نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا يسلط الضوء على تفاقم الأزمة التي يعيشها النظام
الإيراني في ظل تصاعد الاحتجاجات داخليا، وزيادة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية خارجيا.
وقالت الصحيفة في
تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن توتر علاقات إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أحد أبرز حلفاء طهران، تزامن مع موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران مستمرة منذ عشرة أيام.
وفي بيان صدر في 6 كانون الثاني/ يناير، أعلن مجلس الدفاع الإيراني - وهو هيئة تشكلت بعد حرب حزيران/ يونيو 2025 - أنه لم يعد يستبعد تنفيذ ضربات وقائية ضد أعداء إيران.
وجاء في البيان: "في إطار الدفاع المشروع، لا تقتصر الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الرد بعد وقوع الفعل"، معتبرا أنه "يمكن فهم الخطاب الحاد للتهديدات والتدخل، والذي يتجاوز الموقف اللفظي، على أنه سلوك عدائي"، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأكد البيان أن "أمن البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وأي اعتداء على المصالح الوطنية، أو تدخل في الشؤون الداخلية، أو عمل يُهدد استقرار إيران، سيُقابل برد متناسب ومُستهدف وحاسم".
اظهار أخبار متعلقة
تحذير أمريكي
ذكرت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب جدّد في 4 كانون الثاني/ يناير دعمه للمتظاهرين الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025.
وخلال حديثه للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، قال: "إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، أعتقد أنهم سيتعرضون لضربات قاسية جدًا من الولايات المتحدة".
وأضافت الصحيفة أن هذا التصريح يأتي تأكيدًا لتحذير كان ترامب قد نشره قبل يومين عبر منصته الخاصة "تروث سوشيال"، حيث شدد على أن واشنطن ستقدم دعمًا مباشرًا للمتظاهرين السلميين في حال لجأت السلطات الإيرانية إلى قمعهم بعنف.
تصعيد إسرائيلي
وأضافت الصحيفة أن إسرائيل شددت موقفها هي الأخرى، فقد أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية في 5 كانون الثاني/ يناير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومجلسه الأمني صادقا على تنفيذ عملية ضد إيران تحمل اسم "الضربة الحديدية".
وكشفت تسريبات أنه تم بحث هذا المخطط خلال المحادثات بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025 بولاية فلوريدا، وتم تحديد الأهداف ذات الأولوية ووضع جدول زمني محتمل للهجوم، في حين لا تزال تفاصيل الخطة غير معروفة.
وقالت الصحيفة إن قوات الجيش الإسرائيلي وُضعت في حالة تأهب قصوى، وشرعت في تنفيذ مناورات تحاكي سيناريوهات حرب متنوعة.
وفي الجانب المقابل، أجرى الحرس الثوري الإيراني تدريبات عسكرية شملت إطلاق صواريخ واختبارات لمنظومات الدفاع الجوي.
وحسب الصحيفة، تزداد مخاوف إيران من تصعيد عسكري في ظل تراجع نفوذ ما يُعرف بـ"محور المقاومة" في المنطقة، خصوصًا أن طهران لم تتمكن بعد من إعادة بناء قدراتها الصاروخية وأنظمتها الدفاعية عقب "حرب الـ12 يوما" في حزيران/ يونيو 2025.
وقد أسفرت تلك الضربة عن دمار جزئي في عدد من المواقع العسكرية والنووية الإيرانية، إضافة إلى اغتيال قادة عسكريين وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي.
اظهار أخبار متعلقة
تصاعد الاحتجاجات
تضيف الصحيفة أن إيران بالتزامن مع هذه الضغوط موجة جديدة من الغضب الشعبي تجتاح مختلف أنحاء البلاد، لا سيما في المدن الصغيرة، وبين الفئات الأكثر فقرًا والطبقة الوسطى المتآكلة.
وقد اندلعت الاحتجاجات على خلفية الانهيار الحاد في قيمة الريال، الذي فقد أكثر من نصف قيمته أمام الدولار خلال عام واحد، قبل أن تأخذ طابعًا سياسيًا مع تصاعد الدعوات إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية.
وأوضحت الصحيفة أن الاقتصاد الإيراني يعاني تحت وطأة العقوبات الدولية، وسنوات من سوء الإدارة وتفشي الفساد، بينما يراوح الملف النووي مكانه مع توقف المفاوضات منذ عدة أشهر، ما يحرم طهران من أي أمل في رفع العقوبات.
حرب من أجل البقاء
ويقول حميد رضا عزيزي، الباحث في السياسة الخارجية الإيرانية بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين: "تبدو السلطات حريصة على الحد من مستوى القمع، لأنها لا تزال قلقة من تداعيات العنف واسع النطاق".
ويرى عزيزي أن طهران "عالقة بين غضب الشارع والضغوط الخارجية، ولا سيما اختطاف نيكولاس مادورو والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية"، مضيفًا أن "طهران أصبحت أكثر شللاً، وأن هامش تحركها تقلّص بشكل كبير".
من جانبه، يرى عباس عبدي، المحلل السياسي وعضو الدائرة الفكرية لحملة الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان أنه "ليس من المبالغة القول إن الجمهورية الإسلامية باتت اليوم تخوض حربًا من أجل البقاء".
وحسب عبدي، يعود هذا الوضع بالدرجة الأولى إلى السياسات الداخلية المتبعة منذ سنوات، والتي "لم تفضِ إلى إعادة بناء اقتصادي واجتماعي حقيقي" حسب تعبيره، وليس إلى الضغوط الخارجية وحدها.
اظهار أخبار متعلقة
إسقاط النظام
وتنقل الصحيفة عن مصدر إيراني مطّلع طلب عدم الكشف عن هويته، أن "الأجواء العامة مشحونة إلى أقصى حد"، مضيفًا أن "بعض الإيرانيين باتوا يعتقدون بصدق أن إسقاط هذا النظام عبر تدخل خارجي أصبح ممكنًا، وهو احتمال كان يُعدّ في السابق أمرًا مستحيلا".
ويرى المصدر ذاته أنه منذ اختطاف نيكولاس مادورو، بدأت "تترسخ فكرة في أذهان بعض الإيرانيين مفادها أن من الممكن التخلص من أعلى سلطة في بلد ما عبر عملية محدودة ومركّزة، من دون أن ينهار النظام السياسي برمته".
ويضيف أن "بعض الأطراف داخل النظام باتت ترى أن شخصًا واحدًا، هو المرشد الأعلى علي خامنئي، يشكّل العائق الرئيسي أمام أي تغيير جذري في السياسات، وأنه يمكن الحفاظ على هيكل النظام من خلال إزاحته بمفرده. أما إذا لم تتم إزاحة المرشد بطريقة أو بأخرى، فقد ينهار النظام بأكمله".
وأكدت الصحيفة أن خامنئي لا يزال رغم كل الضغوط متمسكًا بمواقفه الصارمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ففي الثالث من كانون الثاني/ يناير، وللمرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات، وجّه خطابًا دعا فيه إلى "إعادة المشاغبين إلى أماكنهم"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن قوى أجنبية تقف وراء الاحتجاجات.