منذ أن كتب الريسوني "نظرية
المقاصد
عند الإمام الشاطبي"، ونشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي بشكل متزامن مع
نشر كتاب يوسف العالم حول "المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، والذي
كتبه مبكرا (1971)، انطلقت موجة عارمة من
الكتابات حول مقاصد الشريعة، تنوعت اتجاهاتها وموضوعتها، وانصرف الغالبية العظمى
منها في المرحلة الأولى إلى النفس الاستعراضي، أي بسط نظرية المقاصد كما أسس لها
منظرها الإمام أبو إسحاق الشاطبي، أو كما استكمل بناءها الإمام الطاهر بن
عاشور، أو كما جدد بعض مفرداتها علال
الفاسي، ثم انتقلت الكتابات بعدها إلى مستوى ثان، تأريخي، يحاول التأسي بما قام به
الريسوني، في البحث عن جذور الفكرة المقاصدية في أعمال العلماء السابقين، وذلك
بقصد بناء مسار متسلسل يعين على فهم تطور الفكر المقاصدي، مع التمييز بين جيناته
الأولى، ومرحلة تبلور بعض مفاهيمه
(الجويني، الغزالي الرازي الآمدي) ثم
مرحلة اعتباره قسما متولدا عن أصول
الفقه
كما ذكر الشيخ محمد الخضري بك (العز بين عبد السلام والقرافي، وابن تيمية وابن
القيم)، ومرحلة نضجه واستواء قواعده وأصول نظريته (الشاطبي)، ومرحلة إحياء المقاصد
واستكمال نضجها والدعوة إلى استقلال علمها مع الطاهر بن عاشور، لتنطلق بعد ذلك
موجة أخرى عارمة من الكتابات التي لم تترك
جزئية من الجزئيات إلى أحاطتها بقدر كبير من التفصيل والعناية.
مر اليوم أكثر من قرن من الزمن على توصية الإمام محمد عبده بالعناية بموافقات الشاطبي، وأكثر من أربعة عقود على جهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الرهان على المقاصد لإعادة تشكيل المنهجية المعرفية الإسلامية في تعاطيها مع معضلات الواقع وفي استنهاض القوى النهضوية للأمة، لكن السؤال المطروح اليوم، يتجاوز تقييم التطور المعرفي الحاصل في هذه الدراسات كما ونوعا، إلى تقييم ماذا تحقق بالنظر إلى الهدف المؤطر، وما الأفق الذي ترتاده اليوم هذه الدراسات؟
والحقيقة أن هذا الزخم العلمي الكبير، صار
يستدعي ممارسة نقدية رصينة، تخضعه لسؤالي التحقق والأفق، وذلك بناء على قادة
أساسية تنطلق من مبررات نشأة هذا العلم وجدوى استقلاله والفائدة التي كانت ترجى
منه، فسواء تعلق الأمر بالإمام محمد عبده الذي أوصى تلامذته مبكرا بالاهتمام بكتاب
الموافقات، وكان له الفضل في إدخاله إلى المؤسسات الدينية العلمية مثل الأزهر
والزيتونة والقرويين، أم تعلق الأمر بمدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي التي
يقر طه جابر العلواني، عن خطة مسبقة مفكر له لدعم الكتابات المقاصدية، وأنه لهذا
الغرض نشر كتابين في سنة واحدة لكل من الريسوني ويوسف العالم، ثم نشر كتابا
لإسماعيل الحسني حول "المقاصد عند الإمام الطاهر بن عاشور".
فسواء تعلق الأمر، بالإمام محمد عبده، أو
بجهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فلا شك أن وراء ذلك، كانت هناك رؤية تسعى من
خلال الرهان على المقاصد إلى إصلاح العقل المسلم، وإعادة تشكيل قواعد المنهجية
المعرفية الإسلامية، وإحداث نقلة نوعية في العقل الأصولي المسلم، وذلك على قاعدة
تجاوز المنطق الأصولي التقليدي في التعامل مع قضايا الواقع، وإحلال المقاصد محل
النظر المكتفي باستثمار الدلالات اللغوية أو تشغيل القياس المحدود الأثر.
مر اليوم أكثر من قرن من الزمن على توصية
الإمام محمد عبده بالعناية بموافقات الشاطبي، وأكثر من أربعة عقود على جهود المعهد
العالمي للفكر الإسلامي في الرهان على المقاصد لإعادة تشكيل المنهجية المعرفية
الإسلامية في تعاطيها مع معضلات الواقع وفي استنهاض القوى النهضوية للأمة، لكن
السؤال المطروح اليوم، يتجاوز تقييم التطور المعرفي الحاصل في هذه الدراسات كما
ونوعا، إلى تقييم ماذا تحقق بالنظر إلى الهدف المؤطر، وما الأفق الذي ترتاده اليوم
هذه الدراسات؟
في تفهم دواعي المرحلة التبشيرية بالمقاصد
من الطبيعي، في كل عمل تجديدي أن يكون
مصحوبا في بدايته بموجة تبشيرية، يكون همها الأول، هو استعراض الفكرة، وبيان
تطورها، والحفر في تاريخيتها، والإقناع بجدواها، والنظر في مفرداتها عند مختلف
العلماء، في كل حقول المعرفة، أصولا وفقها وتفسيرا وحديثا وما إلى ذلك، فالقصد
يبرر مثل هذا الاشتغال خصوصا في وسط لا تمر فيه الأفكار بسهولة من غير تأصيل، ولا
تنتقل فيه المفاهيم من غير سند رمزي يستمد من فعل العلماء ومنهجهم وآثارهم
العلمية. ولذلك لا عتب على هذه المرحلة، التي امتدت لعقد من الزمن أو أكثر، والتي
عرفت زخما غير عادي من الكتابات، بلغت حد البحث عن مفردات جزئية، لا تعين في شيء
في تحقيق الهدف المؤطر للاشتغال بفكرة المقاصد، فبعض الباحثين جزأوا موضوع المقاصد
حتى صار البحث عن المقاصد في كل شيء، في منهج العلماء في كل الحقول، بما في ذلك
البحث عن مقاصد القيم في القرآن والسنة، فصارت كل القيم (الرحمة، الصبر، الصدق
وغيرها) موضوع دراسة، كما صارت كل المؤلفات في كل الحقول موضوعا للمقاصد، حتى ولو
كان أصحابها يتحدثون عن أشياء أخرى مرتبطة بالقياس أو المصالح المرسلة، أو أجزاء
من متعلقات البناء الأصولي التقليدي، مما لا يتبرر معه دمجه بالمقاصد بوصفها رهانا
أصوليا جديدا يحاول تطوير وتثوير المنهجية المعرفية الإسلامية.
ومهما يكن التفريع في هذه المرحلة
التبشيرية، فإن الهدف التعريفي والاستعراضي والإقناعي كان يبررها، بل ويغطي أيضا
على أخطائها، فبيان النظرية، وبحث تاريخيتها، ومسار تطورها، وموقعها في مؤلفات
العلماء وحيزها في منهجهم، كان يخلق الجدوى من إمكان الانتقال من أسس المنهج
الأصولي التقليدي كما أصل له الإمام الشافعي وتطور مع مدارس المتكلمين والفقهاء
والجمع بينهما، والانتظام في عقل أصولي جديد.
التجديد المقاصدي بين الانضباط والفوضى:
يصعب أن نتناول في هذا المقال مسار تطور
التنظير في المقاصد، فالثابت أن الجهد النظري المستوفي لشرائط النظر الأصولي
والمقاصدي كان في أعلى مستوياته مع الشيخ الطاهر بن عاشور، وأن النظرات التي
أضافها علال الفاسي كانت تناسب طبيعة الكتاب بوصفه محاضرات ألقيت على الطلبة
بجامعتين مغربيتين (الرباط وفاس)، ومع ذلك تضمنت تجديدات مقدرة، كانت في العموم
مبنية بطريقة أصولية.
من المهم الإشارة في هذا الصدد أن الأمر
اختلف بين كتابات حاولت أن تطور البنية المقاصدية، ودراسات أخرى خارجية حاولت أن
تقرأ تطور النظرية وتقف عند إشكالاتها، وتقف عند أهم الفراغات التي ينبغي الاجتهاد
لملأها، ومن ذلك قضية حصر المقاصد الضرورية في خمسة وإمكان تجاوز ذلك، وقضية طرق
إثبات المقاصد، وهل تقتصر على ما ذكره الشاطبي وما أضافه الطاهر بن عاشور أم هناك
مسالك أخرى ينبغي استقراؤها، وكذلك قضية معايير اندراج هذه المصلحة في الضروري أم
الحاجي أم التحسيني، وما يتعلق بجملة الإشكالات في تعريف الحاجي والتحسيني، وضبط ما
يندرج تحتهما وما يخرج من هذه ويضاف إلى تلك، وغير ذلك من الإشكالات التي أبانت
عنها دراسة نظريتي الشابي والطاهر بن عاشور.
لكن النظر في الاجتهادات التي قدمها عدد من
المشتغلين بالمقاصد تثير إشكالين عميقين، الأول يتعلق بالعلاقة بين الكلي والهام،
والعلاقة بين الجزئي والكلي، وما يمكن أم يحسب كمقصد كلي وما يمكن أن يحسب كمقصد
عام وما يمكن أن يعد مقصدا جزئيا، والفرق بين هذه الاصطلاحات، والثاني، يتعلق
بالضوابط والمعايير المعتمدة في إضافة كليات جديدة.
نقرأ مع الدكتور يوسف القرضاوي وفي كتاب جدد
مبكر (مدخل إلى الشريعة الإسلامية 1991) نقدا لمقاصد الشاطبي، وأنها اعتنت بمقاصد
الفرد ولم تعتن بمقاصد المجتمع، ليجعل من ذلك أساسا لترقية بعض القيم الاجتماعية
إلى رتبة المقاصد الكلية الأساسية، فيشير في ذلك إلى خمسة مقاصد إضافية هي العدل
والعدل، والتكافل، والكرامة والإخاء والحرية والكرامة، دون أن يبين وجه استقرائه
لهذه المقاصد المضافة إلا ما كان من استقراء في الأدلة الجزئية، وهل كان يقصد بها
المقاصد العامة أو الكلية، ثم عاد في كتاب
متأخر (دراسة فيفقه مقاصد الشريعة 2006) ليعيد نفس الٍرأي ويضيف إليها جديدا يتعدى مقاصد تكوين المجتمع إلى
مقاصد تكوين الدولة والأمة دون أن يقدم أي مقصد كلي جديد يتعلق
بهذه المستويات الإضافية.
النظر في الاجتهادات التي قدمها عدد من المشتغلين بالمقاصد تثير إشكالين عميقين، الأول يتعلق بالعلاقة بين الكلي والهام، والعلاقة بين الجزئي والكلي، وما يمكن أم يحسب كمقصد كلي وما يمكن أن يحسب كمقصد عام وما يمكن أن يعد مقصدا جزئيا، والفرق بين هذه الاصطلاحات، والثاني، يتعلق بالضوابط والمعايير المعتمدة في إضافة كليات جديدة.
وإذا كان مستند الشيخ القرضاوي رحمه الله،
ما أضافه الشيخ الطاهر بن عاشور في مقاصده، وأصل له بطريق الاستقراء، مضيفا مقصد
الحرية والمساواة وغيرها، مما يتعلق بحقوق الإنسان، وسايره في ذلك أو ربما سبقه الشيخ محمد الغزالي
في إضافة مقصد الحرية والعدل وذلك تحت ضغط
من هيمنة الاستبداد الحكم في التجربة التاريخية الإسلامية، فإن باحثين آخرين مضوا
أبعد من ذلك، فدعا جمال لدين عطية في كتابه "نحو تفعيل المقاصد"
إلى الانتقال من الضروريات الخمس إلى
المجالات الأربع (مقاصد تخص الفرد، ومقاصد تخص الأسرة، ومقاصد تخص الأمة، ومقاصد
تخص الإنسانية) دون أن يحدد موقها لمقاصد المجتمع، جعا عبد المجيد النجار في كتابه
"المقاصد بأبعاد جديدة" إلى ضرورة الانتقال من الضروريات الخمسة إلى
الضروريات التي تتعلق بالإنسان في دوائره المختلفة، دائرة الذات، ودائرة المجتمع،
ودائرة المحيط (البيئة)، ودائرة المجتمع العالمي (الإنسانية)، فوضع بذلك التبرير
لتأصيل مفردات حقوق الإنسان في أجيالها المختلفة خاصة منها المدنية والسياسية والبيئية، ضمن التنظير المقاصدي، وذهب باحث
آخر، معني بتحليل فلسفة التشريع المنظومي للمقاصد في الإسلام (جاسر عودة) في
كتابها "الاجتهاد المقاصدي من التصور الأصولي إلى التنزيل العملي"
استبدال حفظ الدين بكفالة الحريات الدينية، ومقصد حفظ العقل بحفظ الملكات العقلية
والفكرية، ومقصد حفظ النفس والعرض بحفظ حقوق الإنسان ومقصد حفظ النسل ببناء
الأسرة، ومقصد المال بالتنمية الاقتصادية، وذهب إسماعيل الحسني إلى أن قضية
الضروريات الخمس وإمكان الإضافة فيها هي أمر حيوي متحرك، لا يمكن معه تصور الجمود على ما كتبه الشاطبي،
في حين، اختار الريسوني التريث في الإضافة إلى حين توفر الأدلة، مع انفتاحه
المبدئي على إمكان الإضافة.
ومهما تكن هذه الإضافات أو هذه الانتقالات
من ضروريات الشاطبي إلى مستويات أو دوائر أو مجالات أخرى، فإن هذه الجزئية
البسيطة المتعلقة بإمكان حصر المقاصد الضرورية أو الإضافة عليها، التي نوردها هنا تشير إلى إحدى مظاهر فوضى التنظير في المقاصد،
إذ اصبحنا أمام لائحة طويلة تزداد طولا، واصبحنا أمام تعليلات هي أبعد ما تكون عن
التزام منهجية الاستقراء في تخريج هذه المصالح الضرورية، فمن لاحظ واقع استحكام الاستبداد في الأمة، قال
إن من مقاصد الشريعة الضرورية العدل والحرية، ومن رأى عناية الغرب بحقوق الإنسان
في أجيالها المختلفة، راح يبحث عن سند لهذه الحقوق ضمن المقاصد الضرورية
للشريعة، ومن صار يواجه استحقاقات بناء
المجتمع أو بناء الدولة أو حتى صحوة الأمة، صار يسوغ الحديث عن مقاصد أخرى تناسب
هذا الاستحقاق، ومن رأى ضغطا على إنسانية
الإنسان أو على البيئة، راح يقحم هذه الأببعاد ضمن الضروريات، وذلك بدون بناء
منظومي نسقي يمتلك قدرته التفسيرية، فالشاطبي، الذي بنى نظريته على تلازم ثلاث مستويات من المصالح، الضرورية
والحاجية والتحسينية، مبينا درجة كل مستوى على حدة، ووجه استقرائه، وعلاقته بعضه ببعض، ومدرجا ضمن كل مستوى من ذه المستويات عددا من
الأوامر أو النواهي الشرعية، أرسى بناءه الأصولي برمته، بما في ذلك مبحث الأدلة
والأحكام الشرعية والدلالات وكيفية الاستنباط والاجتهاد والتقليد، بهذا المنظور
النسقي، في حين، تندرج كثير من المحاولات ضمن تلفيقات نظرية لا تستند إلى أي نموذج أصولي نسقي، باستثناء ما كتبه الطاهر بن عاشور،
واستقر في مختلف كتاباته، بما في ذلك كتابه عن إصلاح النظام الاجتماعي، وكتابه عن
إصلاح التعليم (ألبس الصيح بقريب) وكتابه في التفسير (التحرير والتنوير) والذي
أظهر تماسك رؤيته للمقاصد وسريانها في كل كتاباته بل وحتى في منهج نظره الفقهي
والتفسيري.
والمفارق، أن الشاطبي حين بنى نظريته
للمقاصد، لم يظهر في مقدمة كتابه بل وفي مختلف كتاباته أي انفعال بالواقع أو تأثير
له على كتاباته، لأنه كان يدرك أنه إزاء التنظير الأصولي المنطلق أساسا من استقراء
النص الشرعي، وأن ذلك لا يجوز له بحال من الأحوال أن يجعل الواقع وتعقيداته
وتحولاته باعثا له على تكييف النظر الأصولي بل تكييف النص الشرعي بحسب حاجيات
الواقع، حتى أن دارسين كثر في جماعات غربية مهتمين بتفسير تاريخية تطور علم الأصول
ونظرية الشاطبي على الخصوص، ممن بينهم وائل حلاق ومحمد فاضل وخالد مسعود ومنير
فريد وغيرهم، لم يستطيعوا بوجه يقيني قطعي أن يثبوا تأثير الواقع بتفاصيله ودوره في تبرير لجوء
الشاطبي إلى إنتاج نظريته، فلم يجد حلاق
في كل ما كتبه الشاطبي سوى العلاقة مع الصوفية ومع مترخصة الفقهاء ليجعل من ذلك باعثا على الاجتهاد في بيان
صورة الإسلام الحقيقي مرتكزا في ذلك على
كتاب الاعتصام، وتكلف خالد مسعود في بحثه في فتاوى الشاطبي لإثبات صلة مقاصد
الشاطبي بالواقع، لإثبات صفة التكيف والمرونة مع الواقع، فلم يجد شيئا قويا متجها يسند به أطروحته، وبقي الآخرون في العموم مترددين بين هذين
القولين.
ولقد أحسن الريسوني، حين أحجم عن الاجتهاد
في إضافة أي مقصد للمقاصد الضرورية دون إسناد ذلك بما يكفي من البحث العلمي والتماس الأدلة، وذلك لعلمه أن قضايا
التنظير الأصولي في مثل هذه القضايا، لا تلتمس فقط في التكيف مع الواقع وضغطه،
ومحاولة إثبات عظمة الإسلام ورفع
المظلومية عن الشريعة وبيان تكيفها مع
العصر وقدرتها على حل معضلاته، فالشريعة
لها بنيانها الأصيل الذي يمكن من خلاله أن
تثبت صلاحيتها، وأن يتم الاجتهاد ضمنها إلا من خلال بذل الجهد
من داخلها لا التماس ما هو خارجي، ومحاولة إيجاد سند لتوطينه داخلها، وإلباسه
مواصفات لا يتأتى تأصيلها إلا بالطريقة
التي سلكها الشاطبي نفسه، حين ألزم نفسه بالاستقراء، ليس فقط في تخريج الضروريات
الخمس، ولكن في بناء نسق متكامل ينتظم نظريته الأصولية كاملة.
الاجتهاد المقاصدي بين الانضباط والفوضى
وإذا كان ثمرة بناء النظرية المقاصدية هو
إحداث نقلة بعيدة على مستوى الاجتهاد المقاصدي، فإن الفوضى التي قد تحل في المقاصد
يصل أثرها بشكل مضاعف إلى الاجتهاد المقاصدي.
وإذا كانت كتب الفقه في العادة تلتزم
المنهجية الفقهية التقليدية، ولا تغادرها، وتجعل من الاجتهاد المقاصدي في الجملة مرجحا من
المرجحات، فإن دراسات أخرى، حاولت أن تجعل من الدرس النوازلي حجة للاستعاضة
بالمطلق عن تراتبية المنهجية الفقهية كما عرفت في البناء الفقهي التقليدي، وتجعل من الفتوى مستندا في ربط الاجتهاد الفقهي بالكلية بالمقاصد دون
التزام بالمنهجية الفقهية، وبعضها الآخر، راح أكثر من ذلك، وصار يسوغ من غير جهد تأصيلي، فكرة التعليل بالقيم بالاستناد
إلى ممارسة الفقهاء، أو المفتين من القضاة في فتاواهم النوازلية.
وقد ألمح وائل حلاق في بعض كتاباته في نقد
ما ذهب إليه خالد مسعود إلى المأزق المنهجي الذي ترتكبه بعض الدراسات التي تعتمد
على الفتاوى النوازلية، مشككا في أن تكون النازلة المقدمة في كتب النوازل، هي
النازلة التي جرت في الواقع بجميع تفاصليها ومستنداتها، ومعللا ذلك بعدد من
المراحل التي تخضع له النازلة وكيف يتم استبعاد زوائد كثيرة منها قبل أن تستقر في
كتب النوازل.
السؤال المركزي الذي لم يتم الحسم فيه لاعتبارات سوسيولوجية، تتعلق بالعلاقة مع المحيط الاجتماعي، أو بالتحديد العلاقة مع النخبة العلمية والدينية التقليدية، يتعلق بموقع المقاصد في البناء الأصولي، وهل هي مجرد ملحق من ملحقات دليل القياس (مسلك المناسبة) أم ملحق من ملحقات دليل الاستصلاح (المصلحة المرسلة)، أم المقاصد بناء أصولي جديد يتجاوز المنهجية الأصولية التقليدية التي أضحت بتجريديتها وطابعها النظري الصرف غير قادرة على تخريج الفروع على الأصول، وأصبحت في الأغلب الأعم، مجرد آلية تبريرية يستعملها الفقيه لإثبات شرعية اجتهاده الفقهي.
وإذا كان ما يهم وائل حلاق في نقد اللجوء
إلى النوازل لإثبات العلاقة بين تطور العلم وتأثير الواقع هو حصول تدخل ما في
النازلة بحذف بعض الزوائد المهمة التي تعين في فهم أدق لخصوصية المجتمع وتعقيداته،
فإن ما يهمني هنا، هو المقتضيات المنهجية
الفقهية التي كان المفتي يزيحها لاعتبار الضرورة السياقية والحالية، فالفقيه
المقتي أو الفقيه القاضي كان يهمه أن يوجه ثمرة الاجتهاد الفقهي للمستفتي، لا أن
يلزمه بما يلزم الخاصة بتتبع مراحل الاستدلال وأدواته، في حين نجد عددا من الباحثين يقفز على هذه
الحقيقة، ويعتبر التعليل الذي أورده
الفقيه أو القاضي المستفتى في النوازل نظرا مقاصديا يحكم المقاصد بعيدا عن تراتبية
المنهجية الفقهية، ويسعى إلى البناء على ذلك معتبرا فقه النوازل مستنده في ذلك.
في الإشكال المركزي في المقاصد
في نهاية هذا المقال، ونحن نناقش فوضى
المقاصد من خلال التعاطي مع سؤال التحقق، لا بد أن نأتي إلى سؤال الأفق، والذي في
تقديري يتم القفز عليه، حين يتم التغطية على سؤال محوري أثاره الفخر الراوي قديما
حين طرح سؤال التعليل وهل يكون بالعلة أم بالحكمة؟
فالسؤال المركزي الذي لم يتم الحسم فيه
لاعتبارات سوسيولوجية، تتعلق بالعلاقة مع المحيط الاجتماعي، أو بالتحديد العلاقة
مع النخبة العلمية والدينية التقليدية، يتعلق بموقع المقاصد في البناء الأصولي، وهل هي مجرد ملحق من ملحقات دليل
القياس (مسلك المناسبة) أم ملحق من ملحقات دليل الاستصلاح (المصلحة المرسلة)، أم المقاصد بناء أصولي جديد يتجاوز المنهجية الأصولية التقليدية التي أضحت بتجريديتها وطابعها النظري الصرف غير قادرة على
تخريج الفروع على الأصول، وأصبحت في
الأغلب الأعم، مجرد آلية تبريرية يستعملها الفقيه لإثبات شرعية اجتهاده الفقهي.
لقد كان الطاهر بن عاشور أشد الدارسين وضوحا
في هذا الموضوع، وذلك حين دعا إلى استقلال علم المقاصد عن علم الأصول، وبناء النظر
الفقهي على المقاصد، وسايره في ذلك الدكتور أحمد الريسوني مع ميله إلى التريث وعدم
صعق المجتمع الفقهي التقليدي، في حين،
تردد كثير من الدراسين في هذا الشأن، وبقي
اغلبهم يدرس المقاصد ضمن متعلقات المصلحة المرسلة، جاعلا من القضايا المستجدة غير
المشمولة بنص شرعي، مجالا حيويا لتفعيل الاجتهاد المقاصدي، كأنهم في ذلك يسترجعون
ما كتبه الجويني والغزالي والآمدي، لا ما كتبه الشاطبي، وقبله العز بن عبد السلام
والقرافي وابن تيمية وابن القيم.
تفسير هذا السلوك المتردد، يعكس جانبا من
فوضى المقاصد، والاجتماع البحثي على نظرية يُعتقَد أنها مدخل لإصلاح العقل المسلم،
لكنها في واقع الأمر لا تعدو أن تكون تأثيثا لمنهجية معرفية تقليدية جاء الشاطبي
أصلا على أنقاضها ولتجديدها على الأقل كما تقول ذلك كتاباتهم.
قد يكون هذا التردد مفهوما بلغة السياسة
والاجتماع، لكن بلغة التراكم المعرفي، وبلغة الانتظام في مدرسة الشاطبي، يسمح هذا
التردد بتزكية منطق الفوضى في المقاصد، وتبرير استدامة الوضع التقليدي باسم
المقاصد نفسها.
من المهم أن نلتقط
الإشارة من واحد من الذين كان لهم السبق في العناية بتطوير النظر المقاصدي (طه
جابر بالعلواني) وسخر المعهد العالمي للفكر الإسلامي لنشر كثير من الأعمال بقصد المنهجية في تطوير المنهجية الإسلامية
وإصلاح العقل المسلم، ثم انتهى به المطاف إلى كتابة مقال حول القيم العليا الحاكمة، يفسر فيها سبب عدوله عن فكرة
المقاصد، إلى فكرة القيم العليا الحاكمة (التوحيد والتزكية والعمران)، لأنه أدرك
أن المنهجية التقليدية لا تزال تشكل عائقا أمام تطور المقاصد، وأن الرهان على ما
كان يعتقد أنه يسيهم في تحقيق النقلة النوعية (أن تحل المقاصد بدلا عن المنهجية
الفقهية التقليدية) لم يتحقق ربما
لأن مسار البحث بدأ واعدا بعيدا بأفق تجاوز المنهجية ألأصولية التقليدية،
وانتهى أحضانها راضيا فقط بموقع بسيط ضمن
بعض أقسامها.
وبعد، فهذه مجرد كتابات وخواطر بحثية نجمت
من كثرة الاحتكاك بالدراسات في مجال المقاصد، وهي بعد لم تستو في صورتها البحثية،
لكنها أفكار بين يدي الباحثين في هذا الحقل، تنبه إلى واقع الفوضى، وضرورة تنهيج
البحث المقاصدي، ومحاولة وضعه في سكته الأساسية، أي سكة تطوير المنهجية الأصولية،
انطلاقا من السؤال المركزي الذي يؤطرها، والالتزام
بالمشترطات العلمية والمنهجية لاسيما مشترط الاستقراء، وذلك بعيدا عن أي هم خارجي
مؤثر يرتبط بها مهما يكن قوته وحجمه ولو تعلق بالتكيف مع الواقع وتثيبت خاصة مرونة
الفقه الإسلامي في الاستجابة لتحدياته.