FT: رؤية ترامب لـ"غزة الجديدة" تصطدم بالدمار على أرض الواقع

كوشنر قال في دافوس إنه لا توجد خطة بديلة لغزة سوى ما وصفه بنجاح كارثي- جيتي
كوشنر قال في دافوس إنه لا توجد خطة بديلة لغزة سوى ما وصفه بنجاح كارثي- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرا، تناولت في الصور المولدة حاسوبيا لغزة والتي نشرها جاريد كوشنر، الأسبوع الماضي في دافوس، حيث تظهر الصور أن غزة مليئة بناطحات سحاب أنيقة تطل على مياه البحر الأبيض المتوسط، في إطار خطة طرحها لتحويل القطاع المدمر إلى وجهة سياحية رائجة.

ونقلت الصحيفة عن كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد كبار مستشاريه السابقين لشؤون الأراضي الفلسطينية، قوله إن "غزة يمكن أن تصبح وجهة سياحية، وأن تضم العديد من الصناعات، وأن تكون مكانا يزدهر فيه سكانها".

وأضاف أنه كان مقتنعا تماما بهذه الرؤية التي أطلق عليها "غزة الجديدة"، إلى درجة أنه أبلغ القادة السياسيين ورجال الأعمال في دافوس بأنه لن تكون هناك "خطة بديلة"، بل "نجاح كارثي" فقط.

ورأت الصحيفة أن كلمة "كارثي" تبدو الأنسب لوصف الواقع الحالي في غزة، حيث تحولت إلى أرض قاحلة مدمرة، في ظل استمرار دولة الاحتلال بتقييد دخول السلع الأساسية، واستشهاد أطفال رضع بسبب البرد القارس، وإطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار على السكان بشكل شبه يومي.

وأشارت الصحيفة إلى أنه بعيدا عن رؤية كوشنر للمباني الزجاجية اللامعة، تؤخر دولة الاحتلال دخول الخيام ومواد البناء الأساسية اللازمة لجعل المباني المدمرة شبه صالحة للسكن، مثل الخشب الرقائقي، ومسامير التسقيف، وأنابيب المياه، وفقا لما ذكرته منظمات إغاثة.

كما ذكرت أن دولة الاحتلال شرعت في إلغاء تسجيل 37 منظمة دولية غير ربحية، من بينها أوكسفام والمجلس النرويجي للاجئين، وهما منظمتان لعبتا دورا محوريا في عمليات الإغاثة خلال الحرب.

ورفضت هذه المنظمات الامتثال لقانون تسجيل المنظمات غير الحكومية الجديد، الذي يلزمها بتقديم قوائم بأسماء موظفيها للسلطات، ما سيجبرها على وقف أنشطتها في آذار/مارس.

ونقل التقرير عن شاينا لو، المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين، قولها إن دولة الاحتلال تعرقل بالفعل دخول المساعدات، موضحة أنه مع بدء سريان وقف إطلاق النار، تم رفض ما يعادل 200 شاحنة من مواد الإيواء والنظافة الشخصية، إضافة إلى 17 حالة رفض أخرى لاحقا.

وأشارت إلى أن وقف إطلاق النار الهش الذي توسط فيه ترامب، واستمر ثلاثة أشهر، شهد هذا الأسبوع مرحلة مهمة، بعد أن استعادت دولة الاحتلال رفات آخر أسير كانت تحتجزه حركة حماس، ما أدى إلى بدء ما يعرف بـ"المرحلة الثانية" من الاتفاق، إلا أن حجم الدمار على الأرض، يبرز العقبات الهائلة التي لا تقتصر على تنفيذ رؤية كوشنر، بل تمتد إلى جعل القطاع صالحا للعيش مجددا لسكانه الفلسطينيين البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.

وتواجه مساعي نزع سلاح المنطقة تعقيدات كبيرة، في ظل رفض حماس التخلي عن سلاحها، وتردد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سحب قواته التي تسيطر حاليا على أكثر من نصف القطاع. ولفتت إلى أنه لم ترسل أي دولة حتى الآن قوات للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية المفترضة للإشراف على المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق، أعلنت هيئة من التكنوقراط الفلسطينيين خلال الأيام الماضية توليها إدارة الشؤون اليومية للقطاع بدلا من حماس، إلا أن دولة الاحتلال ستبقى، مسيطرة على الحدود وحركة المرور، كما أن من المتوقع فتح معبر رفح مع مصر خلال الأيام المقبلة، ولكن لعبور الأفراد فقط دون السماح بدخول البضائع.

وأفادت وزارة الصحة في غزة بأن غارات الاحتلال الإسرائيلي أسفرت عن استشهاد أكثر من 480 فلسطينيا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر، في وقت تتبادل فيه حماس وحكومة نتنياهو الاتهامات بخرق الهدنة بشكل متكرر.

ونقلت الصحيفة عن جيمس إلدر، المتحدث باسم منظمة اليونيسف، قوله إن "الحياة في غزة لا تزال خانقة، والبقاء على قيد الحياة لا يزال مشروطا، وما يسميه العالم اليوم هدوءا يعد أزمة في أي مكان آخر".

ويعيش معظم سكان القطاع في خيام أو داخل منازلهم المدمرة، التي تواجه شتاء قاسيا بشكل استثنائي، مع أمطار غزيرة وانخفاض حاد في درجات الحرارة، حيث ذكرت وزارة الصحة أن هذه الظروف أدت إلى استشهاد ما لا يقل عن 10 أطفال منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي.

وأقر مسؤولون في المجال الإنساني بحدوث تحسن نسبي منذ بدء وقف إطلاق النار، إذ تم تفادي المجاعة بفضل تحسن وصول الغذاء، ووزعت منظمات الإغاثة ملابس شتوية، وقدمت بعض خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وأجرت إصلاحات محدودة في شبكات الصرف الصحي.

وتواصل دولة الاحتلال عرقلة دخول الإمدادات الطبية الحيوية، ومعدات البناء، ومواد الإيواء، بدعوى إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية، وأوضح عمال الإغاثة أن قائمة المواد المصنفة "ذات استخدام مزدوج" تشمل الكراسي المتحركة، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، ومواد التنظيف، والإطارات.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في الأمم المتحدة قوله إن قرارات منع الدخول غالبا ما تبدو تعسفية، وقد تطال سلعا يومية مثل الأطعمة الطازجة والدجاج المجمد، من دون تقديم تفسيرات واضحة.

وقال عيد صباح، الرئيس السابق لقسم التمريض في أحد مستشفيات غزة المدمرة، إنه عاجز عن تخفيف آلام شقيقته رهيفة، وهي جدة تبلغ 58 عاما وتعاني من مرض السرطان، مضيفا: "كل ما أستطيع فعله هو مشاهدتها وهي تتألم. لقد نفدت معظم أدوية السرطان في غزة، ولا يوجد دواء لها. وعندما يصبح الألم لا يطاق، أنقلها إلى المستشفى حيث تحصل على مسكنات عن طريق الوريد ليوم أو يومين".

وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني، المزود الرئيسي لخدمات الطوارئ الطبية في القطاع، بأن "مستودعاته مليئة بمستلزمات تنتظر تصاريح الدخول".

وفي ظل نقص مواد البناء اللازمة لترميم المنازل، يضطر كثير من سكان غزة إلى المبيت داخل مبان مدمرة مهددة بالانهيار.

وعاد الأكاديمي رائد حسنين مع عائلته إلى منزلهم شمال مدينة غزة، رغم أن نصفه "احترق وانهار"، بحسب وصفه.

وقال حسنين: "هو أفضل من الخيمة. مددنا أغطية بلاستيكية لسد الفجوات الناتجة عن انهيار الجدران، وقسمنا مكان النوم إلى قسمين، أحدهما للرجال والآخر للنساء". وأضاف: "لا توجد خصوصية، ولا كهرباء، ولا مياه نظيفة".

وأوضح أنه لا يستطيع إجراء أي إصلاحات، مشيرا إلى أن سعر الطوبة الواحدة يبلغ دولارين، فيما يباع كيس الإسمنت المنتهي الصلاحية، المتبقي من ما قبل الحرب، بنحو 200 دولار، وأضاف أن العائلة أزالت جميع الأخشاب من المبنى لاستخدامها وقودا، في ظل انقطاع غاز الطهي خلال الحرب.

وتشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار غزة تكلف مليارات الدولارات وتستغرق سنوات، كما أن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تشترطان عدم البدء بالإعمار ما دامت حماس تحتفظ بسلاحها.

وقال نتنياهو، الاثنين، إن "المرحلة التالية ليست إعادة الإعمار، بل نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح".

وختمت الصحيفة بنقل رفض حسنين لرؤية كوشنر لـ"غزة جديدة"، معتبرا أنها محاولة "لبيع وهم تحت ستار الخلاص".

وأضاف: "أنتم تصطادون الحيوانات من أجل لحومها، لكنكم تصطادون البشر عندما تبيعونهم الأمل"، واعتبر أن هذه الرؤية اختزلت القطاع، بكل جراحه وشهدائه وأطفاله ومنازله المدمرة، في صورة براقة، وكأنه ليس وطنا بل مساحة يعاد تشكيلها وفقا لأهواء الأقوياء.
التعليقات (0)