صحافة دولية

"دبلوماسية العصابات".. كيف فكك ترامب القانون الدولي؟

يحذّر خبراء من أن النظام العالمي يتجه إلى مرحلة يُصبح فيها أي طرف قادرًا على فرض إرادته بالقوة دون رادع- جيتي
يحذّر خبراء من أن النظام العالمي يتجه إلى مرحلة يُصبح فيها أي طرف قادرًا على فرض إرادته بالقوة دون رادع- جيتي
شارك الخبر
تتسارع مؤشرات انهيار النظام الدولي القائم على القواعد الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، وسط تحولات عميقة تقودها الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتحذيرات متزايدة من دبلوماسيين وخبراء قانون دولي من دخول العالم مرحلة اللانظام.

المحرر الدبلوماسي في صحيفة الغارديان البريطانية، باتريك وينتور، وصف المشهد العالمي الراهن بأنه لحظة انتقالية تاريخية تُنذر بتداعيات حاسمة، مستشهدًا بعبارة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: "إن العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد".

ويؤكد مراقبون أن هذه المرحلة تشهد أخطر أزمة شرعية تصيب منظومة القوانين والمؤسسات التي شكّلت أساس النظام الدولي منذ عام 1945، وهو النظام الذي كانت واشنطن نفسها مهندسه الرئيسي.

اظهار أخبار متعلقة


ترامب وتفكيك النظام القائم على القواعد
لم يكن التحول الأمريكي مفاجئًا، بحسب وينتور، فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ في شباط/ فبراير أن الرئيس ترامب تخلّى صراحة عن النظام الدولي الذي أسسه أسلافه، قائلًا: "إن النظام العالمي لما بعد الحرب ليس متقادمًا فحسب، بل أصبح اليوم سلاحًا يُستخدم ضدنا (..) لقد قادنا كل ذلك إلى لحظة نواجه فيها أعظم خطر لعدم الاستقرار الجيوسياسي وأزمة عالمية ذات طابع جيلي في حياة أي شخص حيّ هنا اليوم".

وأضاف روبيو أن التخلي عن النظام القائم على القواعد بات ضروريًا لأنه بُني على افتراض خاطئ مفاده إمكانية استبدال المصالح الوطنية بسياسة تخدم "النظام العالمي الليبرالي"، وهو ما وصفه لاحقًا بأنه "وهم خطير".

هذه الرؤية انعكست بوضوح في أحدث استراتيجية للأمن القومي الأمريكي، التي أكدت أن الولايات المتحدة لن تسعى بعد الآن إلى "إسناد النظام العالمي بأكمله"، في تبنٍّ رسمي لشعار "أمريكا أولًا".
غير أن السياسة الخارجية لترامب، كما يصفها التقرير، لم تُترجم إلى نهج متماسك، بل إلى سلسلة من التدخلات المتناقضة التي تتقاطع فيها الأيديولوجيا مع المصالح الشخصية، ما جعل النظام الدولي عرضة لتآكل غير مسبوق.

ازدراء القانون الدولي
وسط هذا المشهد، برز هدف واحد ثابت في سياسة ترامب: تحطيم القيود التي يفرضها القانون الدولي، خصوصًا تلك المتعلقة بالسيادة الوطنية وحظر استخدام القوة لتغيير الحدود. وينتهج ترامب، وفق التقرير، ما يُعرف بـ"القوة القسرية الصرفة" أو "دبلوماسية العصابات"، حيث تصبح التهديدات والابتزاز والمساومات أدوات رئيسية لإدارة العلاقات الدولية.

وعندما وُضع ترامب أمام خيارين، دعم أوكرانيا عسكريًا لطرد روسيا أو الدخول في صفقة اقتصادية مع موسكو تُمكّنه من نهب الموارد الأوكرانية، اختار دون تردد الخيار الثاني، في نموذج صارخ لتغليب منطق الصفقات على مبادئ القانون الدولي.

وبلغ هذا النهج ذروته، وفق الغارديان"، حين حُذّرت الإدارة الأمريكية من أن قتل المدنيين الفنزويليين دون إجراءات قانونية يشكّل جريمة حرب، فجاء رد نائب الرئيس جيه دي فانس صادمًا: "لا يهمني إطلاقًا ماذا تسمّونه".

لاحقًا، زعم البنتاغون أن القانون الأمريكي يسمح باستهداف بحّارة غرقى باعتبارهم "مقاتلين"، في تبرير وُصف بأنه نسف صريح للقانون الإنساني الدولي.

اظهار أخبار متعلقة


ولم يقتصر الهجوم على السلوك العسكري، بل طال صميم المؤسسات الدولية، حيث فرضت واشنطن عقوبات على قضاة في المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

القاضي الفرنسي نيكولا غيو وصف آثار تلك العقوبات قائلًا: "أُغلقت جميع حساباتي لدى الشركات الأمريكية، وحُجزت فندقًا في فرنسا عبر إكسبيديا، وبعد ساعات أُلغِي الحجز بسبب العقوبات".

عالم بلا محاسبة
في ظل هذا التراجع، تتعزز ظاهرة الإفلات من العقاب. ويقول ماجد الأنصاري، مستشار السياسة الخارجية لرئيس وزراء قطر: "نحن نعيش في عصر من الإفلات المقزِّز من العقاب يعيدنا مئات السنين إلى الوراء… نحن لا نطالبهم حتى باحترام القانون الدولي، بل نطلب منهم فقط أن يتراجعوا خطوة عن الابتعاد مئة ميل عن القانون الدولي".

ويحذّر خبراء من أن النظام العالمي يتجه إلى مرحلة يُصبح فيها أي طرف قادرًا على فرض إرادته بالقوة دون رادع، والتحذير الأكثر قتامة جاء من الأنصاري نفسه الذي خلص إلى أن العالم لا يتجه نحو نظام جديد، بل إلى فوضى مفتوحة: "نحن نتجه إلى نظام يستطيع فيه أي طرف أن يفعل ما يشاء طالما لديك القدرة على إحداث الخراب، يمكنك أن تفعل ذلك، لأن أحدًا لن يحاسبك".

بهذا، لا يقتصر أثر ترامب على تبديل سياسات عابرة، بل يتجاوزها إلى تفكيك البنية القانونية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، وفتح الباب أمام عصر غير مسبوق من عدم الاستقرار الدولي. وفق الصحيفة البريطانية.
التعليقات (0)