صحافة دولية

تحقيق لـ"WP" يكشف تفاصيل دعم "إسرائيل" لدروز في سوريا ضد الشرع

مسؤولون إسرائيليون يقولون إن الهدف من دعم الدروز هو "إضعاف التماسك الوطني" لسوريا- جيتي
مسؤولون إسرائيليون يقولون إن الهدف من دعم الدروز هو "إضعاف التماسك الوطني" لسوريا- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تحقيقا مطولا عن الكيفية التي تعمل بها دولة الاحتلال الإسرائيلي لتقويض جهود الحكومة السورية الجديدة، عبر دعم دروز في سوريا 

وأورد التحقيق ، الذي أعده أربعة من مراسلي الصحيفة الأمريكية من مدينة القدس، أن إستراتيجية "إسرائيل" لتنفيذ أعمالها السرية ضد الحكومة السورية تشمل دعم المليشيات الدرزية لتعزيز دورها في المنطقة ومواجهة نفوذ دمشق، إضافة إلى احتلال مناطق إستراتيجية وتنفيذ ضربات جوية لمنع وصول الأسلحة إلى دمشق.

اظهار أخبار متعلقة


ويشير التحقيق إلى أن العمليات الإسرائيلية في سوريا بدأت فور الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ نظرت "إسرائيل" إلى الرئيس السوري أحمد الشرع باعتباره تهديدا مستمرا لها، نظرا لتاريخه وارتباطاته السابقة في قيادة فصيل مسلح كان مرتبطا قبل نحو عقد من الزمن بتنظيم القاعدة الذي يعادي وجود "إسرائيل" بشكل صريح، وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الشرع لا يزال يحتفظ بعناصر متطرفة ضمن دائرته المقربة، مما دفعها إلى تطوير إستراتيجيات سرية للتعامل معه.

دولة درزية مقترحة تمتد إلى العراق
بالإضافة إلى ذلك، شن سلاح الجو الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على المنشآت العسكرية السورية لمنع الحكومة الجديدة من الوصول إلى الأسلحة، لإضعاف قدرتها على توحيد البلاد، وعلى الجانب الآخر من هذه الإستراتيجية دعمت "إسرائيل" الشخصيات الدرزية مثل حكمت الهجري، الذي دعا إلى الانفصال وتأكيد الحكم الذاتي للدروز، والأخير حصل على دعم "إسرائيل" في هذا المسعى. وذكر التحقيق أن الهجري أعد خرائط لدولة درزية مقترحة تمتد إلى العراق وعرضها على حكومة غربية كبيرة واحدة على الأقل في أوائل 2025.

الهجري - صفحة السويداء

على الأرض، أقامت القوات الإسرائيلية ما وصفته بـ"منطقة عازلة"، قدّمت من خلالها لسكان نحو 20 قرية درزية مساعدات شملت "الخشب والبنزين والديزل والغذاء وكميات محدودة من المياه"، إلى جانب خدمات طبية في عيادة عسكرية أُنشئت خارج قرية خضر الدرزية، حسب مسؤول عسكري إسرائيلي.

الدروز.. قوة وكيلة مسلحة تخدم المصالح الإسرائيلية في سوريا
وعلى المستوى الحكومي، أفاد حسون حسون، العميد الإسرائيلي السابق والسكرتير العسكري في مكتب الرئاسة، والذي شارك مباشرة في جهود الدعم، إن وحدة "تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" (كوغات) التابعة لوزارة الحرب، أنشأت مكتبًا إداريًا جديدًا لتنسيق إيصال المساعدات الإنسانية وغيرها إلى الدروز السوريين، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة.

وقاد حسون، وهو درزي إسرائيلي مقرّب من الشيخ حكمت الهجري، تيارًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية دعا إلى توسيع نطاق الدعم للدروز السوريين وتحويلهم إلى قوة وكيلة مسلحة تخدم المصالح الإسرائيلية في سوريا، وقال في مقابلة صحفية: "يتعيّن على إسرائيل الانتقال إلى مستوى أعلى، والتصرف كقوة استراتيجية تبني تحالفات مع أطراف ووكلاء محليين، وتحولهم إلى جهات موالية لها، وتكون في المقابل وفية لهم".



وبرّر مسؤولون إسرائيليون دعم تسليح الدروز بعاملين أساسيين، حسب مسؤول إسرائيلي مطّلع، أولهما عدم الثقة في جدوى الجهود الأمريكية والأوروبية للتقارب مع أحمد الشرع، والتي وصفها بعضهم بأنها “ساذجة”، انطلاقًا من أن الشرع مسلح إسلامي لم يتخل عن ماضيه، ويشكّل تهديدًا محتملًا لـ"إسرائيل" إذا تمكّن من ترسيخ سلطته. أما الاعتبار الثاني، فإنه يتمثّل في شعور بالتزام أخلاقي تجاه حماية الطائفة الدرزية ذات الثقل السياسي والاجتماعي داخل "إسرائيل".

دعم شامل للدروز
وباعتبارها قوة آخذة في توسيع نفوذها الإقليمي، تسعى "إسرائيل" إلى التأثير في مسار التطورات داخل سوريا من خلال دعم ميليشيات درزية في إطار مساعٍ تهدف، بحسب مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، إلى إضعاف وحدة سوريا، وتعقيد جهود الشرع الرامية إلى توحيد البلاد عقب سنوات طويلة من الحرب الأهلية.

وتحت جنح الظلام، بدأت مروحيات إسرائيلية بالوصول إلى جنوب سوريا في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بعد تسعة أيام فقط من الإطاحة بالأسد، وإلى جانب شحنات من المساعدات الإنسانية، أُسقطت جوًا وبصورة سرّية نحو 500 بندقية وذخائر ودروع واقية، لتسليح ميليشيا درزية تُعرف باسم "المجلس العسكري"، في إطار جهود لدعم الدروز، الأقلية الدينية ذات العلاقات التاريخية الطويلة مع "إسرائيل"، وفقًا لمسؤولَين إسرائيليين شاركا مباشرة في العملية.

وعلاوة على ذلك، يلفت التحقيق إلى أن مقاتلين دروزا، بمن فيهم نساء، ظلوا يتلقون تدريبات قبل سقوط نظام الأسد بالمناطق الكردية في شمال البلاد بواسطة قوات سوريا الديمقراطية، وهي مليشيا يقودها الأكراد وتحافظ على علاقات وثيقة مع "إسرائيل". وفق الصحيفة.

تحرك "إسرائيلي" فوري
كما تشير تقديرات مسؤولين دروز إلى تقديم مدفوعات شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لنحو 3,000 عنصر من الميليشيات الدرزية، في خطوة تعكس الرغبة في الحفاظ على قوة ردع في مواجهة الحكومة السورية المركزية، وأجرت واشنطن بوست مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولًا إسرائيليًا وغربيًا حاليًا وسابقًا، إلى جانب مستشارين حكوميين وقادة ميليشيات درزية ومسؤولين سياسيين في سوريا و"إسرائيل" ولبنان، وقد تحدث العديد منهم، كاشفين عن تفاصيل الدعم الإسرائيلي للدروز السوريين، بما في ذلك أوجه تعاون سرّية لم يُعلن عنها من قبل.

وتتمحور الاستراتيجية الإسرائيلية منذ سقوط الأسد حول منع ظهور نظام سوري يمتلك القدرة على تهديد "إسرائيل" على الحدود الشمالية الشرقية، وفي هذا السياق، يرى مسؤولون إسرائيليون أن واشنطن تُبدي قدرًا من السذاجة في قبولها تأكيدات الشرع بأنه تخلّى عن توجهاته المتطرفة.

في المقابل، تؤكد "إسرائيل" التزامها الراسخ تجاه الدروز، الذين ينتشرون في عدة دول بالشرق الأوسط، وتتمتع بعلاقات متجذرة معهم، وقد لعبوا أدوارًا بارزة داخل إسرائيل، وشغلوا مناصب عليا في جيش الاحتلال والحكومة، مما يجعلهم حلفاء طبيعيين في سوريا بالنسبة للعديد من المسؤولين في المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية.

دعم إسرائيل للحركات الانفصالية ينبع من "طموحات توسعية"
ويعكس دعم "إسرائيل" للدروز السوريين مستوى عميقًا من عدم الثقة بالشرع، إلى جانب تاريخ طويل من التدخل الهادئ في دولة مجاورة عانت من الانقسام والحرب الأهلية، وقد أسهمت معارضة إسرائيل جهود الشرع في توحيد البلاد، بما في ذلك استمرار دعمها للدروز، بتوتر العلاقات بين البلدين، وبين إسرائيل وإدارة ترامب، التي وضعت دعم الشرع في صلب سياستها الإقليمية.

ويعوّل العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس على قدرة الشرع على إعادة الاستقرار إلى سوريا، ما قد يخفّف التوترات الإقليمية، ويفتح الطريق أمام عودة ملايين اللاجئين إلى ديارهم، ويساهم في الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وفي مقابلة أُجريت مؤخرا في واشنطن قبيل لقائه مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، قال الشرع لـ"واشنطن بوست" إن دعم "إسرائيل" للحركات الانفصالية ينبع من "طموحات توسعية"، محذرًا من أنه قد يؤدي إلى إشعال حروب واسعة النطاق في المنطقة، نظرًا لما قد يشكله هذا التوسع من تهديد للأردن والعراق وتركيا ودول الخليج.

وأضاف الشرع أن "إسرائيل" وسوريا "قطعتا شوطًا متقدمًا على طريق التوصل إلى اتفاق لخفض التصعيد"، معربًا عن أمله في أن تسحب إسرائيل قواتها من الأراضي التي سيطرت عليها في وقت سابق من العام الجاري، وألا تتيح المجال لأطراف أو جهات لا تريد لسوريا أن تنعم بالاستقرار".

في المقابل، يقول مسؤولون إسرائيليون إنه رغم انعدام الثقة بالشرع بسبب ماضيه كقائد لفصيل تابع لتنظيم القاعدة، فإن إسرائيل انتهجت قدرًا من البراغماتية في الأشهر الأخيرة، تمثّل في تقليص دعمها للدروز السوريين، وخفض وتيرة الضغط العسكري على سوريا، وإتاحة المجال أمام المسار التفاوضي.

تحويل الدروز السوريين إلى ميليشيا تابعة لإسرائيل
وحسب مسؤولين إسرائيليين ودروز، أوقفت "إسرائيل" في آب/ أغسطس تدفق الأسلحة إلى الدروز، بعد أن صافح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشرع لأول مرة في أيار/ مايو، وداخليًا، علّق مسؤولون إسرائيليون مناقشات كانت تهدف إلى تحويل الدروز السوريين إلى ميليشيا تابعة لإسرائيل، وسط مخاوف من تصاعد الخلافات الداخلية بين القيادات الدرزية السورية، ومن خطر انزلاق إسرائيل إلى التورط بشكل أكبر على الساحة السورية، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين ومستشارين حكوميين.

وقال مسؤول إسرائيلي، واصفًا هذا الدعم بأنه محسوب بدقة: "كنا نتدخل عندما يكون ذلك ضروريًا للغاية، ونحن ملتزمون بأمن الأقليات، لكن الأمر لا يعني أننا سننشر قوات كوماندوز تقاتل مع الدروز أو نطلق مشروع تشكيل ميليشيات وكيلة"، وأضاف: "نراقب مسار التطورات عن كثب، وليس خافيًا أن الإدارة الأمريكية تدفع بقوة نحو التوصل إلى اتفاق".

وأشار المسؤول نفسه إلى تزايد القناعة داخل "إسرائيل" بأن الدروز السوريين ليسوا كتلة واحدة، وأنهم لم يصطفوا جميعا خلف الزعيم الروحي للطائفة، الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود دعوات للانفصال عن سوريا بدعم إسرائيلي.

وردًا على طلب التعليق الرسمي، صرح مسؤول حكومي إسرائيلي قائلاً: "بعد هجمات 7 أكتوبر، تلتزم إسرائيل بحماية مواطنيها على الحدود، بما في ذلك الحدود الشمالية، ومنع تحصن الإرهابيين وأي أعمال عدائية ضدنا، إلى جانب حماية حلفائنا الدروز وضمان أمن الدولة من أي هجمات برية أو أي هجمات أخرى قادمة من الحدود".

استياء أمريكي من الإجراءات الإسرائيلية
في المقابل، يرى بعض المحللين الإسرائيليين والأمريكيين أن الاستخدام الإسرائيلي المكثف للقوة العسكرية في سوريا، إلى جانب الجهود السرّية لتعزيز النزعة الانفصالية الدرزية، جاء بنتائج عكسية وأضرّ بالعلاقات في مرحلة بدا فيها الشرع منفتحًا على تحقيق انفراج دبلوماسي.

وقالت دانا سترول، المسؤولة الرفيعة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية خلال إدارة بايدن، والتي تابعت الملف السوري عن كثب: "يتصاعد الاستياء في واشنطن من أن الإجراءات الإسرائيلية أعاقت مسارًا يتطلع إلى نجاحه معظم صناع القرار في الولايات المتحدة، بل وفي الشرق الأوسط عمومًا، وهو قيام سوريا مستقرة وموحدة".

ترامب والشرع - سانا

وأضافت: "الحجة الأساسية الموجهة لإسرائيل هي: لديكم قادة في دمشق مستعدون لذكر اسم إسرائيل والتحدث عن مستقبل محتمل لعلاقات طبيعية، ومع ذلك تواصلون القصف أو البحث عن طرف بديل تعملون من خلاله".

اظهار أخبار متعلقة


وأكد التحقيق أن "إسرائيل" تواجه، على الرغم من الإستراتيجيات المدروسة والدعم المستمر، تحديات كبيرة في تحقيق أهدافها بسوريا، أبرزها التنسيق المتواصل مع القوى الدولية الأخرى، والحفاظ على توازن دقيق في العلاقات مع مختلف الفصائل بسوريا، والتعامل مع الانتقادات المتزايدة من المجتمع الدولي والدول الإقليمية.

مقاربة براغماتية
وقالت الصحيفة في تحقيقها إن "إسرائيل" تدرك أن الاتكاء الشديد على الفصائل الدرزية قد لا يكون مستداما على المدى الطويل، بسبب الصراعات الداخلية بين القادة الدروز وشظف أوضاعهم الداخلية، لذلك، تتبنى مقاربة براغماتية تعتمد على التكيف المستمر والاستجابة السريعة للظروف المتغيرة على الأرض.

وخلصت الصحيفة إلى أن الأنشطة السرية الإسرائيلية وسياستها تجاه دعم الدروز تظل موجهة نحو تحقيق أهداف إستراتيجية أعمق، مثل صياغة توازن القوى في سوريا ومنع ظهور تهديدات جديدة على حدودها مع "إسرائيل".
التعليقات (0)

خبر عاجل