تحل بعد أيام الذكرى الـ15 لثورة يناير 2011 في
مصر، ضمن ثورات الربيع العربي، ما يثير الكثير من التساؤلات، حول رؤية الجيل الحالي لأحداث تلك الثورة ونتائجها وإمكانية تكرارها على يده، وذلك إلى جانب مدى استيعاب النظام درس الثورة الشعبية بعد عقد ونصف من إطاحتها الرئيس الأسبق حسني
مبارك.
وخلال 15 عاما انطفأ حلم شباب الثورة المتمثل في شعار (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، وجرى وأد أول تجربة حكم ديمقراطية بالانقلاب العسكري الذي ضرب البلاد منتصف 2013، وتمكن الجيش من السلطة مجددا مستكملا مسيرة بدأها عام 1952، في حين جرى تشويه
ثورة يناير، والزج بالكثير من شبابها في السجون.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم أن الدولة المصرية تحتفل بذكرى يناير إلى جانب عيد الشرطة في اليوم ذاته، وقررت الاحتفال هذا العام يوم 29 كانون الثاني/ يناير بالمناسبتين، إلا أن رئيس النظام عبد الفتاح
السيسي، دائما ما يوجه لـ"25 يناير" الكثير من الاتهامات التي كان آخرها في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حين قال إنها كانت "شكلا من أشكال الحرب"، و"كلفت مصر 450 مليار دولار".
وقبل أيام من حلول الذكرى الـ15 للثورة، وصفها رئيس جهاز أمن الدولة المصري الأسبق، اللواء حسن عبد الرحمن، بأنها "مؤامرة كبرى استهدفت كيان مصر وعظمتها"، وذلك في حوار مع الصحفي مصطفى بكري بقناة "صدى البلد"، مشيدا بتعاون رئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي معه، (رئيس المخابرات الحربية حينها).
ماذا يقول الجيل الحالي؟
وحول نظرة "جيل 2026" الذين كانوا أطفالا في 2011 إلى ثورة يناير 2011، وهل يعتبرونه ملهما لمستقبلهم، أم أنهم يتبنون رؤية النظام الحالي ويحملونها مسؤولية الأزمات الاقتصادية والتردي المعيشي حتى اليوم؟، تحدث شباب جامعي لـ"عربي21".
يقول الطالب بجامعة الأزهر، "س. ح" (19 عاما): "لأن والدي شارك في ثورة يناير ومكث بميدان التحرير أسابيع، فلدي فهم كبير للأحداث، وما تبعها من نجاحات ثم إخفاقات سريعة وقاسية"، موضحا لـ"عربي21"، أنني "أدرك حجم ما يروجه الإعلام من أكاذيب حول ثورة وثوار يناير، وهم في نظري ثوار أطاحوا بنظام فاسد وليسوا خونة كما يتهمهم رئيس النظام، ولكن هذا رأي لا يمكنني البوح به حتى لأقرب الزملاء"، مشيرا إلى مخاوفه الأمنية، ومؤكدا ورفضه "الانضمام لأي حراك محتمل".
ويضيف "ع. م" (18 عاما): "أنا وأغلب جيلي ليس لنا الاهتمام الكافي لمعرفة ما جرى في ثورة يناير، وأوضاعنا الاقتصادية الصعبة لا تسمح بهذا الترف"، موضحا لـ"عربي21"، أنه "حتى لو كان لديهم الاهتمام فليس في أيديهم شيء"، مبينا أن "حلم أغلب الشباب في عمره ليس في مصر ولكنه بالهروب منها إلى أوروبا"، مؤكدا على عدم مشاركته في "أي حراك إلا لو كان حقيقي وواسع ومن كل الشعب".
وفي نظرة ثالثة، يؤكد "س. ي"، وهو مقيم في إيطاليا، أن "أغلب الشباب المصري هنا تعاطف مع أهل غزة، وشارك في عشرات المظاهرات أيام السبت والأحد في مدينة ميلانو وروما دون خوف"، مضيفا: "لكنه لا يمكنني المشاركة في أي تحرك بمواجهة النظام المصري رغم إدراكي الكبير لأهمية الحرية التي عشتها بالخارج، لأن كل شيء مراقب وسيقع من تلتقطه الكاميرات في قبضة الأمن بمطار القاهرة وينتهي مستقبله، لذا فالثورة أمر لا يمكن تكراره".
استوعبت الشق الأمني فقط
وفي رؤيته حول كيفية نظر "جيل 2026" لأحداث ونتائج ثورة يناير، قال السياسي المصري إسلام لطفي: "لا أقدر على التخمين ولا يمكن التعامل مع جيل واحد باعتبار أنه وحدة واحدة أو لديه رؤية موحدة"، متوقعا في حديثه لـ"عربي21"، أن "تختلف إجابات هذا الجيل بحسب مدى اضطلاعهم على الوضع السياسي وحجم اهتمام أسرهم بالشأن العام من عدمه، ونسب حبهم للقراءة والاطلاع".
وفي إجابته على السؤال: "إلى أي مدى نجحت الدولة المصرية بعد 15 عاما في استيعاب دروس خروج الشعب في يناير؟، هل ما زالت تراهن على المؤسسات الأمنية بمواجهة أي تكرار محتمل لتلك التجربة؟"، أكد لطفي، أنه "بالطبع الدولة المصرية استوعبت الشق الأمني فقط من دروس يناير ولم تستوعب أي دروس أخرى أو استوعبتها ولكنها قررت التعامل بالحل الذي تجيده".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف: "تجد هذا ظاهر في قتل الحياة السياسية، وعدم السماح بوجود أية أصوات معارضة مع 30 حزيران/ يونيو، و3 تموز/ يوليو 2013، وما تلاهما عبر فكرة (الإدارة بالتوحش) بإرهاب الأعداء"، ملمحا إلى أن "النظام السياسي المصري اعتبر المعارضين السياسيين ومن هم خارج النظام بمثابة أعداء وقرر أن يرعب الجميع".
وأوضح أن "هذا الإرعاب اتخذ شكل المذابح تجاه فصيل سياسي هم الإسلاميين أو جماعة الإخوان المسلمين، والذي اتخذ شكل اعتقالات وتنكيل مع بعض القوى ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء وأحزاب سياسية، حتى ولو كانوا على مقربة مع النظام، حيث أرسل رسالة للجميع أنه ليس لديه عزيز متمثلا مقولة: (الجنرال لا يأخذ أسرى)، وهي دليل على توحش بعض القادة العسكريين".
وأكد أنه "لدينا جنرال هو بالفعل لا يأخذ أسرى (مجازا)، وكما اعتقل قادة الإخوان وزج بهم في السجون سجن أهم رموز 30 يونيو ومؤيدي نظامه مثل رئيس حزب الدستور السابق خالد داوود مدة عامين، ورئيس أركان الجيش الأسبق الفريق سامي عنان عندما فكر الترشح للرئاسة، والفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي السابق وضعه قيد الإقامة الجبرية، وسجن المستشار هشام جنينة رغم أن منصبه محصن بقوة القانون وعدل الدستور لذلك لمجرد حديثه عن سوء الإدارة الاقتصادية وإهدار الموارد".
استيعاب على طريقته
وأشار السياسي المصري إلى أن "النظام استوعب الدروس الأمنية من ثورة يناير، وأعاد هندسة العاصمة كي يسيطر عليها أمنيا"، ملمحا إلى أن "فكرة إخلاء العاصمة القاهرة من الوزارات والمؤسسات السيادية وإرسالها للصحراء بالعاصمة الجديدة وطريقة تصميم الشوارع هناك لها علاقة بفكرة الهوس الأمني وكيفية السيطرة على الحشود".
ويعتقد أن "التفكير السليم يقول هنا: كيف نجعل المواطنين يشعرون بالرضا والسعادة بحيث لا يفكرون في الاحتشاد؟، لكن النظام يفكر بعكس ذلك وحال الاحتشاد سيواجههم، وفي نفس الوقت لم يعمل على معالجة احتقان الشارع، ورغم نجاحه ببعض الملفات كإزالة بعض العشوائيات كحي الأسمرات وإيجاد سكن بديل ولكنه فعلها أيضا بمنطق أمني أو منطق معسكرات الاعتقال".
وأوضح أن "من تم تسليمهم وحدات بديلة يوقعون يوميا عند الدخول والخروج لمساكنهم ولهم مواعيد لا يتعدونها، ولو بات خارج المكان يتعرض لمساءلة أمنية، ولو حدث تلف لأي مفروشات فهو معرض لجريمة تبديد، ما يعني أنه حتى الحلول التي قدمها لبعض القضايا الاجتماعية التي نجح فيها كانت حلول أمنية".
معضلة الوضع الاقتصادي
وفي رده على السؤال: "كيف تحول الوضع الاقتصادي من الضغط نحو تفجير ثورة يناير إلى الإحجام الشعبي والخوف من أي تجربة مماثلة؟"، قال لطفي، إن "يناير حصلت ليس لأن هناك ضغوطا اقتصادية رغم أنها كانت موجودة وتفجرت قضايا عمالية واحتجاجات؛ لكن في تقديري أن الانفراجة الاقتصادية التي حدثت قبل يناير والتحسن بشكل بسيط هو ما دفع الناس للخروج؛ لأن المواطن عندما يكفي حاجته الاقتصادية يفكر فيما هو أسمى بالنسبة له مثل، المجال العام والحريات".
وفي نهاية حديثه، أكد السياسي المصري أنه "طالما الشعب خائف ومضغوط وخاصة في بلد تدار بهذا الشكل فلن يمسك الناس بذيل الحكومة، وهذا درس يفهمه ويستوعبه النظام، وفي تقديري أن جزء من الفشل الاقتصادي الحاصل كان يمكن تلافيه ولكن النظام فعليا لا يريد، لأنه لو تلافاه ستبدأ الناس في المطالبة بالحقوق والحريات، ولذا طول الوقت يضع الشعب تحت ضغط لأنها الطريقة التي فهم أنه بها يقدر أن يسوس جموع المصريين".
ملهمة ولم تكتمل
وفي رؤيته قال الكاتب الصحفي والناشط أدهم حسانين: "الجيل الحالي ينظر لثورة يناير على أنها ملهمة ولم تكتمل، ولا يحملونها الأخطاء ويدركون أن هناك دولة عميقة تدخلت، وبالتالي الثورة نفسها في أهدافها وإطارها العام يرون أنها تمت سرقتها عبر سطو مسلح بالانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب".
وفي حديثه لـ"عربي21"، لا يعتقد أن "السلطة استوعبت درس يناير"، مشيرا إلى أن "المؤسسات الأمنية ما زالت تراهن على قوة قمعها لأي خروج محتمل من الشعب، والدليل الحملات الأمنية المتكررة التي تقاوم أي محاولة لخروج، واعتقال الناشطين ومن سبق اعتقالهم، وتشديد القبضة الأمنية قبل أية ذكرى للثورة رغم مرور 15 عاما، وهذا دليل على خوف النظام الدائم من الشعب".
وأكد حسانين، أنه "ليس هناك خوف لدى الجيل الحالي، وأرى أن جيل زد غير جيل الثورة الذي رأي كل الأحداث وعاش محاولات قمعها وإفشالها ثم سرقتها حتى النجاح جزئيا في الوصول لرئيس مدني ثم
الانقلاب عليه بكل توابعه الدموية؛ وبالتالي أعتقد أن جزء من الخوف والقلق والترقب موجود لدينا نحن".
موجة ثانية أشد
ويرى أن "هذا الجيل لم يلوث بأمراض الخوف والترقب والتردد، والأوضاع الحالية عوامل مساعدة للثورة ولإشعالها متوفرة أكثر من عهد حسني مبارك وثورة يناير، حيث تردي اقتصادي وانهيار مجتمعي وأخلاقي وسياسي، ومن دولة متبوعة لدولة تابعة لدويلات، وفقدان القيادة السياسية قراراها، والتنازل عن الأرض مقابل الحفاظ على الكرسي".
وخلص للقول: "كل هذا يعطي عوامل أكثر لهذا الجيل والشباب والأحرار الذين يرغبون في تحرير مصر من قبضة النظام العسكري، وبالتالي إنجاح الثورة في موجتها الثانية، التي أتوقعها قاسية جدا وقد تصل لثورة دامية".
لم يُكتب سطرها الأخير بعد
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملة تدوين واسعة حول ثورة يناير، ترصد أحداثها وتكشف عن أخطاءها وتتوقع ما قد يحدث بالمستقبل من الجيل الحالي.
وقال السياسي المصري طارق الزمر: "لقد رأى المصريون أن الحاكم يمكن أن يسقط وأن الجدران لا تمنع الهتاف وأن الأطراف قادرة على هز المركز وأن البلد أوسع من نظام وأعظم من جهاز وأغلى من خوف".
اظهار أخبار متعلقة
وفي تعليقه قال السياسي المصري أحمد رامي الحوفي: مع اقتراب مرور 15 عاما من محاولة النهوض في 25 يناير 2011 "أهم درس علينا أن نذكره ونحكيه لمن لم يعاصره هو أن أي سلطة أو حكومة تأتي بإرادة الجماهير وليس عبر دبابة أو نتيجة دعم خارجي سيكون الناس هم أول أولوياتها"، مؤكدا أنه "على يقين من أن الكرة ستعود، لذلك من الأهمية الكبرى أن نحتفظ بذاكرتنا".
وفي رؤية لرئيس تحرير مجلة "روز" الصحفي محمد لبيب، أكد أن "يناير ستظل ذلك الشرخ الجميل في جدار الاستبداد؛ شرخ لا يمكن ترميمه مهما بلغت سماكة وغلظة النظام، ولن يستطيع أحد إلغاؤه بتصريح من هنا أو تجهيل من هناك"، خاتما بقوله: "25 يناير مبتدأ في جملة مصرية طويلة، لم يُكتب سطرها الأخير بعد".
وفي منشور للناشط مصطفي أحمد، أكد أنه يجب إحياء تراث ثورة يناير واصفا إياه بالعظيمة، ومؤكدا على ضرورة تعريف الأجيال الحالية التي لم تشارك بها ونقل الفكرة والحالة لهم، نمرر لهم هما البذرة لعل وعسى، يمكن أن تنبت فيهم أي زهرة أمل.