفريقية إلى اتخاذ الموقف نفسه سعيا منها لإبرام اتفاقيات تجارية مع الرباط.

وتابع أن الرباط تسعى حتى الآن إلى استمالة دول غرب أفريقيا عبر اتفاقيات تجارية، ودول الساحل التي تقودها المجالس العسكرية عبر منفذ بحري يبنى في الصحراء الغربية بتكلفة 1.2 مليار دولار.

وأضاف أنها تعلق آمالاً كبيرة على خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، إلا أن المشروع، الذي سيستغرق 25 عاما لإنجازه - تعرض لعقبات أمنية في نيجيريا. وفي ظل معاناة المغرب من ارتفاع أسعار الوقود والتضخم الناجم عن الحرب، وقعت الجزائر بهدوء خلال عطلة نهاية الأسبوع اتفاقية مع ساحل العاج للتعاون في مشاريع الغاز والنفط.

وجاء ذلك بعد فترة وجيزة من إعلان الجزائر أن شركة سوناطراك الحكومية للطاقة ستبدأ عمليات التنقيب عن النفط والغاز هذا الشهر في النيجر وأنها التزمت ببرنامج بقيمة 88 مليون دولار لتحديث البنية التحتية للتعدين والطاقة في بوركينا فاسو.

وقالت المجلة إن الجزائر التي بدأت تفقد شبكات الأمن الإيرانية مع تركيز طهران على بقائها، أصبحت أكثر عرضة للعنف المتصاعد بسرعة في منطقة الساحل، فيما ويرى بعض المحللين أن تجدد الدفء في العلاقات  مع المنطقة هي خطوة إيجابية في بناء استجابات أمنية متماسكة في المنطقة.


التعليقات (0)