كشفت تقارير حديثة عن انتشار صورة زعم أنها تظهر قاعدة عسكرية أمريكية مدمرة في قطر التقطت عبر
الأقمار الاصطناعية، غير أن التحقيقات بينت أنها صورة مزيفة جرى إنشاؤها باستخدام تقنيات
الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على تصاعد خطر المعلومات المضللة المدعومة بالتكنولوجيا خلال النزاعات العسكرية.
ويحذر باحثون من أن الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي منح الدول والجهات الدعائية أدوات متقدمة لفبركة صور مقنعة تبدو وكأنها التُقطت بواسطة الأقمار الاصطناعية في مناطق النزاع، وهو اتجاه قد يحمل تداعيات أمنية حقيقية على أرض الواقع.
صورة مزيفة لقاعدة أمريكية
وجاءت الواقعة في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على
إيران، حيث نشرت صحيفة "طهران تايمز" صورة قالت إنها تظهر مقارنة بين معدات رادار أمريكية في قاعدة بقطر قبل "تدميرها بالكامل" وبعده.
لكن الباحثين أوضحوا أن الصورة في الواقع نسخة معدلة من صورة التُقطت عبر "غوغل إيرث" العام الماضي، وتُظهر قاعدة أمريكية في البحرين، جرى التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومن بين المؤشرات البصرية التي كشفت التلاعب وجود صف من السيارات متوقفة في المواقع نفسها في الصورتين، الأصلية والمعدّلة، وهو ما أظهر بوضوح أن الصورة المنشورة ليست حقيقية.
ورغم ذلك، حققت الصورة انتشاراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وحصدت ملايين المشاهدات بعد تداولها بلغات متعددة، ما يعكس تزايد صعوبة تمييز المستخدمين بين الصور الحقيقية والمحتوى الزائف في ظل فيض المواد البصرية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
وقال الباحث في مجال الاستخبارات مفتوحة المصدر برايدي أفريك إن هناك "ازدياداً في ظهور صور الأقمار الاصطناعية المعدّلة على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الأحداث الكبرى، بما في ذلك حرب الشرق الأوسط".
وأوضح أفريك في تصريحات لوكالة “فرانس برس” أن "العديد من هذه الصور المعدّلة تحمل علامات واضحة على التوليد غير المثالي بالذكاء الاصطناعي، مثل الزوايا الغريبة والتفاصيل غير الواضحة والملامح المختلقة التي لا تتوافق مع الواقع".
وأضاف: "يبدو البعض الآخر عبارة عن صور معدلة يدوياً، غالباً عن طريق إضافة علامات أضرار أو تغييرات أخرى على صورة التقطت عبر الأقمار الاصطناعية ولم تكن تحتوي أساساً على هذه التفاصيل".
اظهار أخبار متعلقة
محاولة الالتفاف على الرقابة
من جانبه، أشار المحلل المتخصص في حرب المعلومات تال هاغين إلى مثال آخر لصورة مزيفة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، تُظهر أن طائرات أمريكية وإسرائيلية استهدفت صورة مرسومة لطائرة على الأرض في إيران، في حين بدا أن طهران نقلت الطائرات الحقيقية إلى مواقع أخرى.
وأوضح لوكالة “فرانس برس” أن من بين الدلائل التي كشفت زيف الصورة وجود إحداثيات غير مفهومة مدمجة داخلها، وقد انتشرت عبر منصات مثل "إنستغرام" و"ثريدز" و"إكس".
كما رصدت وكالة “فرانس برس” وجود علامة مائية خفية تُعرف باسم "SynthID"، وهي تقنية تستخدمها شركة غوغل لتمييز الصور التي تم إنشاؤها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة لها.
وتأتي هذه الصور المزيفة في وقت ظهرت فيه أيضاً حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي تدّعي العمل في مجال استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، ويبدو أنها تهدف إلى تقويض عمل المحققين الرقميين الموثوقين.
وقال هاغين إن "الغموض الذي يرافق الحروب يجعل من الصعب للغاية تحديد مدى نجاح ضربات الخصم"، مضيفاً: "قدّمت استخبارات المصادر المفتوحة حلاً عبر استخدام الصور المتاحة للعامة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية للالتفاف على الرقابة في دول مثل إيران".
لكنه حذّر من أن هذه الأدوات نفسها "أصبحت الآن هدفاً لمن يقفون وراء حملات التضليل".
ولفت إلى أن صوراً مزيفة مماثلة ظهرت أيضاً خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك عقب النزاع الذي استمر أربعة أيام بين الهند وباكستان العام الماضي.
تأثيرات محتملة على أرض الواقع
ويرى الباحث برايدي أفريك أن انتشار صور الأقمار الاصطناعية المعدّلة قد يحمل آثاراً تتجاوز الفضاء الرقمي.
وقال: "مثل غيرها من أشكال التضليل، قد يكون لهذه الصور تداعيات على أرض الواقع عندما يتصرف الناس بناءً على المعلومات التي تصلهم دون التحقق من صحتها".
وأضاف: "يمكن أن يتراوح تأثير ذلك بين تشكيل الرأي العام بشأن قضايا مهمة مثل قرار دخول دولة ما في نزاع، وصولاً إلى التأثير على الأسواق المالية".
اظهار أخبار متعلقة
وفي المقابل، يشير خبراء إلى أن الصور الحقيقية عالية الدقة التي توفرها الأقمار الاصطناعية في الوقت الفعلي ما زالت تلعب دوراً مهماً في مساعدة صناع القرار على تقييم التهديدات الأمنية وكشف المعلومات المضللة.
وخلال هجوم نفذه مسلحون مؤخراً على مطار نيامي في النيجر، قالت شركة "فانتور" المتخصصة في استخبارات الأقمار الاصطناعية إنها رصدت صوراً متداولة على الإنترنت قيل إنها تُظهر المبنى المدني الرئيسي للمطار وهو يحترق.
غير أن تحليل الصور التي التقطتها أقمار الشركة ساعد في إثبات أن تلك الصور مزيفة ومولّدة بالذكاء الاصطناعي، بحسب ما أوضح تومي ماكستيد من شركة "فانتور" لوكالة “فرانس برس”.
دعوة إلى الحذر
بدوره، قال الباحث بو جاو من جامعة واشنطن إن الصور الفضائية قد يكون لها تأثير كبير في تفسير الأحداث خلال الحروب.
وأوضح في تصريح لفرانس برس: "عندما تُقدَّم صورة بالأقمار الاصطناعية كدليل بصري في سياق الحرب، فإنها قد تؤثر بسهولة على كيفية تفسير الناس لما يحدث".
وأضاف أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل الصور المولدة أكثر إقناعاً من أي وقت مضى، مشدداً على أن "من المهم أن يتعامل الجمهور مع هذا النوع من المحتوى البصري بحذر ووعي نقدي".