مقالات مختارة

العالم الثالث في خطر.. ما العمل؟

محمد سليم قلالة
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
مع مرور الأشهر والسنوات بات واضحا أمام أعيننا اليوم خطورة الأوضاع التي تعرفها وسَتعرفها دول العالم الثالث إذا لم تستبق ما ينتظرها بسياسات مدروسة واحتياطات فعَّالة في جميع المجالات وعلى مختلف المستويات.

القوة الأولى في العالم اليوم تقوم بسياسات حمائية غير مسبوقة، آخرها غلق أبواب الهجرة تماما أمام دولنا، وستقوم لاحقا بغربلة ما سيبقى لديها طبقا لمصالحها، ودول أوروبا الغربية التي استعمرت العالم الثالث ونَهبت ثرواته لقرون ومازالت، تحمِّله اليوم وحده مسؤولية الأوضاع التي يعيشها، وتعمل بكل الوسائل لإطالة تبعيته لها في مختلف المجالات.. والصين القوة الاقتصادية الأولى لا تريد أن تكون شريكا ثانويا معه، بل تريده أن يندرج ضمن سياستها التي باتت اليوم كونية، وحتى بعض الدول من العالم الثالث ذاته التي تمكّنت من رفع مستوى معيشة سكانها من خلال ما تمتلك من ثروات كبيرة باتت تحسب نفسها من خارج العالم الثالث بل وأحيانا تتصرَّف معه بنفس عقلية الغرب والشرق… كل هذا أدخل الكثير من بلداننا ضمن دائرة مغلقة من الصعب الإفلات منها: إرضاء الشرق يُغضِب الغرب، ومحاولة الاستقلال الذاتي تغضبهما معا، والسعي إلى امتلاك سياسة خارجية جنوبية أصبح مثيرا للريبة، وتجنب الاصطفاف في النزاعات الدولية مع هذا أو ذاك أصبح غير مقبول… فما العمل؟

نتيجة هذا الوضع انهارت قياداتُ بعض الدول ورأت أنه من مصلحتها الارتماء مباشرة في أحضان هذا أو ذاك مُتبنِّية كل ما يفعل ويقول وإن كان فيه تناقضٌ مع مبادئها التاريخية وقيمها وأخلاقها، فلم تعد تمتنع عن اتخاذ أي موقف ولا اعتماد أيِّ سياسة مادام ذلك يُرضي الآخرين، ومادامت بذلك تحظى برضاهم ولو على حساب العالم الثالث الذي تنتمي إليه، واعتبرت ذلك عين السياسة!

أما بعض الدول الأخرى، فاختارت طريقا أكثر وبالًا، إذ أدى ضعف سياستها الخارجية وهشاشة أوضاعها الداخلية إلى دخولها في دوامة صراعات غير منتهية (حروب أهلية، انقلابات، صراعات حول السلطة، مجاعات، حركات انفصالية… الخ)، وهي الآن تعيش ليس فقط على هامش العالم بل على هامش العالم الثالث ذاته…

يبقى الصنفُ الثالث من دول العالم الثالث، والذي نتمنَّى أن نكون منه، فهو ذلك الذي سيتمكن من إجراء قراءة صحيحة للتحول الحاصل في العلاقات الدولية ويتصرف على أساسه لضبط سياسته الداخلية والخارجية…

والقراءة الصحيحة هذه تستلزم منه بالضرورة اليوم إدراك 5 مسائل على الأقل:
– الأولى: أن الهوة التكنولوجية بيننا والعالم المتقدم ما فتئت تزداد خاصة بالثورات المتتالية في مجال الذكاء الاصطناعي بكل ما يصاحبه من تطور تكنولوجي مذهل، وهذا ما ينبغي العملُ على تداركه، بل يُعَدُّ أولوية الأولويات، والجامعات تعدُّ المنطلق الذي منه نبدأ بما يسبقها من اهتمام استراتيجي بكل مراحل التعليم.

– الثانية: أن الإسراع بتقليص الهوة التكنولوجية يستلزم بالضرورة إنشاء أقطاب تكنولوجية حديثة في أكثر من مكان وربط الجامعات بها بطريقة مباشرة للدفع بالتنمية الاقتصادية قُدُما من خلال أولويات محددة.

– الثالثة: خلق ديناميكية اجتماعية سياسية حول هدف مركزي استراتيجي (ضمن رؤية شاملة) يُبعد المجتمع عن الصراعات الثانوية والخلافات الجانبية وتجعله لا يلتفت إليها ولا يعتبرها أساسيات.
– الرابعة: تعزيز دولة القانون والشفافية التامة في جميع المستويات لإرساء جو الثقة بين المواطنين المانع لكل محاولات التشويش على هذا المسار.

الخامسة: اعتماد سياسة إعلامية مُستوعِبة لهذه التحولات وصَانعة لها، مُبتعدة عن الغرق في الجزئيات والأبعاد الشخصية للمشكلات.

بهذا يمكننا الحديث عن أمل حقيقي لِبلداننا لِتتجاوز هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخها ذات الصلة بما يعرفه العالم من تَبدُّلات وصراعات، وبدل أن يقع العالم الثالث ضحية مرة أخرى يخرج منتصرا وقادرا على البقاء.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)

خبر عاجل