أظهرت الجلسة الأولى للبرلمان
العراقي بدورته السادسة، سيطرة واضحة للقوى التابعة للفصائل المسلحة والمنضوية ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، حسبما رأى الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي حذر في الوقت نفسه من أزمات داخلية وخارجية نتيجة لذلك.
وانتخب
البرلمان العراقي، الاثنين، هيبت
الحلبوسي رئيسا له عن حزب "تقدم"، وعدنان فيحان عن "عصائب أهل الحق" نائبا أولا له، لكن النائب الثاني- المخصص للديمقراطي الكردستاني- لم يحسم إلا في اليوم الثاني وذلك بعد استبدال مرشحهم شاخوان عبد الله، بالنائب فرهاد الأتروشي.
ضغوطات بمسارين
بخصوص رسائل الجلسة الأولى، قال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ريبوار بابكي، إن "مشهد انتخاب النائب الثاني لرئيس البرلمان والكم الهائل من المعوقات كانت أبعادها سياسية بامتياز، لكنه لم يكن مفاجئا لنا لأن الحزب تعوّد تقريبا على ذلك عندما يحاول الحصول على استحقاقه".
وأوضح بابكي لـ"عربي21" أن "هذه الأحزاب التي تضع المعوقات أمام الديمقراطي الكردستاني هي حديثة النشأة وتحمل أجندات سياسية إقليمية، لكن ما يفسر استعداءهم، أن هذا الحزب حامي للقضية الكردية والكيان الدستوري لإقليم كردستان، وإصراره على تنفيذ الاستحقاقات الدستورية لأبنائه".
وأضاف: "نحن في كردستان العراق كنا نواجه مسارين من الضغوطات، أحدهما عسكري يضرب الإقليم بالصواريخ والمسيرات، ومسار آخر سياسي اختزل في البرلمان وكان هذا التيار بصدد إصدار تشريعات وقوانين ضد الإقليم".
ولفت إلى أن "المسار السياسي كان يحاول عرقلة قوانين أخرى جرى تمريرها بالتوافق بين المكونات، وتضغط على الحكومة الفيدرالية لعدم تنفيذها والتي هي بالأساس تخص الحقوق الدستورية للإقليم".
في الوقت الذي لم يستبعد فيه بابكي استخدام المسار العسكري ضد إقليم كردستان، فقد أكد أن الظروف الإقليمية قد تغيرات نسبيا لصالح الإقليم، وأن جبهة إيران أصبحت ضعيفة، وكذلك الأحزاب التي تحمل أجندة إيرانية لم تعد قادرة على القيام بعمليات عسكرية كما كانت في السابق.
وأعرب عن اعتقاده بأن الجهود تقتصر حاليا على البرلمان العراقي، وأن هذه الجماعات تحاول الهيمنة عليه بالكامل من خلال السيطرة على رئاسته، لكنها فشلت وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على منصب النائب الثاني للرئيس.
وأشار إلى أن "هذه الجماعات كانت موجودة في البرلمان والحكومة، لكن ربما تغير المشهد بعض الشيء وهو أن أحد أفرادها حصل على منصب في رئاسة البرلمان"، مشددا على أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يستسلم لهذا المشهد، وأن هذه الجماعات تعرف ذلك".
وأكد بابكي أن "لدى الديمقراطي الكردستاني خيارات أخرى يمكنه اللجوء إليها، لكن عندما يضطر لذلك، وكذلك ثمة جماعات شيعية معتدلة داخل الإطار التنسيقي الشيعي يهمها ضرورة مشاركة الحزب ومراعاة الخصوصية الفيدرالية التي يتميز بها إقليم كردستان".
وخلص إلى أن "الجماعات التي تمتلك السلاح مازالت هي التي تحكم، وإن لم يكن كذلك فإنها تؤثر بشكل أو بآخر على عملية الحكم، وأنها تحاول السيطرة على البرلمان وتمرير قوانين إستراتيجية ضد إقليم كردستان مثل قانون النفط والغاز، وغيره ممن له علاقة بالنظام الفيدرالي".
اظهار أخبار متعلقة
رغبة بالتصعيد
وفي السياق ذاته، قال الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي، أحمد الشريفي، إن "العملية السياسية العراقية في دائرة الاختبار، وأن الوصاية الدولية الممنوحة للولايات المتحدة جعلت واشنطن تصرح بشكل رسمي أن الاستحقاق المقبل في تشكيل الحكومة هو من سيقرر مصير النظام السياسي في العراق".
وأضاف الشريفي لـ"عربي21" أن "بوادر الفشل للقوى السياسية في الاختبار واردة حتى الآن، لأن خياراتهم على مستوى البرلمان تدل على تمسكهم بسياسة المحاور، والتي ترفضها الولايات المتحدة جملة وتفصيلا، إضافة إلى ترسيخ دور الفصائل كفاعل تشريعي".
وحذر الخبير العراقي من أنه "إذا انتقل دور الفصائل من البرلمان إلى السلطة التنفيذية فمعنى ذلك أن الأخيرة اختارت المواجهة مع الولايات المتحدة، خصوصا في ظل وحدة موقف أمريكي إسرائيلي بشأن أمنهم القومي بالضد من إيران وأذرعها بالمنطقة وملفها النووي والصاروخي".
ورأى الشريفي أنه "البرلمان الجديد فيه رغبة واضحة جدا في رفع سقف التحدي، وأن موافقة الفصائل تسلم هيبت الحلبوسي، رئاسة السلطة التشريعية، يأتي إدراكا منهم أنه إذا لم يوافق بشكل مباشر على تمرير قانون الحشد الشعبي، فإنه لن يعترض على ذلك، بمعنى أن الرغبة في التصعيد حاضرة".
وأشار الخبير إلى أن "خطورة التصعيد تكمن في تشكيل الحكومة الجديدة على أساس قوى الظل للفصائل، وذلك بالالتفاف على الفيتو الأمريكي على مشاركتهم، والمجيء بشخصيات لا ترتبط بها بشكل، لإدارة المؤسسات العسكرية والأمنية، وهذا سيكون معلوما من الولايات المتحدة وسيفتح باب المواجهة".
وتوقع الشريفي أن "تكون الدورة البرلمانية الجديدة ساخنة، لأنه إذا جاءت بحكومة تكنوقراط- نزولا عند رغبة الولايات المتحدة- فإنها ستواجه ضغطا برلمانيا كبيرا جدا، وأن كل نشاط ستتحرك بفضائه السلطة التنفيذية بعيدا عن مزاج الفصائل سيواجه بتشكيك وربما اتهام بالتآمر، وبالتالي تذهب باتجاه الاستجواب والإقالة لإرباك الحكومة".
ولفت إلى أنه "إذا جيء برئيس وزراء مستقل ولا يخضع للفصائل، فإنه سيجري استخدام الحق الدستوري في حال حصل تعسف من السلطة التشريعية على حكومته، وذلك بالطلب من رئيس الجمهورية حلّ البرلمان".
وأردف الشرفي، قائلا: "لذلك ستركز الفصائل بشكل دقيق جدا على أن يكون رئيس الجمهورية مقيد بها وغير حر في قراراته حتى لا تتحقق هذه المعادلة ألا وهي حل البرلمان بسبب أن السلطة التشريعية تعيق تنفيذ البرنامج الحكومي، وأعتقد أن هذا الشيء مقروءة حاليا من هذه القوى".
اظهار أخبار متعلقة
"برلمان حشدي"
وعلى وقع هذه الأحداث، قال النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ماجد شنكالي في تدوينة عبر منصة "أكس"، الثلاثاء، إن "الجلسة الأولى لمجلس النواب أثبتت أن نواب الإطار التنسيقي وخاصة نواب الفصائل المسلحة هم من يتحكمون في المشهد البرلماني".
وأضاف النائب أن "القادم تشريعيا سيكون صعبا على القوى الراغبة في نزع سلاح الفصائل وتحجيم الدور الخارجي الداعم لها.. وما جرى في عملية انتخاب النائب الثاني لرئيس البرلمان رسالة واضحة للحزب الديمقراطي الكردستاني تحمل ذات المضمون والمعنى".
وأردف: "لكن على هذه القوى المسلحة أن تدرك وتعي حقيقة ما ينتظرها من أزمات خارجية وداخلية في مقبل الأيام".
ردا على ذلك، علق المحلل السياسي القريب من الفصائل الشيعية، عماد المسافر، قائلا: "التغريدة لا تخرج عن كونها وشاية مبطنة وتهديد مكشوف قائمين على الاستقواء بفاعل خارجي".
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي، يحيى الكبيسي، عبر "أكس" إن ما قام به نواب الفصائل من منع فوز مرشح الديمقراطي الكردستاني بمنصب النائب الثاني لرئيس البرلمان في الجلسة الأولى، هدفه التكتيكي منع الحزب من المطالبة بمنصب رئيس الجمهورية، لكن الهدف الإستراتيجي هو "تمرين على الإخصاء الرمزي للكرد، كما نجح الأمر مع السُنة".
وحققت القوائم الممثلة للفصائل المسلحة فوزا بنحو 100 مقعد في البرلمان العراقي الجديد، من أصل أكثر من 170 مقعدا حصلت عليها قوى الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم من مجموع 329.
وعلى الصعيد ذاته، فسّر النائب بهاء الأعرجي عن ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، حصول "عصائب أهل الحق" على النائب الأول لرئيس البرلمان، بأن الأخيرة اختارت هذا المنصب بدلا من الوزارات "لرسائل أمريكية" تقيّد وصولها للوزارات السيادية.
من جهته، قال حسين مؤنس رئيس "حركة حقوق" البرلمانية التابعة لـ"كتائب حزب الله"، الاثنين، إنه ينظر بتفاؤل إلى البرلمان الجديد، لأن أغلبه من النواب "الحشديين" (من فصائل الحشد الشعبي)، وبذلك سنتمكن من إقرار القوانين التي تخص سيادة البلد وفي مقدمتها قانون الحشد الشعبي.
وعلى الوتيرة ذاتها، أكد النائب عن كتلة "بدر" أبو تراب التميمي، خلال تصريح صحفي، الاثنين، أن "أول خطوة سيقوم بها هو توجيه كتاب رسمي إلى رئيس البرلمان من أجل مخاطبة الحكومة العراقية لإرسال قانون الحشد الشعبي من أجل تمريره في البرلمان".
وكانت الدورة البرلمانية السابقة قد تراجعت عن تمرير قانون هيكلة الحشد الشعبي، بعد تلقي القيادات السياسية والمسؤولين العراقيين تحذيرات أمريكية صريحة بأن إقراره ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية وعسكرية على العراق، حسبما كشف رئيس البرلمان السابق محمود المشهداني.