أثار نقاش متجدد
حول مستقبل
النظام العالمي القائم على القواعد جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية
والفكرية، بعدما طرحت تساؤلات صريحة عن لحظة انهياره الفعلية، في ظل أزمات متراكمة
كشفت هشاشته، من "الحرب على الإرهاب" وصولا إلى الحرب على
غزة، التي
عرّت ما وصف بازدواجية المعايير وانتقائية تطبيق القيم الليبرالية.
ونشرت صحيفة
"
الغارديان" مقالا للمعلقة نسرين مالك طرحت فيه السؤال التالي: "متى
تحديدا انتهى النظام القائم على القواعد؟"، مشيرة إلى أن خطاب مارك كارني، رئيس
وزراء كندا الأسبوع الماضي في المنتدى الإقتصادي بدافوس كان أول مرة يصرح فيها رئيس
دولة غربية بما كان يُخيّم على المشهد السياسي منذ فترة. وهو أن النظام القائم على
القواعد "يتلاشى"، وهو في خضم "انقطاع" ولا رجعة فيه.
وقالت مالك أن هذا
الاستنتاج ليس بجديد خارج
دافوس ومجموعة السبع وحلف الناتو - فقد اعتقد الكثيرون أن
النظام القائم على القواعد قد انتهى منذ زمن بعيد، وذلك بحسب اللحظة التي نعتبرها نقطة
تحول.
وأضافت أن للنظام
عدة مكونات، وهو بطبيعة الحال نظام معقد ومتشعب، أولها هيكلي، أي الاتفاق بين الدول
القوية والمزدهرة على وجود آليات وبروتوكولات محددة للحفاظ على الاستقرار السياسي،
واحتواء اندلاع الحروب، وتعزيز مصالحها الاقتصادية المشتركة. وتشكل جميع الهيئات التي
تُدير حركة التجارة الدولية - الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والأمم المتحدة،
ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي - الطبقة العليا من التنظيم.
وتابعت أن ثانيها أكثر
تجريدا، وهو المعايير التي التزمت بها تلك الدول قولا وفعلا. فلن تُطلق سياسات اقتصادية
حمائية عدوانية ضد بعضها البعض، وبالتأكيد لن تطمع في أراضي بعضها البعض، ولن تُبدي
رأيها في شؤون بعضها الداخلية، وثالثها هو الرابط الأيديولوجي الذي يجمع كل ذلك، والذي
يُعزز الانطباع بأن هذه ليست مجرد ترتيبات نفعية تصب في مصلحة الجميع، بل هي متجذرة
في المثل الليبرالية: تعزيز حقوق الإنسان العالمية، وحق تقرير المصير، وقدسية الحريات
الفردية.
وتابعت كاتبه المقال
أنه من نواحٍ عديدة، كان العنصر الأخير هو الأهم، وهو ما أسماه كارني "وهما مُريحا".
هذا التظاهر بأن الأمر برمته لم يكن في جوهره متعلقا بالهيمنة الأمريكية. ارتكبت الولايات
المتحدة وحلفاؤها انتهاكات للقانون الدولي بشكل متكرر، أو أقرّوها، أو تغاضوا عنها،
لكنهم بذلوا جهدا كبيرا لجعل تلك الأفعال تبدو متماسكة. كان عليهم أحيانا انتهاك النظام
لإنقاذه. فعلوا ذلك ليس لأنهم قادرون عليه، بل لأنهم مُلزمون به، بصفتهم حماة المعايير
الأخلاقية والأمن العالمي.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن
"الحرب على الإرهاب" كانت أول تحدٍّ لتلك الحجة. فإذا كان هناك أي إيمان
بأن الدول القوية لن تستغل حقوقها الإمبريالية لغزو دول أخرى، وتسليم الناس بشكل غير
قانوني، وسجنهم لسنوات دون محاكمة عادلة، فقد انتهى حينها. لم يتمتع ضحايا "الحرب
على الإرهاب" بامتياز التمتع بالوهم الجميل، إذ أصبحت أراضيهم ساحات قتال للقوات
الأجنبية. استسلمت بلدانهم لسنوات من الحرب والانقسام بنتائج كارثية، وانتشار العنف
الطائفي في العراق وأفغانستان، وعودة السيطرة عليها إلى طالبان عندما هدأت موجة الغضب
التي أعقبت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. لكن مهندسي "الحرب على الإرهاب" استطاعوا
مع ذلك أن يطمئنوا أنفسهم وجمهورهم بأن كل ذلك كان في سبيل مكافحة خطر الإرهاب الإسلامي
العظيم، وأن عواقبها الوخيمة كانت للأسف نتيجة "مجهولات غير معروفة".
وقالت إن هذه الطمأنينة
أصبحت شبه مستحيلة في غزة، حيث انهار جزء آخر من النظام وانتشر الداء. كل مظاهر الإبادة
الجماعية قضت على أي ادعاء بأن النظام متجذر في أي مُثُل - أو بالأحرى أن تلك المُثُل
تنطبق على أي شخص عدا من هم في قمة الهرم. حجم القتل، وانتهاك كل قاعدة في القانون،
من القتل الجماعي للمدنيين إلى حرمانهم من الطعام والدواء، فضح زيف هذا الوهم.
وأوضحت أن الأمر لم
يقتصر على ذلك. فقد مُنحت إسرائيل غطاء دبلوماسيا وسلاحا لمواصلة حملتها، ما جعل حلفاءها
ليسوا مجرد متفرجين، بل شركاء في الجريمة. ولم تكن هذه إبادة جماعية ارتُكبت في دولة
أفريقية من قِبل جهة بعيدة عن واشنطن أو بروكسل، تسمح بالتنديد والإدانة من بعيد. بل
كانت مشروعا مشتركا استمر فقط لأن إسرائيل حليف وثيق، ما يُظهر بوضوح أن القواعد طُبقت
بشكل انتقائي.
وأشارت إلى أنه كان
لغزة أيضا أثر مدمر ومحفز بطرق أخرى على النظام، لأنها أوجدت توترا داخليا بين أجزاء
النظام التي فسدت وتلك التي لا تزال تعمل، ففي سعيها للحفاظ على دعمها لإسرائيل، دخلت
بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة في حرب مع مؤسساتها، رافضة احترام أحكام المحكمة
الجنائية الدولية فيما يتعلق بتوجيه الاتهام إلى بنيامين نتنياهو، وفي حالة الولايات
المتحدة، فرضت عقوبات على المحكمة. فكشفت غزة أن هذه المؤسسات لا يُسمح لها بالعمل
إلا كنوع من نادٍ دولي يتمتع فيه المقربون بالحصانة.
وأكدت أن المسمار الأخير
في تابوت النظام جاء عندما أصبحت مكونات ذلك النظام أهدافا للهيمنة الأمريكية، بدلا
من أن تكون مجرد أدوات في يدها. ويشمل ذلك مطامع ترامب في غرينلاند، وازدرائه للحلفاء
الأوروبيين وحلف الناتو، وحروبه التجارية ضدهم. إنهم الآن يواجهون كيفية التعايش بشروط
جديدة، أعيدت كتابتها على عجل وبعنف من قبل الولايات المتحدة التي قررت أن التفوق السري
لا قيمة له.
وعلقت بالقول إن تدخل
كارني مرحب به، رغم أنه أثار استياء الكثيرين الذين شعروا أنه يُكرر ما هو بديهي. لم
يشعر كارني بضرورة التدخل إلا بعد أن وصل الفساد إلى عقر داره، وزاد الأمر سوءا اعترافه
بأن أسس النظام كانت دائما زائفة وظالمة، لكن "الصفقة" كانت ناجحة دائما.
اظهار أخبار متعلقة
واستدركت قائلة إنه
وللإنصاف، كان إدراكه، إن جاز التعبير، أكثر تحديا لكندا وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين
منه لتلك الدول التي كانت تعلم دائما أنها قابلة للاستغناء عنها، والتي لم تكن يوما
متورطة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة. بالنسبة لأولئك المندمجين تماما في منظومة الأمن
والاقتصاد والأيديولوجيا الأمريكية، فإن العداء الأمريكي الجديد تجاههم يُمثل خرقا
جذريا للعهد الأخوي، وليس استمرارا للوضع الراهن.
وقالت إنه بينما يتأمل
حُماة النظام القائم على القواعد في زواله وما قد يحل محله، سيدركون أن جزءا كبيرا
منه لا يزال قائما. لن يقتصر الأمر على مجرد الابتعاد عن الولايات المتحدة في السياسة
الخارجية، بل سيتعداه إلى تفكيك نظام بأكمله، جزء كبير منه عملي - رأس المال المعولم،
والاتفاقيات التجارية، ودولرة التجارة الدولية. لكن جزءا كبيرا من هذا النظام هو أيضا
نظام قائم على البرمجة والقيم والأعراف والازدراء المستمر لمن هم خارج هذه الدائرة.
ومن اللافت للنظر أنه بينما كان كارني يُفصّل نفاق النظام القديم، لم يكن هناك أي اعتراف
بالناس الذين عانوا منه دائما.
وخلصت إلى أن الحلول
المقترحة حتى الآن - من تعزيز التنسيق بين القوى المتوسطة لتشكيل تكتلات تُوازن النفوذ
الأمريكي، وزيادة الاستثمار في الدفاع، وخفض الضرائب والعوائق التجارية لتعويض عزلة
الولايات المتحدة - هي سياسات تُكرّس الهيمنة الأمنية والاقتصادية للنظام القديم. فالذين
يسعون للتحرر منه ما زالوا أسرى الهياكل التي بنوها ويؤمنون بها. والسؤال المطروح عليهم
الآن ليس ما الذي يُمكنهم بناؤه واقعيا من أنقاض النظام القديم - فهذا يُشير إلى قطيعة
تامة. وأن السؤال الحقيقي هو: ما هي النسبة من ذلك النظام التي ما زالت متأصلة فيهم؟