أثار إغلاق
مضيق هرمز
من قبل
إيران ردا على الحرب الذي تشها عليه الولايات المتحدة والاحتلال وما تلا
ذلك من تعطيل سلاسل التوريد العالمية وازدحام الموانئ حول المحيط الهندي بشحنات
أُعيد توجيهها بعيداً عن
ميناء جبل علي الإماراتي بالخليج، وسط بحث أسئلة عدة عن
مدى استفادة ميناء عدن الاستراتيجي جنوبي
اليمن، من هذه الأحداث لاستعادة دوره وقدراته
التشغيلية كأحد الموانئ العالمية.
ويعد ميناء عدن من
أكبر الموانئ الطبيعية في العالم، حيث برز في خمسينيات القرن الماضي، كمركز ثقل
تجاري بين ثلاث قارات، بتزويده السفن بالوقود والخدمات اللوجيستية. فضلا عن المزايا
التي يتمتع بها سواء الطبيعية التي تمنحه قدرة استيعابية لاستقبال السفن، أو
الموقع الذي يقلل من زمن سير الناقلات النفطية والتجارية العالمية والذي يوفر
كثيراً من كلف النقل الباهظة على الشركات الملاحية.
اظهار أخبار متعلقة
وكان رئيس مجلس مؤسسة
خليج عدن، محمد علوي أمزربه، قد قال في بيان له، الشهر الماضي إن استعادة ميناء
عدن دوره وتشغيله بكامل طاقته من شأنه تحويل اليمن من سوق استهلاكي إلى منصة خدمات
لوجستية، بما يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل النوعية، ويحفز نمو الصناعات
التحويلية في المناطق الحرة، ويخلق تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تسهم في استقرار
العملة الوطنية ودعم جهود إعادة الإعمار.
فرصة صعبة
وفي السياق، قال
الخبير اليمني في العلوم الجيولوجية والموارد الطبيعية، عبدالغني جغمان، إن ميناء
عدن تاريخيا وطبيعيا، يمتلك مقومات استراتيجية مهمة قد تجعله أحد المستفيدين من
الاضطرابات التي تشهدها موانئ المنطقة، خاصة أنه يقع بالقرب من مضيق باب المندب
وعلى أحد أهم خطوط التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
وأضاف جغمان في حديث
خاص لـ"عربي21" أنه في حال تأثرت موانئ الخليج أو تعطلت بعض مسارات
الشحن، قد تبحث شركات الملاحة عن موانئ بديلة أقرب إلى مسار السفن، وهو ما يمنح
"عدن" فرصة لاستعادة جزء من دوره التاريخي كميناء ترانزيت وخدمات بحرية.
وأشار الخبير اليمني
الاستراتيجي أن هذه الفرصة تظل صعبة بسبب عوامل عدة منها "الوضع الأمني في
اليمن وافتقار الميناء للبنية التحتية والأنظمة الرقمية "التي يمكن من خلالها
مناولة واستقبال سفن عملاقة بأعداد كبيرة، متابعا القول: لهذا فإن "جذب
استثمارات وشركات تشغيل عالمية سيكون من الصعوبة بمكان إن لم نقل تحدي كبير جدا".
ومع ذلك، عاد الخبير
اليمني في العلوم الجيولوجية ليقول: "إن الأحداث الحالية تفتح نافذة فرصة
لميناء عدن". لكنه لم يستبعد أن هذه الفرصة ستفوت على اليمن كون "الفساد
الإداري والإهمال سبب خسارة كبيرة في استغلال هذا المرفق العملاق".
وعبر عن أمله في تعلم
الدروس، والعمل على إصلاح وتطوير فعلي للقطاع المينائي في اليمن، لكي نتمكن من
بناء بنى تحتية مناسبة واستغلال الفرص المتعددة أمام البلاد.
مهمة ليست سهلة
من جانبه، قال المحلل
السياسي اليمني والقيادي في حلف قبائل شبوة، مبارك محمد بن هدنه إنه ومع تصاعد
التوترات الإقليمية خلال عام 2026، عاد اسم ميناء عدن اليمني إلى دائرة النقاش
كأحد الموانئ القادرة – نظرياً – على استعادة جزء من دوره التاريخي كمركز لوجستي
عالمي يربط بين الشرق والغرب.
وأضاف بن هدنه في
حديثه لـ"عربي21" أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التوتر بعد اندلاع
مواجهة عسكرية مباشرة شملت ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران.
بينما وردّت طهران بإعلان إغلاق مضيق هرمز مطلع مارس الجاري، وهو الممر الذي يمر
عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وأشار إلى أن هذه
التطورات دفعت شركات الملاحة العالمية إلى البحث عن بدائل ومسارات أكثر أماناً،
وهو ما أعاد طرح تساؤلات قديمة جديدة من قبيل : هل يستطيع ميناء عدن استعادة
مكانته التاريخية في شبكة التجارة العالمية؟
وبحسب المحلل السياسي
اليمني فإن ميناء عدن يقع عند نقطة جغرافية شديدة الأهمية قرب مدخل البحر الأحمر
ومضيق باب المندب، ما يجعله حلقة وصل طبيعية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر،
وبالتالي بين أسواق الشرق والغرب.
وتابع بأن هذا الموقع
الفريد منح مدينة عدن دوراً بارزاً في التجارة البحرية منذ العصور القديمة. وتشير
الأدلة التاريخية إلى أن عدن كانت مركزاً تجارياً مهماً منذ أكثر من ثلاثة آلاف
عام، وارتبط اسمها بمملكة أوسان القديمة التي ازدهرت في جنوب الجزيرة العربية خلال
القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، على حد قوله
وأوضح القيادي في حلف
قبائل شبوة (كيان سياسي قبلي) أن ميناء عدن، رغم تاريخه العريق شهد تراجعاً
ملحوظاً خلال العقود الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها "ضعف
الاستثمار في البنية التحتية وسوء الإدارة"، إضافة إلى "التجربة
التعاقدية المثيرة للجدل مع شركة موانئ دبي العالمية، التي انتهت بإلغاء الاتفاق
عام "2012.
وقال إن السنوات
الأخيرة شهدت بعض الجهود لإعادة تأهيل الميناء وتعزيز قدراته التشغيلية. ففي
الفترة بين عامي 2024 و2025 نفّذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بدعم من الحكومة
اليابانية، مشاريع لتطوير البنية التحتية للميناء.
وشملت هذه المشاريع
وفق بن هدنه "إعادة تأهيل مستودعات رئيسية تضررت خلال سنوات النزاع، إضافة
إلى تحديث الأنظمة الرقمية في محطة الحاويات وتحسين وسائل الاتصال والتنسيق
اللوجستي داخل الميناء".
وفي إطار خطة إعادة
تأهيل ميناء عدن وفق المتحدث ذاته، بدأت السلطات "عمليات انتشال السفن
الغارقة والمتهالكة التي كانت تعيق حركة الملاحة، خصوصاً في ميناء الاصطياد السمكي
بمنطقة حجيف". وقد تم انتشال نحو 11 سفينة حتى فبراير 2026، في خطوة تهدف إلى
تحسين بيئة العمل داخل الموانئ.
ورغم الفرص التي قد
تتيحها التطورات الإقليمية، أكد السياسي بن هدنه على أن استعادة ميناء عدن لدوره
التاريخي ليست "مهمة سهلة"، مرجعا ذلك إلى "الوضع الأمني في خليج
عدن ومضيق باب المندب حيث لا يزال يشكل تحدياً، خصوصاً مع "ارتفاع تكاليف
التأمين البحري في المناطق القريبة من النزاعات".
وقال أيضا، إن استمرار
الانقسام السياسي والنزاع في اليمن يحد من قدرة البلاد على جذب الاستثمارات
الضرورية لتطوير الميناء والمناطق الحرة المرتبطة به.
اظهار أخبار متعلقة
في الوقت نفسه، يفيد
المحلل السياسي اليمني أن ميناء عدن يواجه منافسة قوية من موانئ إقليمية متطورة
مثل ميناء جدة وجبل علي وصلالة والدقم وجيبوتي، وهي موانئ تمتلك بنية تحتية حديثة
وشبكات لوجستية عالمية متقدمة.
ويرى المتحدث ذاته أن
تحويل التطورات الراهنة إلى فرصة حقيقية يتطلب خطوات جادة، في مقدمتها "تعزيز
الأمن البحري في باب المندب وخليج عدن، وتطوير البنية التحتية للميناء بما يسمح
باستقبال سفن الحاويات العملاقة".
كما يتطلب الأمر
إصلاحات إدارية واقتصادية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، إلى جانب إمكانية إشراك
شركات تشغيل عالمية تمتلك خبرة في إدارة موانئ الترانزيت الكبرى، وفق قوله
وختم بن هدنه حديثه
قائلا: إن ميناء عدن يمتلك "المادة الخام" لصناعة عصر ذهبي جديد، لكن
تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب رؤية سياسية واقتصادية تتجاوز حدود اليمن
لتشمل التكامل مع المحيط الخليجي والدولي، ليكون الميناء فعليا "بوابة اليمن
إلى العالم" وصمام أمان للملاحة الدولية في بحر العرب.