ما الذي تبقى من السودان كدولة بعد نحو ألف يوم من الحرب؟
عربي21- وقاص القاضي02-Jan-2612:25 PM
تقول وكالة بلومبرغ إن حرب السودان تنذر بفوضى عالمية جديدة- الأمم المتحدة
شارك الخبر
ودّع السودان عاماً آخر من الحرب المدمرة التي لم تعد مجرد نزاع محلي، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتمرير أجندات دولية، مدفوعا بإمداد عسكري ولوجستي لأطراف النزاع.
وبمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال السودان، والتي تتزامن مع بدء العام الجديد 2026، وجّه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، رسالة أكد فيها أن ما يجري هي معركة وجود، وخاطب سكان دارفور وكردفان قائلاً: "النصر قادم وسنحتفل بطرد المتمردين والخونة".
كلمة السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بمناسبة الذكرى 70 للاستقلال .#سونا#السودانpic.twitter.com/cZtmBGMsAg
— SUDAN News Agency (SUNA) 🇸🇩 (@SUNA_AGENCY) January 1, 2026
وأضاف: "الدول التي تتحدث عن أوهام، فإنها لن تتحقق في هذه الأرض، والباب لا يزال مفتوحًا، والمصالحة الوطنية أبوابها مشرعة، وكل من يريد أن ينضم لصوت الوطن نرحب به، فالسودان يسع الجميع".
خطاب البرهان مرفوض أمريكيًا عقب خطاب البرهان الذي قال إنه "يدعو إلى حلول عسكرية للأزمة ويشترط شروطًا مسبقة لأي هدنة"، عبّر النائب الأول للمتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، عما وصفه بالـ"قلق البالغ" تشعر به الولايات المتحدة.
وكان عبدالفتاح البرهان قد جدد في تصريحات من تركيا، الأحد 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، شروط الحكومة السودانية للتفاوض مع الدعم السريع، بما في ذلك أن تضع هذه القوات سلاحها بعد انسحابها من الأعيان المدنية وتجميعها في معسكرات محددة.
The United States is deeply concerned by rhetoric from Sudanese Armed Forces leadership calling for military solutions to the crisis and pre-conditions for any truce. As tens of millions of Sudanese suffer, Sudan's military leaders should be pursuing a path towards peace, not…
وقال بيغوت في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، إنه "ينبغي على القادة العسكريين في السودان السعي نحو السلام، لا إلى استمرار الصراع"، وأضاف: "يتطلب تحقيق سلام دائم ومستقر ترتيبات تفاوضية تضع حدًا فوريًا للعنف".
السودان يرفض مرجعية الرباعية لوجود الإمارات وشدد البرهان في تصريحاته من السفارة السودانية في أنقرة، على أن المخرج من الأزمة السودانية يجب أن يكون عبر الحوار السوداني السوداني، مؤكدًا على استمرار قتال "المتمردين" حتى يضعوا السلاح، وأردف قائلًا: "تسمعون عن المفاوضات، وكلنا في السودان نعلم أننا نريد وقف الحرب، ونريد عودة السودانيين إلى مدنهم وقراهم، ونريد الاستقرار، لكن في ظل وجود هذه المليشيا المتمردة ومن يقف خلفها لا يمكن تحقيق ذلك".
وأضاف بالقول، إن "التمرد" يتمدد ويحتل بعض المناطق في السودان، ورهن توقف الحرب في بإنهاء "العدو"، قائلًا إن العمل السياسي يبدأ بعد انتهاء العمليات العسكرية، مضيفًا أن الرباعية كانت تتحدث عن مرجعية اتفاق جدة الموقع بين الجيش والدعم السريع في أيار/مايو 2023، لكن السودان رفض ذلك لوجود الإمارات.
مقتل مستشار قائد الدعم السريع في دارفور مع بداية عام 2026، لم يتوقف القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل توسعت رقعته لتشمل مناطق لم تشهد أي عمليات عسكرية منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، وحالياً، أصبحت خارطة السيطرة بين الطرفين المتقاتلين متأرجحة.
فمن أصل 18 ولاية سودانية، يسيطر الجيش على عشر ولايات بشكل كلي، تقع معظمها في الوسط والشمال والشرق والجنوب، فيما تسيطر قوات الدعم السريع على أكثر من 95 بالمئة من إقليم دارفور المكون من خمس ولايات، إضافة إلى ولاية غرب كردفان، فيما تتأرجح خارطة السيطرة في ولايتي شمال وجنوب كردفان.
وفي أحدث تصعيد، استهدف الجيش السوداني اجتماعًا لعدد من قادة قوات الدعم السريع في محيط مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور، ما أدى إلى سقوط قتلى في صفوفهم، وبحسب مصادر سودانية، أسفر القصف عن مقتل مستشار قائد قوات الدعم السريع، حامد علي أبو بكر، إلى جانب خمسة من مرافقيه.
العدالة في مهبّ الصراع مع دخول الحرب يومها الألف، وسط تزايد الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، والتي يرى مراقبون دوليون ومحليون أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة.
قال الدكتور سامي عبد الحليم، المستشار القانوني السابق بالأمم المتحدة ونائب رئيس الشبكة الأفريقية للخبراء الدستوريين الأفارقة، إن العدالة في ظل حرب السودان كانت "ضمن قائمة الشهداء"، مشيراً إلى تدمير ممنهج طال مؤسسات العدالة وأنظمتها، إلى جانب تهجير الكفاءات العاملة في المجال القضائي.
وأضاف، أن الوصول إلى العدالة أثناء الحرب يصبح شبه مستحيل، إذ يرى الضحايا الجناة بأعينهم، لكنهم يعجزون عن المطالبة بحقوقهم، خاصة إذا كان الجاني يتمتع بنفوذ أو موقع قوة، موضحاً أن المطالبة بالعدالة في مثل هذه الظروف قد تلحق بالضحية أذى أكبر مما تعرض له سابقاً.
موظفو الإغاثة لا يجدون أثراً للحياة في الفاشر
إنسانياً، قالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون، إن موظفي الإغاثة الدوليين، الذين دخلوا مدينة الفاشر لأول مرة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وجدوا المدينة مهجورة إلى حد كبير، ولا يوجد بها سوى عدد قليل من الأشخاص يحتمون في مبانٍ أو تحت أغطية بلاستيكية.
وأفاد ناجون بوقوع عمليات قتل جماعي بدوافع عرقية واعتقالات على نطاق واسع خلال فترة السيطرة على المدينة والفترة التي تلت ذلك، ولا يزال مصير كثير من الأشخاص مجهولاً في الفاشر والمناطق المحيطة بها، بحسب "رويترز".
بدورها، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، من وجود مستويات غير مسبوقة وخطيرة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان، وقالت المنظمة، إن مسحاً حديثاً أظهر أن أكثر من نصف الأطفال الذين جرى تقييمهم في محلية أم برو بالولاية يعانون سوء التغذية الحادّ.
وتُقدّر وكالات الأمم المتحدة أن أكثر من 21 مليون شخص داخل السودان يعانون من مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية للبقاء.
جيل خارج أسوار الزمن
حاليًا، يواجه السودان أكبر كارثة تعليمية في تاريخه، حيث توقفت الدراسة في معظم الولايات، وتحولت آلاف المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، وتقدر اليونيسف أن أكثر من 19 مليون طفل باتوا خارج النظام التعليمي، مما يهدد بمستقبل يسوده التجهيل والتجنيد القسري.
اقتصاد منهك يفوق حجم الكارثة البشرية
ووفق تقارير حديثة صادرة عن وكالات أممية، تشير التقديرات إلى أن إجمالي عدد المشردين بسبب الحرب، داخليًا وخارجيًا، قد تراوح بين 12.5 و14 مليون شخص، ما يجعل أزمة السودان من بين أسرع أزمات النزوح نموًا على مستوى العالم.
هذه الأزمة الإنسانية لا تُعد نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل أصبحت عاملًا اقتصاديًا مركزيًا، إذ تُخرج ملايين الأفراد من دائرة الإنتاج، وتُضعف رأس المال البشري، وتحوّل الخسائر الاقتصادية إلى خسائر هيكلية يصعب تعويضها حتى في حال توقف القتال.
أكبر وفيات في العالم سجلت في السودان جراء استهداف القطاع الصحي
وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، خرجت نحو 80 بالمئة من المستشفيات في مناطق النزاع عن الخدمة، وتحول القطاع الصحي إلى ساحة للنهب، مع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا، والملاريا، وحمى الضنك، والتهاب الكبد الوبائي وغيرها، وفقدان كامل للأدوية المنقذة للحياة، مما جعل الموت بالمرض القابل للعلاج يوازي الموت بالرصاص.
أكد ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، الدكتور شبل صهباني، أن 80 بالمئة من إجمالي الوفيات العالمية الناجمة عن استهداف القطاع الصحي في 2025 وقعت في السودان وحده، حيث سُجِّل أكثر من 200 هجوم ضد الكوادر الطبية والمرضى.
انكماش تاريخي.. السودان خارج الحضارة
يتقاطع المشهد الاقتصادي في السودان مع واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم، حيث سجّل الاقتصاد السوداني انكماشًا تجاوز 40 بالمئة، مع فقدان الجنيه السوداني لمعظم قيمته الشرائية، وتوقفت عجلة الإنتاج الصناعي تمامًا في ولاية الخرطوم، قلب الصناعة، وتدمرت البنية التحتية للاتصالات والمصارف، مما دفع بالبلاد نحو اقتصاد الحرب غير الرسمي.
الأمن الغذائي.. معادلة البقاء
يمثل الأمن الغذائي القطاع الأخطر في معادلة البقاء السودانية، إذ خرجت ملايين الأفدنة خارج دورات الزراعة، خاصة بعد تعطل مشروع الجزيرة ومناطق الإنتاج في كردفان ودارفور وتوقف دائرة الإنتاج الآمن فيهما.
كما تقلصت الأراضي الصالحة للزراعة بنسبة 35 بالمئة، مما يهدد الأمن الغذائي وأدى إلى تفاقم المجاعة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونهب المعدات، ونزوح المزارعين، وتعطيل سلاسل الإمداد، وخروج حوالي ثلثي الأراضي من دائرة الإنتاج بحسب التقارير.
نزيف الثروة الحيوانية
يعاني قطاع الثروة الحيوانية من نزيف حاد، حيث يتم تهريب السلالات النادرة عبر الحدود في تجارة عشوائية لا تعود نفعاً على خزينة الدولة، مع توقف رسمي للصادر عبر الموانئ الرئيسية، مما أفقد البلاد أهم مورد للعملة الصعبة بعد الذهب، وفق تقارير مختلفة.
ومع استمرار الحرب، تحول ما بدأ كصراع على السلطة في السودان إلى كارثة شاملة طالت البشر ولم يسلم منها الحجر، حيث نزح أكثر من 14 مليون شخص للعام الثالث على التوالي، وانهارت أنظمة الصحة والتعليم، وأضحى الأمن الغذائي كارثة حاقت بسكان بلد كان يوصف قديما بأنه "سلة غذاء العالم العربي".