بمقتنيات أقدم من عمر الاحتلال.. متحف فلسطين في إسطنبول يواجه تزييف الرواية (شاهد)

المتحف يهدف إلى تفنيد الروايات الإسرائيلية المضللة -  عربي21
المتحف يهدف إلى تفنيد الروايات الإسرائيلية المضللة - عربي21
شارك الخبر
في ظل تصاعد الجدل العالمي حول الرواية الفلسطينية، ومحاولات طمس التاريخ والهوية، يبرز متحف فلسطين في إسطنبول كواحد من المبادرات الثقافية التي تسعى إلى تثبيت السردية الفلسطينية الأصلية، ونقلها إلى الأجيال الجديدة والجمهور الدولي، عبر توثيق التاريخ والتراث الفلسطيني قبل نكبة عام 1948 وما بعدها.

وخلال جولة خاصة لـ"عربي21" داخل المتحف، كشف القائمون عليه عن الدوافع الفكرية والثقافية وراء تأسيسه، والتحديات التي واجهتهم في جمع المقتنيات، إضافة إلى دور المتحف في مخاطبة الجاليات العربية والتركية، والتفاعل مع الطلاب والزوار، باعتباره منصة مفتوحة لرواية حكاية فلسطين بلسان أبنائها.

منصة لمخاطبة الوجدان ومواجهة التزييف

وقال مؤسس ومدير متحف فلسطين في إسطنبول إبراهيم العلي، إن فكرة المتحف جاءت انطلاقا من الحاجة إلى وجود منصة ثقافية تخاطب العقل والضمير والوجدان العربي والإسلامي، وتسهم في صياغة خطاب واع حول القضية الفلسطينية، في ظل ما وصفه بحرب الرواية التي يخوضها الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود طويلة.

وأوضح العلي أن الاحتلال مارس، منذ ما قبل نكبة عام 1948، عمليات ممنهجة لتزييف الحقائق التاريخية وتشويه صورة الشعب الفلسطيني، ما استدعى إنشاء مساحة توثيقية تقدم الرواية الفلسطينية من منظور أهلها، وتعرّف بفلسطين بوصفها أرضا لها تاريخ وثقافة وحضارة وهوية متجذرة سبقت قيام الاحتلال واستمرت رغم محاولات الطمس.



وأشار إلى أن المتحف يهدف من جهة إلى تفنيد الروايات الإسرائيلية المضللة، ومن جهة أخرى إلى تعريف الزوار بكل تفاصيل الحياة الفلسطينية، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي كانت قائمة قبل النكبة واستمر كثير منها حتى اليوم، رغم التهجير والاقتلاع.

صعوبات لوجستية وتحدي ندرة المقتنيات

وحول أبرز التحديات التي واجهت إنشاء المتحف، أوضح العلي أن الصعوبات كانت في معظمها لوجستية، خاصة أن تركيا ليست من دول اللجوء الأولى للفلسطينيين، ما أدى إلى ندرة المقتنيات التراثية الفلسطينية داخلها مقارنة بدول الطوق مثل الأردن ولبنان وسوريا ومصر.


Image1_1202615165730739220232.jpg

وبيّن أن غالبية الفلسطينيين الذين خرجوا من بلادهم عام 1948 حملوا معهم مقتنياتهم الشخصية ووثائقهم إلى تلك الدول، ما جعل عملية جمع المواد التاريخية في تركيا أكثر تعقيدًا، الأمر الذي دفع القائمين على المتحف إلى العمل على استجلاب المقتنيات من عدة دول، بهدف عرضها أمام الزوار باعتبارها شواهد حية على التاريخ الفلسطيني.

اظهار أخبار متعلقة


وأكد أن كل قطعة داخل المتحف تحمل دلالة خاصة، وتعكس جانبًا من جوانب الحياة الفلسطينية، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية، مشيرًا إلى أن المتحف لا يتعامل مع المقتنيات بوصفها مجرد معروضات، بل باعتبارها رواة صامتين للتاريخ.

حملة جمع المقتنيات وشهادات العائلات الفلسطينية

وأضاف العلي أن المتحف أطلق حملة إعلامية لجمع المقتنيات الفلسطينية، لاقت تفاعلًا ملحوظًا من عائلات فلسطينية احتفظت بوثائق وممتلكات تعود إلى ما قبل النكبة، موضحًا أن الحملة أسهمت في وصول عدد من الوثائق النادرة إلى المتحف.

وذكر من بين هذه المقتنيات عقد زواج لعائلة فلسطينية من مدينة حيفا يعود إلى عام 1942، إضافة إلى وثائق عمل، ووثائق تأمين، وهويات شخصية، وكواشين أراضٍ، مؤكدًا أن هذه الوثائق تكشف تفاصيل دقيقة عن الحياة الفلسطينية قبل قيام دولة الاحتلال.


Image1_1202615165748597644481.jpg

كما أشار إلى أن إحدى العائلات الفلسطينية في صفد أرسلت إلى المتحف مجموعة من قوالب الكعك التقليدية التي حملتها معها عند خروجها من فلسطين قبل عام 1948، موضحًا أن هذه القوالب، رغم ما يبدو عليها من تقادم، تمثل شاهدًا رمزيًا على عمق الوجود الفلسطيني، لافتًا إلى أن عمرها يتجاوز عمر الاحتلال نفسه.

التعليم والطلاب في صلب رسالة المتحف

وفي ما يتعلق بدور المتحف التعليمي، أوضح العلي أن إدارة المتحف تحرص على التواصل المستمر مع المدارس العربية والتركية، إضافة إلى الجامعات، من خلال قسم العلاقات العامة، وتنظيم زيارات دورية على مدار العام.

وأضاف أن المتحف ينظم برامج خاصة خلال فترات العطل، مثل عطلة منتصف العام وكذلك الصيفية، إلى جانب برامج مرتبطة بالمناسبات الوطنية الفلسطينية، مثل ذكرى تصريح بلفور، حيث يتم عرض أفلام تعريفية قصيرة مترجمة إلى عدة لغات، لتمكين الطلاب من فهم السياق التاريخي للقضية.

وأشار إلى أن المعروضات داخل المتحف مكتوبة باللغتين العربية والتركية بشكل أساسي، لتسهيل وصول المعلومة للزائر التركي، مع وجود كادر يتحدث التركية لشرح التفاصيل، مؤكدًا العمل حاليًا على تطوير المحتوى بإضافة اللغة الإنجليزية لتوسيع دائرة التأثير.


Image1_120261516583321704725.jpg

ولفت إلى أن ضيق مساحة المتحف يمثل تحديًا في استقبال الأعداد الكبيرة من الطلاب، ما يضطر الإدارة أحيانًا إلى تقسيم الوفود إلى مجموعات، مؤكدًا أن التوسع المستقبلي يظل من أبرز طموحات القائمين عليه.

أمسيات ثقافية وحضور مجتمعي

وأوضح العلي أن المتحف لا يقتصر دوره على العرض التاريخي، بل يحتضن أمسيات فكرية وأدبية وثقافية، تناولت قضايا متعددة، من بينها القدس، ودور الأدب والفن في دعم القضية الفلسطينية، إضافة إلى فعاليات تضامنية مع غزة، شهدت حضورًا جماهيريًا وتفاعلًا واسعًا سواء بالحضور المباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكد أن المتحف يتعامل مع جميع الجاليات العربية والفلسطينية باعتباره مكانًا وطنيًا جامعًا، لا ينحاز إلى أي طرف سياسي، بل يسعى لأن يكون مساحة مشتركة تحكي حكاية فلسطين من النهر إلى البحر، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش.

اظهار أخبار متعلقة


موقع استراتيجي وسرد تاريخي شامل

من جانبه، قال مدير الإعلام في متحف فلسطين بإسطنبول إبراهيم ناجي إن المتحف يقع في منطقة الفاتح بقلب إسطنبول، وهي منطقة حيوية يقصدها السياح والعرب والمجتمع التركي، موضحًا أن المتحف يستقبل الزوار يوميًا ضمن جولات تعريفية منظمة.

وبيّن ناجي أن أقسام المتحف تعتمد على السرد الزمني للأحداث التاريخية التي مرت بها فلسطين، بدءًا من الوجود الكنعاني، مرورًا بتعاقب الحضارات المختلفة، ثم الفتح الإسلامي، وصولًا إلى الأحداث المعاصرة، بما في ذلك الحرب على غزة ومعركة "طوفان الأقصى".


Image1_1202615165826241881388.jpg

وأكد أن الهدف من هذا السرد هو تفنيد الروايات الإسرائيلية التي تزعم أن الفلسطينيين باعوا أرضهم، وإبراز حقيقة الوجود التاريخي المتواصل للشعب الفلسطيني على أرضه.

انطباعات الزوار ورسالة التضامن

وأعرب أحد زوار المتحف، جزائري الجنسية، عن تقديره لما يقدمه المتحف من محتوى شامل يوثق التراث والتاريخ الفلسطيني، معتبرًا أن الزيارة تسهم في ترسيخ قيم التضامن مع الشعب الفلسطيني وتعزيز الوعي بقضيته.


Image1_1202615165837117108362.jpg

وأشار إلى أن مثل هذه المبادرات الثقافية تعزز الروابط التاريخية بين الشعوب العربية وفلسطين، وتعيد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية بوصفها قضية الأمة بأكملها.
التعليقات (0)