حقوقية دولية لـ"عربي21": المجتمع الدولي فشل في إنقاذ السودان
الخرطوم- عربي2105-Feb-2603:42 PM
حذرت منظمة اليونيسف من أن أكثر من 8 ملايين طفل حُرِموا من حقهم في التعليم بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الصراع في السودان- الأمم المتحدة
شارك الخبر
قالت مديرة قسم المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين في السودان، ماتيلد فو، إن "المجتمع الدولي فشل أخلاقياً وسياسياً في التعامل مع مأساة السودان".
واعتبرت الحقوقية، أن "ما يجري لا يمكن وصفه إلا بالفشل الجماعي في حماية ملايين المدنيين الذين تُركوا يواجهون الحرب والجوع والنزوح دون أي دعم كافٍ أو إرادة سياسية حقيقية".
وأوضحت ماتيلد فو، في مقابلة مصوّرة مع "عربي21"، الخميس، أن "الاكتفاء بالبيانات والتعبير عن القلق لم يعد مقبولاً في ظل واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم".
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت الحقوقية الدولية، أن "غياب التمويل الكافي، وضعف الضغط السياسي على أطراف النزاع وداعميهم، سمح باستمرار الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات، وترك الشعب السوداني يدفع ثمناً إنسانياً فادحاً وباهظاً لتقاعس دولي لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال".
وذكرت فو أن "السودان يُعد اليوم واحدة من أكبر وأخطر الأزمات الإنسانية في العالم، ليس فقط بسبب حجم المعاناة، بل بسبب العدد الهائل للمتضررين"، موضحة أن "أكثر من 30 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف سكان البلاد، باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة".
وأضافت أن "السودان يشهد كذلك واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي عالميا، حيث يوجد أكثر من 9 ملايين نازح داخليا يعيشون بلا مأوى لائق، وغالبا في ملاجئ مؤقتة أو مخيمات نزوح، منذ أكثر من ألف يوم"، مؤكدة أن "كثيرين منهم اضطروا للنزوح مرة أو مرتين، بل وحتى ثلاث مرات، وفي كل مرة كانوا يتعرضون لهجمات جديدة".
عنف متواصل بلا هوادة
وأوضحت فو أن "المدنيين في السودان يتعرضون منذ أكثر من ألف يوم لعنف متواصل بلا هوادة أو رحمة"، مشيرة إلى أن "العديد من المدن تعرّضت لهجمات مباشرة، والمستشفيات قُصفت، والأسواق دُمّرت.
كما تعرّضت النساء لأشكال مروعة من العنف الجنسي، فيما حُرم عدد كبير من الأطفال من حقهم في التعليم طوال السنوات الثلاث والنصف الماضية، وطفولة هؤلاء الأطفال سُرقت بالفعل".
وشدّدت الحقوقية الدولية، على أن "حجم هذه الحرب وتداعياتها لا يقتصران على السودان وحده، بل يمتدان إلى المنطقة بأسرها، حيث فرّ ملايين اللاجئين السودانيين إلى دول تُعد من الأفقر والأكثر هشاشة في العالم، مثل جنوب السودان وتشاد، إضافة إلى مصر التي تستضيف أعدادا كبيرة منهم، إلى جانب أوغندا وليبيا ودول أخرى".
وبيّنت أن "الأزمة الإنسانية السودانية تمتد جغرافيا من البحر الأحمر إلى منطقة الساحل"، مُحذّرة من أن "هذه الكارثة، رغم خطورتها واتساعها، لا تحظى بالاهتمام الكافي من المجتمع الدولي، ولا تُعامل باعتبارها إحدى أخطر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم".
وفيما يتعلق بموسم الجفاف وأزمة المياه، قالت فو إنه لا تتوفر لديها معلومات كافية لإضافة تفاصيل دقيقة حول هذا الملف، لكنها أكدت في المقابل أن "أوضاع مخيمات النزوح في السودان بالغة الصعوبة"، مُستشهدة بمخيم زمزم، أكبر مخيمات النزوح في البلاد، والذي كان يضم قبل الفظائع الأخيرة أكثر من نصف مليون شخص.
اظهار أخبار متعلقة
فظائع جماعية
وأضافت الحقوقية أن "غالبية قاطني المخيم هم ناجون من فظائع جماعية، ومن مجازر ارتُكبت في مناطق مثل الجنينة وغيرها، وقد وصلوا إلى ولاية شمال دارفور شبه معدمين، أحياناً دون طعام أو ماء، وأحياناً دون أفراد من أسرهم، حيث انفصل الكثيرون عن ذويهم أثناء الفرار أو عند وصولهم إلى المخيم".
وأكدت مديرة قسم المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين في السودان، أن "معاناة هؤلاء لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ يعاني المخيم من اكتظاظ يفوق طاقته الاستيعابية بشكل كبير، في وقت تبقى فيه الاستجابة الإنسانية بعيدة جداً عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المطلوبة".
وأوضحت فو أن "الواقع الميداني في المخيمات يعني أن مئات الأشخاص يضطرون إلى استخدام مرحاض واحد، وأن نقاط المياه في أحياء المخيم لا تعمل سوى لساعات قليلة يوميًا، ما يجبر السكان على الوقوف في طوابير طويلة فقط للحصول على مياه للشرب أو الاستحمام أو الطهي"، منوهة إلى أن "هذه المهمة الشاقة غالبًا ما تقع على عاتق الأطفال".
وأضافت بأسى، أن "هؤلاء الأطفال، الذين كان من المفترض أن يعيشوا طفولتهم وأن يكونوا في المدارس، يُجبرون على أداء مهام مرهقة يوميًا، في ظل غياب أي بدائل أو حلول إنسانية كافية".
كما أكدت أن "الأوضاع المأساوية لا تقتصر على مخيم زمزم وحده، بل تشمل مختلف مناطق دارفور وكردفان وشرق السودان، حيث تعاني المخيمات والمجتمعات المتضررة من شح المياه، ونقص حاد في المواد الأساسية، وصعوبة الوصول إلى الغذاء، وغياب شبه كامل للخدمات الأساسية".
تحديات استثنائية وكبرى
وفيما يتعلق بالوضع الأمني وصعوبة الوصول إلى المدنيين، أوضحت فو أن "العمل الإنساني في السودان يواجه تحديات استثنائية وكبرى"، مشيرة إلى أن "أطراف النزاع لم تحترم القانون الدولي الإنساني خلال السنوات الثلاث الماضية، وتم بشكل متكرر منع وصول المساعدات الإنسانية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت أن "مدناً عديدة فُرض عليها حصار شبه كامل أو كامل، ما حال دون وصول الغذاء والمساعدات إليها لأشهر طويلة، بل ولسنوات في بعض الحالات، وهذه الممارسات فاقمت الكارثة الإنسانية بشكل غير مسبوق للأسف الشديد".
وتحدثت كذلك عن "وجود عراقيل بيروقراطية كبيرة تعيق وصول المساعدات في الوقت المناسب"، موضحة أنه "من الناحية اللوجستية، يُعد السودان بلدا شاسع المساحة، في ظل بنية تحتية ضعيفة للطرق، ما يجعل إيصال المساعدات إلى المناطق النائية والأكثر عرضة للخطر بطيئاً وخطيراً في كثير من الأحيان".
وأكدت فو أن "مساعدة السكان في السودان تُعد مهمة بالغة الصعوبة"، لكنها شددت في الوقت نفسه على الحاجة المُلِحَّة للدعم، موضحة أن "الاستجابة الإنسانية تتطلب تمويلاً كافياً، إلى جانب ضغط سياسي حقيقي على الأطراف المتحاربة وعلى داعميها، لضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى حيث ينبغي أن تصل".
وتطرقت إلى قضية أمن العاملين في المجال الإنساني بالسودان، قائلة إن "العام الماضي كان بالغ الخطورة على العاملين في هذا القطاع داخل السودان، حيث قُتل العديد من الزملاء السودانيين، لا سيما في إقليم دارفور".
وأشارت فو إلى أن "متطوعين محليين، بمن فيهم القائمون على المطابخ المجتمعية، تعرّضوا للاعتقال والهجوم والمضايقة خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية"، مطالبة بـ"احترام وحماية العاملين في المجال الإنساني، والطواقم الطبية، والمتعاونين المحليين؛ فهذا أمر بالغ الأهمية ولا يحتمل أي تأجيل أو تقصير".
تقصير دولي مؤسف
واستنكرت الحقوقية موقف المجتمع الدولي من تداعيات الأزمة السودانية، قائلة: "بصراحة تامة، هذا الموقف لم يرق إلى مستوى التحدي الذي يفرضه الوضع في السودان، ولم يُظهر التزامًا كافيًا لا من حيث التمويل ولا من حيث الاهتمام السياسي، بما يمكّن من مساعدة الشعب السوداني بشكل فعّال".
ولفتت إلى أن "السودانيين أنفسهم غالبًا ما كانوا مضطرين لمساعدة بعضهم بعضًا في ظل هذا التقصير الدولي"، وأضافت أنه "خلال عام 2025 لوحده، سُجّل عجز بنسبة 60% في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، فيما يحتاج السودان اليوم إلى أكثر من 2.8 مليار دولار فقط لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، وليس كل الاحتياجات الإنسانية القائمة".
وحذّرت فو من أن التضامن الدولي لا يعمل بالمستوى الذي ينبغي أن يكون عليه، مؤكدة أن "هذا نداء موجّه إلى الجميع، ولا سيما الدول الغنية والغرب، لدعم السودان ودعم الدول التي استضافت اللاجئين السودانيين، خاصة أن المجتمعات المضيفة غالبا ما تكون أول مَن يهبّ لتقديم المساعدة رغم هشاشة أوضاعها".
اظهار أخبار متعلقة
ومنذ نيسان/ أبريل 2023 تحارب "قوات الدعم السريع" الجيش، بسبب خلاف بشأن دمج الأولى بالمؤسسة العسكرية، ما تسبب بمجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، ومقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح الملايين.
وإلى جانب دارفور، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، منذ أسابيع اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني و"الدعم السريع" أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.
وتتفاقم المعاناة الإنسانية بالسودان جراء استمرار حرب دامية بين الجيش و"الدعم السريع" منذ نيسان/ أبريل 2023، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص.