تميل
صحافة
الاحتلال لترديد رواية
الجيش دون طرح أسئلة، أو التشكيك في المسلّمات، أو
إثارة الشكوك، وهو تكرار هادئ لظاهرة قديمة في أساليب عملها، وهو الميل لتبنّي
سرديّته، في ظل غياب الصحافة الاستقصائية، والأكثر غرابة أنه بعد هجوم السابع من
أكتوبر، بات قبول العديد من الصحفيين لما يُقدّم لهم دون تمحيصٍ دقيقٍ أمرًا
مُقلقًا للغاية.
يعقوب
كاتس، المراسل العسكري السابق، والمحرر في صحيفة جيروزاليم بوست، ذكر أنني "شاركتُ،
كغيري من الصحفيين، في جلسات إحاطة مغلقة لكبار الضباط في السنوات التي سبقت هجوم
السابع من أكتوبر، حيث لم يطّلع أي صحفي على المعلومات الاستخباراتية الأولية، لكن
الجميع سمع الرسالة نفسها ومفادها أن حماس مُثبّطة، ولا تريد الحرب، ومقاطع
الفيديو التدريبية لعناصرها مجرد استعراض، وهي تسعى للازدهار الاقتصادي، من خلال
المزيد من الأموال القطرية، وتصاريح العمل".
وأضاف
كاتس في
مقال نشرته صحيفة معاريف، وترجمته "عربي21" أنه "عندما طُرحت تساؤلات عما إذا كانت حماس مُحبطة، فلماذا تستمر في تطوير
صواريخ بعيدة المدى، وإجراء مناورات عسكرية، والاقتراب من السياج الحدودي، حتى جاء
الجواب واحدًا وهو رسالة سياسية، وضغط اقتصادي، وقد فهمنا نحن الصحفيين ذلك، أما
قليلون هم من شكّكوا في الرواية القائلة بأن كل شيء تحت السيطرة".
وأشار الكاتب إلى أنه "من أجل فهم سبب حدوث ذلك، لا بد من فهم هيكل التغطية الأمنية في إسرائيل،
يسيطر الجيش سيطرة شبه كاملة على الوصول للمعلومات، فلا يوجد هنا "مراسلون من
البنتاغون" يتمتعون بحرية الدخول إلى معسكرات الجيش، ويعتمد الوصول للضباط أو
التحقيقات أو العمليات الميدانية اعتمادًا كليًا على المتحدث الرسمي باسم الجيش،
مما يُرسّخ تبعية عميقة".
وأوضح
كاتس أن "الصحفي الاسرائيلي يعلم أنه إذا نشر انتقادات لاذعة لرئيس الأركان، أو
جنرال رفيع المستوى، فسيتم ببساطة رفض طلباته اللاحقة، وستُتاح الفرص للمنافسين، وهذا
يخلق آلية تُكافئ التعاون، وتُعاقب النقد، ومن هنا تأتي النكتة الشائعة في النظام
الإسرائيلي مفادها أن المقابلة الحصرية مع ضابط رفيع المستوى، أو الكشف عن معلومات عملياتية لا تُعتبر عادةً إنجازات صحفية، بل إحاطة
استباقية يختار المتحدث الرسمي باسم الجيش تقديمها لصحفي مُعين".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد كاتس أن "الأمر نفسه ينطبق على مقاطع الفيديو التي تظهر في البرامج الاستقصائية،
فهي ليست تسريبًا على غرار فضيحة ووترغيت، بل قرار مؤسسي بتمرير مواد، ولعل مقارنة
هذا بالوضع في الولايات المتحدة يكشف أنه قبل بضعة أشهر فقط، عندما أثارت محاولة
البنتاغون تقييد نشر المعلومات ضجة، انسحب عشرات الصحفيين الأمنيين من القاعة احتجاجًا،
واليوم، في قضية أخرى، يُطالب الكونغرس بإجابات، ويستجيب الرئيس، وتُنشر التحقيقات
بشكل شبه يومي، دون أن يحدث شيء مماثل في دولة إسرائيل".
وأكد
أنه "لم يسبق لنا أن شهدنا نحن الصحفيين الاسرائيليين مطالبة شعبية مستمرة
بالمساءلة والتدقيق والتحقق، تتجاوز تصرفات الصحفيين الأفراد، بل إن الإعلام
الإسرائيلي يتبع طاعة الجهة التي يفترض أن يحقق فيها، فإذا زعم تقريرٌ ما القضاء
على مسلحين فلسطينيين، فهم كذلك، وإذا زعم الجيش تدمير مستودع أسلحة، فهذا ما كان
موجودًا فعلا في المبنى، دون أدنى شك أو تساؤل، وبالتالي فإن الإعلام ليس مسؤولاً
عن هجوم السابع من أكتوبر، لكنه قصّر في عدم تحديه للمُسلَّمات الأساسية للمؤسسة
الأمنية".
تكشف
هذه القراءة النقدية أن الصحافة الاسرائيلية ليست، كما هو شائع، أكثر حدةً وجرأةً،
ولا تتصرف بمسؤولية، ولا تؤدي دورها، وقد زادت هذه المفاهيم في زمن الحرب، بحيث لم
تعد الصحافة الاسرائيلية مهنةً محايدة، بل خدمة الجيش، وتحوله بوقًا له.